
مقدمة محرر الملف
كانت الرأسمالية ناجحة تماماً كنظام للاقتصاد السياسي. وقد ظهرت في القرن الثامن عشر، وأقلعت في القرن التاسع عشر، وهيمنت على العالم في القرن العشرين. وأثبتت الصفقة الفاوستية التي تعرضها -الثروات والحريات، بثمن الاستقرار، والتقاليد، والمجتمع- أنها جذابة لدرجة أن المزيد من المجتمعات تواصل إبرامها. والآن، بعد أن ترك منافسيه الأيديولوجيين في الغبار، يواجه النظام عيوبه الخاصة، وليس الحساب دائما جميلا. ومع ذلك، حتى الآن، ما يزال كل الكلام عن الانتقال إلى شيء جديد وأفضل، حتى الآن، مجرد كلام.
في هذا الملف، ناقش مجموعة من الخبراء والمفكرين رؤاهم المختلفة لأزمة الرأسمالية ووجهاتها، في خمسة مقالات:
- صدام الرأسماليات.
- كيف ينتهي الفقر.
- الدولة الجائعة.
- الانهيار النيو-ليبرالي.
- وهم الاشتراكية الجديدة.
في مقال سابق في هذا الملف، “صدام الرأسماليات”، جادل برانكو ميلانوفيتش Branko Milanovic بأن انتصار الأسواق هو شيء فريد من نوعه في تاريخ البشرية؛ لم يحدث أبداً من قبل أن أصبح نمطا واحدا للإنتاج عالمياً. ومع ذلك، غالباً ما تأتي الصدوع في أعقاب الانتصارات، واليوم يتصارع معسكران رأسماليان من أجل التفوق: معسكر جدارة ليبرالي، تقوده الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، ومعسكر سياسي بقيادة الدولة، تشكل الصين رأس حربته. ولكل منهما مشاكل كبيرة تنتظر في الأمام.
في المقال الثاني من الملف، لاحظ أبيجيت بانيرجي Abhijit Banerjee وإستير دوفلو Esther Duflo -اللذان فازا بجائزة نوبل في الخريف الماضي عن أبحاثهما- أن النمو الاقتصادي المقُود بالسوق خلال نصف القرن الماضي قد انتشل المزيد من الناس من ربقة الفقر بشكل أسرع من أي وقت مضى، وخاصة في الصين والهند. لكن أحداً لم يتمكن من إيجاد صيغة موثوقة للنجاح الاقتصادي. ولذلك، بدلاً من البحث عن نظريات كبرى، يجب على الحكومات أن تركز على التدخلات المباشرة للمساعدة على تحسين حياة الناس.
في المقال الثالث، قال جوزيف ستيغليتز Joseph Stiglitz وتود تاكر Todd Tucker وغابرييل زوكمان Gabriel Zucman إن الرأسمالية أصبحت تعيش أزمة بسبب نقص في العائدات الحكومية، والذي نشأ لأن النخب البلوتوقراطية تلاعبت بالنظام لحماية مصالحها، واختزان مواردها وتجويع الدولة. والحل الذي يقترحه المؤلفون لهذه المشكلة هو زيادة الضرائب بشكل كبير.
وفي المقال الرابع، ذهبت مياتا فانبوله Miatta Fahnbulleh شوطاً أبعد، مدعية أن ركود الدخول، وتركز الثروة، والكوارث البيئية التي تلوح في الأفق، تدل كلها على أن الرأسمالية قد وصلت إلى حدودها القصوى. هناك حاجة إلى نموذج اقتصادي جديد، والذي يقوم بالتوفيق بين المثل الاشتراكية التقليدية والحقائق المعاصرة، وبتمكين الناس والمجتمعات بدلاً من الدولة.
وفي هذا المقال الأخير، يلتمس جيري مولر Jerry Muller الاختلاف بكياسة. إن اقتراح طفرة ازدهار للاشتراكية الجديدةmovement Neosocialist هو مجرد نكتة، وسيكون فرض الضرائب على الثروة كابوساً، وسوف يكون العمل الحقيقي في معالجة التغير المناخي مدفوعاً بابتكار رواد الأعمال -ما لم يتحكم يعاقِبة اليوم في الاقتصاد ويقومون بإطفاء محركاته.
