Table of Contents
لطالما كان الاعتماد على الكهرباء هو الثابت الوحيد في عالم الحوسبة منذ نشأته، حيث تتدفق الإلكترونات عبر الأسلاك والترانزستورات لتعالج البيانات التي نعتمد عليها في كل شيء. ولكن، يبدو أن هذا العصر يقترب من منعطف تاريخي حاسم؛ إذ لم تعد الإلكترونات وحدها كافية لمواكبة نهمنا المتزايد للسرعة والكفاءة، وبدأ الضوء يقرع أبواب المعالجات الحاسوبية ليأخذ مكانه في قلب المعادلات الرياضية المعقدة.
فجر الحوسبة الضوئية
في خطوة تُمثّل قفزة نوعية، أزاحت شركتان تقنيتان الستار عن مكونات حاسوبية جديدة لا تعتمد على الشحنات الكهربائية التقليدية، بل تستخدم أشعة الليزر لمعالجة المعلومات. هذا الإعلان، الذي نُشر في ورقتين بحثيتين منفصلتين في دورية Nature المرموقة في التاسع من أبريل، يُبشر بجيل جديد من المعالجات “الفوتونية” (Photonic Processors) القادرة على حل مشكلات واقعية بسرعة فائقة واستهلاك أقل للطاقة مقارنة بالحواسيب التقليدية.
أنتوني ريزو، مهندس الضوئيات في كلية دارتموث، والذي لم يشارك في الدراسات، يرى أن ما قدمته شركتا “لايت إليجنس” (Lightelligence) و”لايت ماتير” (Lightmatter) يُثبت أن المكونات القائمة على الضوء “يمكنها القيام بمهام تهمنا فعلياً، وبشكل أفضل من الرقائق الإلكترونية الحالية”. وبينما نستخدم الألياف الضوئية بالفعل لنقل البيانات عبر القارات، فإن الجديد هنا هو أن الضوء داخل هذه الأجهزة لا ينقل البيانات فحسب، بل يقوم بإجراء العمليات الحسابية عليها.

عندما يصل قانون “مور” إلى طريق مسدود
يأتي هذا التطور في توقيت حرج للغاية لصناعة التكنولوجيا. فنماذج الذكاء الاصطناعي تزداد ضخامة وتعقيداً يوماً بعد يوم، وتتطلب قوة معالجة هائلة. تاريخياً، اعتمد المهندسون على ما يُعرف بـ “قانون مور” (Moore’s Law)، الذي ينص على تضاعف عدد الترانزستورات في الرقائق كل عامين تقريباً، مما يعني حواسيب أسرع وأرخص. لكن الفيزياء لها رأي آخر.
يؤكد نيك هاريس، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “لايت ماتير”، أن قانون مور وصل إلى حدوده القصوى. فالخصائص الفيزيائية لكيفية تحرك الكهرباء تمنع تصغير الترانزستورات أكثر من ذلك دون مشاكل حرارية وفيزيائية جمة. ويضيف هاريس بوضوح: “الحواسيب المعتمدة على الرقائق الإلكترونية العادية لن تصبح أفضل مما هي عليه الآن”. وهنا يبرز الحل الضوئي كمنقذ محتمل، حيث يتيح الضوء إجراء عمليات ضرب المصفوفات (Matrix Multiplication) —وهي العملية الأساسية في معظم خوارزميات الذكاء الاصطناعي— بكفاءة لا تضاهى.
من المختبرات إلى تشغيل الألعاب والذكاء الاصطناعي
ما يميز الإنجاز الجديد هو الانتقال من النظريات إلى التطبيق العملي. جهاز شركة “لايت إليجنس”، المسمى (PACE)، يدمج شريحة ضوئية مع أخرى إلكترونية لتسريع حل “مسائل التحسين” (Optimization Problems) المعقدة، وهي مسائل حيوية لقطاعات مثل التمويل، التصنيع، والشحن اللوجستي. في هذه الأنظمة، تُعتبر العشوائية البسيطة في إشارات الضوء ميزة تساعد النظام على استكشاف حلول متنوعة بكفاءة أكبر.
على الجانب الآخر، قدمت شركة “لايت ماتير” معالجاً للأغراض العامة يدمج أربع رقائق ضوئية مع اثنتين إلكترونيتين. وقد نجح الفريق في استخدام هذا النظام لتشغيل تقنيات ذكاء اصطناعي سائدة، بما في ذلك نماذج لغوية كبيرة تشبه تلك التي تشغل “تشات جي بي تي” (ChatGPT). والأكثر إثارة، أنهم استخدموا خوارزمية تعلم عميق تمكنت من ممارسة ألعاب أتاري (Atari) الكلاسيكية مثل “باك مان”.
“هذا أمر لم يحدث من قبل باستخدام أي تقنية معالجة بديلة… هذا نوع جديد من الحواسيب، وقد أصبح واقعاً.” – نيك هاريس
مستقبل مشرق ومقياس دقيق
تتمثل إحدى العقبات التاريخية أمام المعالجات الضوئية في الدقة؛ فالإشارات الضوئية تتخذ قيماً مستمرة (Analog) بدلاً من مجرد 0 و 1 الرقمية، وأي خطأ بسيط في النقل قد يتفاقم ليصبح خطأً كبيراً في النتائج. عالجت “لايت ماتير” هذه المشكلة بذكاء من خلال تكديس الرقائق الإلكترونية فوق الضوئية للتحكم الدقيق في البيانات الصادرة والواردة، مما يقلل الأخطاء بشكل كبير.
الأهم من ذلك، يشير أنتوني ريزو إلى أن المكونات الضوئية لهذه الأجهزة يمكن تصنيعها باستخدام نفس المصانع والعمليات التي تنتج الرقائق الإلكترونية الحالية، مما يعني سهولة في التوسع والإنتاج الضخم. ويتوقع ريزو أن نرى هذه التقنيات داخل مراكز البيانات العالمية في غضون خمس سنوات فقط. نحن لا نتحدث عن نماذج أولية مخبرية بعد الآن، بل عن فجر عصر جديد للحوسبة.