Table of Contents
قبل 66 مليون سنة، أُسدل الستار بشكل درامي على «عصر الزواحف» حينما اصطدم كويكب بالأرض منهياً حكم الديناصورات ومعظم الزواحف الكبرى. وفي حين استغلت الثدييات الفرصة للسيطرة على العالم الجديد، بقيت جيوب معزولة من «الوحوش القديمة» تقاوم الفناء في الظل. في أمريكا الجنوبية، استمرت مجموعة مرعبة من أقارب التماسيح في الهيمنة، ولكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هناك، بل في جزر البحر الكاريبي، حيث كشفت الأحافير أن هذه الكائنات اتخذت من الجزر ملاذاً أخيراً، ونجت لفترات أطول بكثير مما كان يعتقده العلم سابقاً.
اكتشاف يعيد كتابة التاريخ في الدومينيكان
في تطور علمي لافت، عثر الباحثون في جمهورية الدومينيكان على أحافير جديدة قلبت الموازين الزمنية لانقراض مجموعة من الزواحف تعرف بـ «السيبكيات» (Sebecids). هذه الكائنات، التي تشبه التماسيح ولكن بخصائص برية مخيفة، كان يُعتقد أنها اختفت تماماً من أمريكا الجنوبية قبل نحو 10 ملايين سنة. لكن الدراسة الجديدة المنشورة في دورية Proceedings B of the Royal Society تشير إلى أن هذه الوحوش عاشت في الكاريبي حتى وقت قريب نسبياً، وتحديداً قبل حوالي 4.5 مليون سنة فقط.
الاكتشاف لم يأتِ من فراغ؛ فقد لاحظ العلماء سابقاً وجود أسنان غامضة ومسننة في مواقع أحفورية بكوبا وبورتوريكو، لكن هوية أصحابها ظلت لغزاً محيراً نظراً لتشابه أسنان عدة مجموعات من الزواحف. الحل جاء على يد عالم الحفريات «لازارو فينيولا لوبيز» وفريقه، عندما اكتشفوا فقرات عظمية بجانب سنٍّ مسنن في طبقة صخرية مكشوفة على جانب طريق في الدومينيكان.

تشريح الوحش: ليست تماسيح عادية
ما الذي يميز هذه الكائنات عن تماسيح اليوم التي نراها في الأنهار والبحيرات؟ يوضح «لوبيز»، الذي ينتقل حالياً للعمل في متحف فيلد بشكاغو، أن الفقرات المكتشفة كانت الدليل القاطع. فبينما تمتلك أقارب التماسيح الحديثة مفاصل كروية (Ball-and-socket) بين فقراتها، تتميز «السيبكيات» بفقرات مسطحة، وهو ما تطابق مع العينات المكتشفة.
كانت هذه الكائنات مفترسات برية بامتياز؛ فعلى عكس التماسيح الحديثة ذات الأطراف الممتدة جانبياً، امتلكت السيبكيات أطرافاً طويلة تتموضع عمودياً تحت أجسادها، مما منحها قدرة عالية على الركض والمطاردة على اليابسة. كانت رؤوسها طويلة وضيقة تشبه الديناصورات اللاحمة، وفكوكها مسلحة بأسنان مضغوطة ومسننة كشفرات السكاكين، مصممة لتمزيق اللحوم بكفاءة عالية.
الملاذ الأخير في الجزر المعزولة
يمثل هذا الاكتشاف أول سجل مؤكد للسيبكيات في منطقة الكاريبي، ويرجح الباحثون أن الأسنان التي عُثر عليها سابقاً في جزر أخرى تعود لنفس المجموعة. اللافت للنظر أن هذه الأسنان يعود تاريخ بعضها إلى 29 مليون سنة، مما يعني أن هذه الكائنات استوطنت الجزر لفترات طويلة جداً. أما العينات الجديدة من الدومينيكان فهي أصغر عمراً بكثير (بين 4 و7 ملايين سنة)، ما يعني أن السيبكيات صمدت في الجزر بعد فترة طويلة من انقراض أقرانها في القارة الأمريكية الجنوبية.
يعلق «جوناثان بلوخ»، عالم الحفريات بجامعة فلوريدا وعضو فريق البحث، واصفاً الأمر بأنه «مذهل حقاً». فهذه الكائنات تمثل آخر سلالة من مجموعة أوسع تدعى «النوتوسوكيات» (Notosuchians) التي ظهرت لأول مرة في العصر الجوراسي، وامتد تاريخها المجيد عبر عصر الديناصورات وصولاً إلى حقبة الحياة الحديثة (سينوزويك) في جزر الكاريبي.
كيف وصلت إلى هناك وماذا حدث؟
لكن كيف عبرت هذه الزواحف البرية البحر؟ يطرح العلماء فرضيتين: إما أنها عبرت جسوراً برية قديمة غمرتها المياه الآن، أو أنها انتقلت عبر «الطوافات الطبيعية» (Rafting) المكونة من كتل النباتات المنجرفة، وهي وسيلة انتقال معروفة لحيوانات أخرى. في تلك الحقبة، كانت الجزر تعج بحياة برية غريبة تشمل أنواعاً من التماسيح الغريالية (الموجودة حالياً في جنوب آسيا فقط)، وقوارض ضخمة، وكسلان، وحتى قرود.
تفرض هذه النتائج إعادة النظر في التاريخ التطوري للكاريبي. فلطالما اعتقد العلماء أن تطور الطيور التي لا تطير (Flightless birds) في الجزر كان دليلاً على غياب المفترسات الأرضية. إلا أن وجود السيبكيات، التي قد يصل طول بعض أنواعها كـ «باريناسوكس» (Barinasuchus) في أمريكا الجنوبية إلى 10 أمتار وبوزن طنين، يغير الصورة.
ومع ذلك، يقدر العلماء أن السيبكيات المكتشفة في الدومينيكان كانت أصغر حجماً (حوالي مترين)، ويرجحون أنها انقرضت قبل أن تتجه الطيور للتخلي عن قدرتها على الطيران. ويختتم «بيدرو جودوي»، عالم الحفريات بجامعة ساو باولو، بالإشارة إلى أن هذه النتائج تثبت أن هذه الحيوانات كانت عناصر فاعلة في النظم البيئي حتى وقت قريب، وهو أمر مفاجئ لأننا نربطها ذهنياً بعصور سحيقة تسبق انقراض الديناصورات.