والخلاصة؟ الآن، بعد قرنين ونصف، ما نزال نحاول أن نخمن كيفية جني إيجابيات الأسواق مع حماية أنفسنا من الجوانب السلبية. والفوائد تفوق التكاليف، ولذلك تستمر الرأسمالية في المضي قدماً. ولكن، كلما زاد الانطباع بأن النظام يعمل فقط لفائدة أولئك الذين في القمة، فإنه سيواجه المزيد من المشاكل في الحفاظ على الشرعية الديمقراطية.
جيري مولر* – (فورين أفيرز) كانون الثاني (يناير)/ شباط (فبراير) 2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نحن نعيش، كما يقال لنا، لحظة اشتراكية-جديدة neosocialist. من الساسة، مثل البريطاني جيريمي كوربين، والأميركيَّين أليكساندريا أوكاسيو كورتيز وبيرني ساندرز، الذين يقودون هذه الموجة، إلى الأكاديميين البارزين الذين يهاجمون خطايا الرأسمالية، إلى المتأنقين في حشد من اليعاقبة Jacobian، (1) تحاول حركة متنامية في أقصى اليسار إحياء وإعادة تأهيل تقليد أيديولوجي نائم منذ وقت طويل.
هاجس هذه الحركة هو السعي إلى تحقيق قدر أكبر من المساواة، والذي يتم التعبير عنه بشكل أساسي من خلال التسوية العقابية. وتُعد الأمور التي تسهم في عدم المساواة، مثل الدخل أو الربح أو الثروة، أضراراً عامة يجب السيطرة عليها -من خلال الضرائب، والتنظيم، والسياسات الحكومية الأخرى. وماذا عن العواقب بالنسبة للأولويات الأخرى، مثل الإيرادات المستدامة، والنمو الاقتصادي، والابتكار التكنولوجي والحريات الفردية؟ ليست جزءاً من المعادلة.
للرأسمالية نقاط قوتها وضعفها، والانتقادات الموجهة إليها مألوفة -تم تداولها على نطاق واسع منذ أن بدأت النظم الاقتصادية القائمة على السوق بالصعود في القرن الثامن عشر. وفي واقع الامر، ساعدت قوة هذه الانتقادات على تأجيج حركات الإصلاح المتكررة على مر العصور، والتي حولت القرن الثالث عشر، بشكل جماعي، إلى اقتصاد دولة الرفاه المختلط في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة المعاصرة.
اليوم، يناضل الكثيرون من اليسار من أجل المزيد من الشيء نفسه -حيث يواصلون السعي إلى ما كان يطلق عليه اسم “الديمقراطية الاجتماعية” social democracy، واستخدام السياسة للسيطرة على تجاوزات القطاع الخاص وتسخير قوته لتحقيق المنفعة العامة. وهذا النضال مهم من الناحية السياسية، ولكنه غير مهم من الناحية النظرية. فقد وُجدت الحجج المؤيدة والمعارضة للديمقراطية الاجتماعية منذ أجيال، وما تزال؛ واختر ما تريد.
ومع ذلك، فإن حركة الاشتراكية الجديدة neosocialist movement هي شيء مختلف. إن جذورها لا تكمن في الديمقراطية الاجتماعية، وإنما في الاشتراكية الديمقراطية democratic socialism، التي لا تسعى إلى إصلاح الرأسمالية بقدر ما تسعى إلى إنهائها تماماً. وإذا تم وضع سياساتها في أي وقت موضع التنفيذ، فإنها ستؤدي إلى كارثة.
