Table of Contents
لطالما أثار ذلك الناب الطويل والملتف، الذي يبرز من رأس حوت النروال (Narwhal) ويمنحه لقب “وحيد القرن البحري”، حيرة العلماء لقرون طويلة. هل هو رمح للمبارزة مع الذكور المنافسين؟ أم هو مستشعر فائق الدقة لملوحة وحرارة المياه؟ بينما رجحت الأبحاث السابقة هذه الفرضيات، تأتي لقطات جوية نادرة اليوم لتقترح وظيفة جديدة كلياً وأكثر طرافة: قد يكون هذا الناب المهيب مجرد “أداة للعب” في لحظات الصفاء الصيفي.
ماذا كشفت طائرات الدرون في القطب الشمالي؟
في المياه الجليدية لخليج جزيرة نائية في القطب الشمالي الكندي، تمكن الباحثون من توثيق سلوكيات غير مسبوقة لحيتان النروال. بدلاً من الصورة النمطية للكائنات القطبية التي تصارع البقاء في بيئة قاسية، أظهرت اللقطات جانباً مرحاً لهذه العمالقة.

وفقاً للدراسة التي نشرت يوم 28 فبراير في دورية Frontiers in Marine Science، رصدت طائرات مسيرة (درون) الحيتان وهي تتفاعل مع سمك الشار القطبي (Arctic char). وفي حين أن النروال قد يستخدم نابه لضرب الأسماك بقوة لصعقها قبل الأكل، إلا أن الكاميرات وثقت مشهداً مختلفاً: حوت يقود سمكة، ينكزها برفق، ويقلبها ببطء باستخدام نابه دون محاولة التهامها.
بين الصيد واللعب: خيط رفيع
يوضح غريغ أوكوري-كرو (Greg O’Corry-Crowe)، عالم البيئة السلوكية والوراثة في جامعة فلوريدا أتلانتيك، أن التقنيات الحديثة أتاحت لنا أخيراً فرصة لمراقبة “التاريخ الطبيعي القديم” لهذه الكائنات دون إزعاجها. ويشير إلى أن اللقطات التي تم جمعها في صيف 2022 أظهرت نوعين من التفاعل.
في الحالة الأولى، كانت الحيتان تطارد الأسماك وتلوح بأنيابها مثل مضارب البيسبول لصعق الفريسة وتناولها، وهو سلوك تغذية معروف. أما في الحالة الثانية، والتي أثارت دهشة الفريق العلمي، فقد ظهرت ثلاثة حيتان تتبع سمكة شار كبيرة، حيث تولى أحد الحيتان مهمة “توجيه” السمكة عبر نكزها برفق بقلب نابه أو جانبه، مغيراً مسارها.
يقول أوكوري-كرو واصفاً المشهد: “كان هناك نوع من التردد والفضول. حتى عندما قامت السمكة بحركة درامية مفاجئة، تراجع الحوت الضخم وكأنه يقول: يا للروعة!”، مضيفاً أن غياب محاولات الافتراس وتكرار الحركات اللطيفة في بيئة هادئة يشير بوضوح إلى سلوك اللعب.
لغز الناب الحلزوني يتكشف
يعد ناب النروال، الذي هو في الواقع سنّ متطاول يبرز من الشفة العليا (غالباً لدى الذكور)، من أغرب السمات التشريحية في عالم الحيوان، حيث قد يصل طوله إلى نصف طول جسم الحوت البالغ 4.5 متر. تقليدياً، اعتقد العلماء أن هذا الناب تطور كوسيلة استعراض لجذب الإناث أو للمنافسة الجسدية بين الذكور.
ومع تقدم الأبحاث، اكتشف العلماء أن الناب مليء بالنهايات العصبية، مما يجعله أداة حسية قادرة على رصد التغيرات في البيئة المحيطة. واليوم، تضيف هذه الملاحظات الجديدة بعداً إدراكياً آخر: الحيتان تستخدم هذه الأداة الحسية الحساسة للتفاعل الاجتماعي والترفيهي مع أنواع أخرى لا تشكل جزءاً أساسياً من غذائها المعتاد، خاصة أن النروال يتغذى بشكل أساسي في الشتاء وليس الصيف.
عطلة صيفية في القطب الشمالي
تتحدى هذه النتائج النظرة السائدة بأن الحياة في القطب الشمالي هي مجرد كفاح مستمر ضد الموت والتجمد. يشير الباحثون إلى أن هذه الحيوانات، مثلها مثل البشر، قد تمتلك وقتاً للفراغ والاستكشاف عندما تكون الظروف مواتية.
إن اكتشاف أن “وحيد القرن البحري” يخصص وقتاً في فصل الصيف لما يمكن تسميته “عطلة للعب”، يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول الذكاء العاطفي والاجتماعي للحيتان. فإذا كانت هذه العمالقة تستخدم أسلحتها الفتاكة لمداعبة الأسماك الصغيرة، فما هي الأسرار الأخرى التي تخفيها تحت طبقات الجليد؟