كان روسو ليحبَّ فرض ضريبة على الثروة للشواغل المتعلقة بالنتائج غير الموزعة بطريقة متساوية للأسواق الحرة تاريخ طويل. في منتصف القرن الثامن عشر، اعتبر مفكرون مثل فولتير Voltaire، وديفيد هيوم David Hume انتشار التجارة بمثابة نعمة للبشرية. فبدلاً من الفقر والهيكل الهرمي والصراع الديني، كما قالوا، عززت الأسواق الرخاء، والدينامية الفكرية والسلام الاجتماعي.
ورد جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau بأن البشر مهووسون بمكانتهم الاجتماعية، وبما أن التنافس على المكانة هو لعبة محصلتها صفر، كان البشر بائسين عموماً. فقد تم توزيع المكاسب التي حققتها الأسواق بشكل غير متكافئ، بحيث زادت الفروقات بين الناس، وجعلتهم أكثر تعاسة. وادعى روسو أن “القلة صاحبة الامتيازات” في مجتمع تجاري “تستمتع بوسائل الرفاهية، بينما تفتقر الكثرة الجائعة إلى ضروريات الحياة الصرفة”.
ورد آدم سميث Adam Smith على روسو بقول إن الأسواق التنافسية يمكن أن تؤدي، في ظل الظروف المناسبة، إلى “بحبوحة عالمية” -والتي عنى بها مستوى معيشة محترماً للجميع. وقد اهتم ذلك بالمشكلة المادية؛ بالكثرة الجائعة المحتاجة إلى الضروريات الصرفة. لكنه لم يتخلص من المشكلة النفسية؛ القلق بشأن المكانة الاجتماعية النسبية.
يتحدر الاشتراكيون الجدد من روسو. وهم يقللون من شأن الفقر وينطوون على هوس متطرف بفكرة المساواة، ويركزون على توزيع الثروة بدلاً من خلق الثروة، ويبدو أنهم يهتمون بإنزال أولئك الذين في القمة بقدر ما يهتمون برفع أولئك في القاع.
يتمثل الاقتراح السياسي الأميز للحركة في فرض ضريبة على الثروة، وهي ضريبة سنوية تُفرض على أصول العائلات. وقد تبني هذا المفهوم الذي روج له اقتصاديون مثل توماس بيكيتي Thomas Piketty وإيمانويل سايز Emmanuel Saez وغابرييل زوكمان Gabriel Zucman، وكلهم مرتبطون بكلية باريس للاقتصاد، كلٌّ من بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، السيناتوران الأميركيان من فيرمونت وماساتشوستس، على التوالي، واللذان ينافسان على ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب الرئيس. في البداية، دعت وارين إلى فرض ضريبة تبلغ نسبتها 2 في المائة على الأسر التي تزيد قيمة أصولها على 50 مليون دولار، وضريبة بنسبة 3 في المائة على المليارديرات. وفي وقت لاحق، بعد أن تعرضت للضغط حول الكيفية التي ستدفع بها مقابل التأمين الصحي الشامل المقترح، ضاعفت نسبة الضريبة المتقرحة على المليارديرات إلى ستة في المائة. وتبدأ خطة ساندرز بفرض ضرائب على الأصول التي بقيمة 16 مليون دولار بنسبة واحد في المائة، وتبلغ ذروتها في ضريبة قدرها 8 في المائة على الأصول التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار.
غالباً ما يتم التقليل من شأن تطرف هذا النهج. ويخلط الكثير من الناس بين ضرائب الثروة وضرائب الدخل الأعلى، أو أنهم يرونها على أنها امتدادات لمفهوم متشابه. لكن ضرائب الثروة هي أدوات تختلف اختلافاً جذرياً ولها تداعيات أوسع نطاقاً بكثير على الدينامية الاقتصادية والحرية الفردية.
يمكن أن يكون التأثير الرئيسي لضريبة الثروة هو تثبيط الأفراد الأثرياء عن الاحتفاظ بأصول يمكن التحقق منها. سوف يتعين على أي فرد أو أسرة على مسافة قريبة من العتبة الضريبية تقييم أصولها سنوياً، مما يفرض تكاليف وإنشاء برنامج دائمة للوظائف لمحامي الضرائب والمحاسبين، الذين تتمثل مسؤوليتهم الرئيسية في العثور على طرق للالتفاف على القانون، بما في ذلك نقل الأصول إلى الخارج.
سوف يكون من شأن ضريبة الثروة تحجيم الاستثمارات الخاصة إلى حد كبير. وكلما ارتفع الناس على السلم الاقتصادي، ذهب قدر أكبر من مواردهم إلى الاستثمار بدلاً من الاستهلاك. وفي الغالب، تغذي هذه الاستثمارات بدورها مشاريع ابتكارية محفوفة بالمخاطر، والتي يتم تمويلها على أمل أن تحقق مكاسب أكبر في نهاية المطاف. وسوف تعمل ضريبة الثروة على إقلاق هيكل الحوافز لدى الأثرياء، مما يتسبب في توقف الكثيرين عن تمويل النشاط الاقتصادي الإنتاجي والتركيز بدلاً من ذلك على الحد من تعرضهم للضرائب وإخفاء أصولهم.
تزعم وارين أن احتساب ضريبة ثروة الفرد سيكون سهلاً مثل حساب ضريبة الأملاك، لكن هذا التصور سخيف. ولنأخذ شركة لها قيمة سوقية، وإنما ليس لها دخل -وهو موقف يتكرر في الأعمال الناشئة، ولكنه شائع أيضاً بين الشركات الراسخة في مواقف مختلفة، مثل إعادة الهيكلة. سوف يتعين على المستثمرين الأثرياء في مثل هذه الشركات بيع أسهمهم لدفع ضريبة الثروة، أو إجبار الشركات على دفع الأموال بدلاً من أن تستثمر في المستقبل. وفي كلتا الحالتين، سوف تثبط الضريبة الاستثمار، وتحد من الابتكار، وتشجع التفكير قصير الأجل.
أخيراً، سيكون من شأن فرض ضريبة على الثروة أن يجبر كل من تقترب موجوداته من الحد الأدنى للاستحقاق على تزويد الحكومة بقيود محاسبية كاملة عن تلك الأصول كل عام: المنازل، والأثاث، والمركبات، والإرث، والحسابات المصرفية، والاستثمارات والمطلوبات، وأكثر من ذلك. وستكون النتيجة توسعاً كبيراً في مدى وصول الحكومة إلى تفاصيل حياة المواطنين، واختزالاً مماثلاً لخصوصيتهم، ومراكمة وتخزين كميات هائلة من البيانات شديدة الحساسية مع القليل من الضمانات للحيلولة دون إساءة استخدامها.
ليس الأفراد الناجحون وحدهم هم الذين يجتذبون حنق الاشتراكيين الجدد؛ إنها الشركات الناجحة أيضاً. فإذا كبُرت شركة بما يكفي لتصبح مشهورة، فإنها تصبح هدفاً محتملاً للتشهير؛ وإذا أصبحت كبيرة جداً، فإنها تصبح هدفاً للتدمير. وبذلك، يكون ساندرز، ووارين، وأوكاسيو كورتيز Ocasio-Cortez، النائبة الديمقراطية عن نيويورك، قد تعهدوا جميعاً في الحقيقة بتفكيك “أمازون”، و”فيسبوك” و”غوغل”.
يستطيع هؤلاء أن يستفيدوا هنا من تقليد موقر لمناهضة الاحتكار في الثقافة السياسية الأميركية، بدءاً من هيئات مكافحة الاحتكار فصاعداً، والذي يتجذر في افتراض أنك كلما ابتعدتَ أكثر عن مثال سميث للتنافس بين العديد من الشركات الصغيرة، أصيب الجمهور بضرر أكبر. ومع ذلك، جادل الاقتصادي جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter بأن سميث قلل إلى حد كبير من أهمية دينامية الرأسمالية ودور رواد الأعمال في دفعها وقيادتها. إن فوائد الرأسمالية المتعددة لم تكن حادثة فقط؛ لقد خلقتها مجموعة صغيرة نسبياً من الأشخاص المسؤولين عن تقديم منتجات جديدة، وخدمات وأساليب عمل جديدة. وقد سعى رواد الأعمال هؤلاء إلى تحقيق الأرباح الكبيرة المرتبطة باحتكارات مؤقتة، وبالتالي دُفعوا إلى إنشاء صناعات جديدة كاملة يستطيعون أن يهيمنوا عليها.
لقد عملت الشركات الكبيرة، كما أدرك شومبيتر، كمحركات للابتكار؛ حيث وجهت بعض أرباحها إلى البحث والتطوير وتشجيع آخرين على فعل الشيء نفسه على أمل أن يصبحوا هدفا للاستحواذ. وكان شومبيتر ليبتهج بوادي السيليكون، بينما يرى عمالقة التكنولوجيا مثل “أبل” و”فيسبوك” و”غوغل” و”مايكروسوفت” كرموز واضحة للفوائد الهائلة التي يولدها رواد الأعمال للمستهلكين.
وفي الأثناء، تحافظ شركات مثل “أمازن” و”وولمارت” على مراكزها من خلال المنافسة المحمومة في الخدمة والسعر، مما يسهم في القضاء الفعلي على التضخم في الاقتصاد الأميركي. ومع ذلك، فإن هذه الشركات الدينامية الناجحة والموجهة نحو العملاء هي بالتحديد التي يريد الاشتراكيون الجدد فرض ضرائب كبيرة عليها، وأن يُثقِلوها باللوائح والتعليمات، وأن يمزقوها إرباً.
السماء لا تقع
ما هو السرطان الذي يتطلب علاجه مثل هذه الأشعة القاتلة؟ من المفترض أن متوسط الدخل للأسرة الواحدة في الولايات المتحدة ظل راكداً منذ عقود عدة، بل إنه تراجع بالنسبة للفئات الدنيا من توزيع الدخل. والمعنى الضمني هو أن مستوى معيشة معظم الناس قد استقر -أو انخفض- خلال الجيلين الأخيرين. لكن هذا ليس صحيحاً.
أول شيء تجدر ملاحظته هو أن الإحصاءات الخاصة بفئات الدخل لا تحدد بدقة ملامح حياة الأفراد، لأن الأشخاص داخل فئات الدخل يواصلون التغير. إن هؤلاء المليارديرات الذين يرغب الاشتراكيون الجدد في معاقبتهم بشدة ليسوا أبناء جيل رابع لصناديق ائتمانية أرستقراطية، وإنما هم رواد أعمال عصاميون صنعوا أنفسهم بأنفسهم، وسوف تشمل الفئات الأدنى منهم في أي وقت العديد من الشباب والمهاجرين الجدد، الذين يميلون إلى الانتقال إلى أعلى لاحقاً.
ثانياً، لقد أصبح الأثرياءُ أكثر ثراءً حقاً -بمعدل أعلى من أولئك الذين في الوسط، مع تحسن الذين في القاع أقل ما يكون- كما تزايد عدم المساواة بالتأكيد. لكن هذا لا يعني أن غير الأغنياء لم يحسنوا حالتهم أيضاً. وقد خلصت دراسة حديثة أجراها الخبير الاقتصادي بروس ساكردوت Bruce Sacerdote إلى ما يلي: “لقد حدث نمو كبير في الاستهلاك للعائلات ذات الدخل الأقل من المتوسط، حتى في فترة مطولة من تزايد اللامساواة في الدخل، وزيادة في اللامساواة في الاستهلاك، وحصة متناقصة من الدخل القومي التي تذهب إلى العمل”.
احذر من الألعاب التي يمكن لعبها بالإحصائيات. لقد أصبحت الأسر اليوم، على سبيل المثال، أصغر مما كانت عليه قبل جيل مضى، حيث يعيش عدد أكبر من الناس بمفردهم أو مع أحد الوالدين. وبذلك، حتى لو كان دخل الأسرة في حالة ركود، فإن حصة الفرد من الدخل ربما تكون قد ارتفعت. ثم هناك بنية الأعمار المتغيرة في المجتمع. فمع زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون عمراً أطول، تزداد حصة كبار السن المتقاعدين؛ ولأن لديهم دخلا أقل، فقد أدى ذلك إلى انخفاض متوسط دخل الأسرة. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي فهم الدخل بحيث لا يقتصر على مجرد الأجور والمرتبات ببساطة، وإنما ليشمل المنافع أيضاً. وقد أنفق أرباب العمل أكثر من أي وقت مضى في العقود الأخيرة على أغلى المنافع، الرعاية الصحية -وهي نقود ينبغي اعتبارها جزءاً من الدخل. أضف إلى ذلك برامج التحويلات الحكومية، التي تخفض الدخول في الأعلى وتزيد الدخول والنفقات في الأسفل، وسوف تتغير الصورة مرة أخرى. إننا لسنا أمام حالة فقر اقتصادي ديستوبي.
يهتم ورثة سميث المثقفون، على النقيض من ورثة روسو، بتقليل اللاومساواة بشكل أكبر من اهتمامهم برفع مستوى معيشة السكان عموماً -بحيث يتم أخيراً تحقيق تلك “البحبوحة العالمية” الذي تنباً سميث ببصيرة نافذة بأن الأسواق الحرة يمكن أن تحققها. لقد أثبتت الرأسمالية خصوبتها وديناميتها غير العادية في العثور على طرق لتحسين مستويات المعيشة، في الحقيقة، حتى أن من الصعب تعقبها.
لقد غيّر التدمير الشومبيتري Schumpeterian الخلاق الحياة بطرق غير محدودة -حرفيا. وكما لاحظ الخبير الاقتصادي راسل روبرتس Russell Roberts، فإنه حتى الأشياء التي تظل هي نفسها اسمياً، مثل أجهزة التلفاز، تطورت بطريقة لا تضاهى بمرور الوقت. كان جهاز التلفاز الأميركي العادي في العام 1973 يعرض نصف دزينة من القنوات على شاشة لا يزيد عرضها عن 25 بوصة. واليوم، أصبحت الشاشات أكبر وأفضل، وهناك مئات القنوات المتاحة، وأصبح هذا الجهاز أقرب إلى مركز رقمي منه إلى تلفاز. وكانت أجهزة الحاسوب الشخصية تنتمي ذات مرة إلى منطقة الخيال العلمي. لكنها أصبحت في كل مكان. ثم أصبحت تبدو الآن تقنية قديمة مقارنة بالهواتف الذكية الأكثر انتشارا وقوة، والتي تجلب العالم الرقمي المترابط إلى أي شخص، في أي مكان. وأصبحت الاتصالات اليوم فورية ورخيصة. وأصبح التسوق أسهل وأكثر استنارة؛ حيث يمكن لكل فرد أن يشاهد أو يسمتع إلى ما يريد، عندما يريد؛ ولا يضيع أحد أبداً.
عند إحدى النقاط في مسلسل مجموعة مونتي بيثون البريطاني الكوميدي، “حياة برَيان”، يسأل ثوري في القدس القديمة أتباعه: “ما الذي فعله الرومان في أي وقت من أجلنا؟”، ويواصل جمهوره الصراخ بالإجابات، حتى يتوسل إليهم المتحدث أخيراً: “حسنا، لكن بصرف النظر عن المرافق الصحية، والطب، والتعليم، والنبيذ، والنظام العام، والري، والطرق، ونظام المياه العذبة، والصحة العامة، ما الذي فعله الرومان في أي وقت من أجلنا؟” (“جلبوا السلام”! يقول مُجيب أخير).
يسخر الاشتراكيون الجدد من المليارديرات ويهاجمون شركات التكنولوجيا الكبيرة، متسائلين: “ما الذي فعلته أمازون، وأبل، وفيسبوك، وغوغل، ومايكروسوفت، والبقية من أجلنا في أي وقت”؟ جعلت من الممكن فقط وجود كل العجائب الرقمية الحديثة التي أصبحنا نأخذها على نحو متزايد كشأن مفروغ منه. هل استفاد بيل غيتس، وجيف بيزوس وغيرهم من رواد الأعمال المسؤولين جزئياً عن مثل هذه البركات من نجاحهم؟ بالتأكيد. لكن الأمر كذلك بالنسبة لبقيتنا، وأكثر منهم بما لا يقاس -حيوات مُحسنة، بالتأكيد، لكننا استفدنا حتى كنتيجة لنمو شركاتهم التي يُفترض أنها مهدِّدة، بما أن تلك الشركات مملوكة لنا في الغالب، نحن المساهمين المنتشرين على نطاق واسع في ملكية أسهمها العامة.
إطفاء المحرك
تقود الرأسمالية الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، والازدهار، والحرية الشخصية، ولكنها تقوض التقاليد والاستقرار. إنها تنتج مكاسب عالمية على المدى الطويل، لكنها تنتج عدم المساواة والتقلب على الطريق. ومن سميث فصاعدا، أقر أعظم المدافعين عن النظام بالمجموعة الكاملة من آثاره، وقبلوا بالحاجة إلى معالجة الجوانب السلبية بطرق متنوعة، على الأقل من أجل الحفاظ على السلام السياسي والوئام الاجتماعي. وفي المقابل، احترم أعظم منتقدي الرأسمالية، بدورهم، دائما قدرتها الهائلة على النمو والاختراع، وقد سعت الحركات التقدمية الناجحة إلى توطين الأسواق بدلاً من إلغائها.
لكن هذه ليست هي اللعبة التي يمارسها الاشتراكيون الجدد. إن الشيء المميز لبرنامجهم ليس وعوده -يمكن لأي شخص إنتاج قوائم من الرغبات المستحيلة- وإنما تهديداته. إنهم غير مهتمين بشكل أساسي بالحفاظ على قطاع خاص ريادي حيوي والاستفادة من عائداته للاستثمار العام. إنهم لا يهتمون بصحة الأوز، لأن اقتصادييهم يفترضون ببساطة إمداداً غير محدود من البيض الذهبي. إنهم يكرهون اللامساواة، وقد خرجوا للنضال من أجل تقليصها بأبسط الطرق وأكثرها مباشرة: عن طريق تقليم الأطراف الناشزة في الأعلى.
لا يمكن أن تأتي الشعبية المتزايدة لهذه الحركة في وقت أسوأ من هذا، لأن هناك حقاً مشاكل حرجة على أجندة اليوم -والتي يحتل تغير المناخ مكاناً عالياً بينها. وسوف يتطلب التعامل مع هذه التحديات بالتأكيد سياسة واستثماراً حكوميين فعالين. ولكن الجزء الأكبر من حل المشكلات الفعلي والابتكار العملي اللذين يتطلبهما ذلك سيأتيان حتماً من القطاع الخاص. ويعني ذلك أن الحرب ضد التغير المناخي، ستخاض وتُكسب في جزء كبير منها من قبل جيش من رواد الأعمال الشومبيتريين، كبيرهم وصغيرهم، والذين ينشرون قواتهم الشبيهة بالسحرة للدفاع عن الإنسانية الجماعية؛ إلا إذا حقق الاشتراكيون الجدد غايتهم، وأطفؤوا محركات الابتكار، تماماً عندما تمس الحاجة إليها.
*أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، ومؤلف كتاب “العقل والسوق: الرأسمالية في الفكر الغربي”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Neosocialist Delusion: Wealth Is Not the Problem
هامش:
(1) يتم اليوم استخدام مصطلح “اليعقوبية” لمجموعة متنوعة من المعاني. في بريطانيا، يستخدم المصطلح أحياناً كأداة ازدراء للسياسات الثورية اليسارية الراديكالية. وفي فرنسا، يشير عموماً إلى تأييد دولة جمهورية مركزية لها حكومة مركزية قوية/ أو تأييد تدخل حكومي واسع النطاق لتغيير المجتمع.
