«أم أميرة»… وثائقي يُحاول تجسيد مُعاناة مَن لا صوت لهم

القاهرة - «القدس العربي»: في مطلع سبعينيات القرن الفائت خرج عالم الاجتماع الكبير «سيد عويس» بكتابه «هتاف الصامتين» ليدرس ويحلل ظاهرة الكتابة على السيارات، خاصة عربات النقل والتاكسي، وصولاً إلى عربات الكارو، ليفُك رسائل مُشفرة يكتبها هؤلاء تعبيراً عن أنفسهم في مواجهة مجتمع لا يسمع سوى نفسه، وكانت مصر وقتها تعيش تحت ثقل هزيمة لن تنسى حتى الآن. عن عالم يُشبه هؤلاء يحاول فيلم «أم أميرة» لمخرجه «ناجي إسماعيل» أن يُسمِع الجميع أصواتهم، من خلال النموذج الذي اختاره لفيلمه ... سيدة تعمل في شارع في قلب القاهرة ــ تبيع البطاطس ــ تعيل أسرة بالكامل، وابنتها الكبرى مريضة مرضا مزمنا، تكاد تموت بين لحظة وأخرى، وتحاول في استماتة أن تعيش الحياة كما هي، مع بعض الأحلام البسيطة ــ كشفاء ابنتها وتزويجها وشراء احتياجاتها البسيطة ــ والتي لن يتحقق معظمها ... فهي الحياة وليست فيلما سينمائيا. الفيلم إنتاج «رحالة» للإنتاج، بدعم من مشروع «أنا هنا» التابع لمؤسسة GIZ الألمانية. عُرض في المسابقة الرسمية للفيلم الوثائقي في مهرجان برلين الدولي في دورته الـ 64، كما فاز بجائزة «أكت» كأفضل فيلم عن قضايا المرأة من مهرجان الإسماعيلية الدولي في دورته الأخيرة.

«أم أميرة»… وثائقي يُحاول تجسيد مُعاناة مَن لا صوت لهم

[wpcc-script type=”80de00853bd408ff6204cfaf-text/javascript”]

القاهرة – «القدس العربي»: في مطلع سبعينيات القرن الفائت خرج عالم الاجتماع الكبير «سيد عويس» بكتابه «هتاف الصامتين» ليدرس ويحلل ظاهرة الكتابة على السيارات، خاصة عربات النقل والتاكسي، وصولاً إلى عربات الكارو، ليفُك رسائل مُشفرة يكتبها هؤلاء تعبيراً عن أنفسهم في مواجهة مجتمع لا يسمع سوى نفسه، وكانت مصر وقتها تعيش تحت ثقل هزيمة لن تنسى حتى الآن. عن عالم يُشبه هؤلاء يحاول فيلم «أم أميرة» لمخرجه «ناجي إسماعيل» أن يُسمِع الجميع أصواتهم، من خلال النموذج الذي اختاره لفيلمه … سيدة تعمل في شارع في قلب القاهرة ــ تبيع البطاطس ــ تعيل أسرة بالكامل، وابنتها الكبرى مريضة مرضا مزمنا، تكاد تموت بين لحظة وأخرى، وتحاول في استماتة أن تعيش الحياة كما هي، مع بعض الأحلام البسيطة ــ كشفاء ابنتها وتزويجها وشراء احتياجاتها البسيطة ــ والتي لن يتحقق معظمها … فهي الحياة وليست فيلما سينمائيا. الفيلم إنتاج «رحالة» للإنتاج، بدعم من مشروع «أنا هنا» التابع لمؤسسة GIZ الألمانية. عُرض في المسابقة الرسمية للفيلم الوثائقي في مهرجان برلين الدولي في دورته الـ 64، كما فاز بجائزة «أكت» كأفضل فيلم عن قضايا المرأة من مهرجان الإسماعيلية الدولي في دورته الأخيرة.
بائعة البطاطس
الفيلم يستعرض تفاصيل يوم في حياة هذه السيدة ــ النازحة هي وزوجها من صعيد مصر ــ بداية من قيامها قبل طلوع الشمس، لتنصب أدواتها وتبدأ عملها، إضافة إلى المضايقات المعهودة، سواء من الزبائن، أو المارة في الشارع. فهي العائل الوحيد لأسرتها، بعد تقاعد زوجها نتيجة خصخصة الشركة التي كان يعمل فيها، كحال الكثير من المصريين، إضافة إلى مرضه المزمن. الحكاية تبدو ميلودرامية للغاية، إلا أن تفاصيل حياة المرأة وقوة قبولها لما يحدث حولها ومُثابرتها على مواصلة الحياة، هو ما يجعل للعمل معنى أعمق من مجرد صور مرئية، قد تُعرض في برامج تلفزيونية تتوسل الصدق في عرضها مثل هذه الحالات على المُشاهد .
وماذا لو لم تمت؟
خلال أحداث الفيلم، وبعد مُشاهدة الابنة المريضة «أميرة» في منزلها تتحدث للكاميرا، أو ترد على أمها قبولاً أو رفضاً، واستعراض رحلة ذهابها إلى المستشفى ــ
الشارع وانتظار السيارة ــ فهي تسكن سطح العمارة التي تعمل أمامها الأم ــ بعد كل هذا تموت الفتاة بالفعل، فتصبح المفاجأة كبيرة جداً للمُشاهد، فنحن أمام حدث حقيقي وموت حقيقي غير مؤلّف، وهو ما أعطى للفيلم قيمة كبيرة على مستوى الدراما، فنحن تفاعلنا مع شخص مات بالفعل وليس أمام الكاميرا. والتساؤل هنا ــ وهو افتراضي بالطبع ــ ماذا لو لم تمت البنت؟ بالتأكيد سيكون وقع العمل مُختلفاً تماماً، مجرد استعراض حالة معاناة لامرأة تتحايل على الحياة بكل الطرق، ففعل الحياة هنا، والمُصادفة الإلهية أعطت الفيلم قيمة درامية كبيرة. وكما ذكر المخرج بأن المرأة أصرّت على استكمال التصوير بعد موت ابنتها، بعد أن توقف عند وفاة الفتاة عدة أيام، وهو وجه آخر يدل على قوة المرأة، وعدم طلب التأسي لها، لأنه كما تقول هي في الفيلم «أميرة ماتت لأن عمرها انتهى».
لعبة الأسى والتأسي
بخلاف مصطلح سينما الواقع، لأنه لا يوجد واقع في السينما، فقط هو الواقع السينمائي، دون الحقيقي، وبخلاف استخدام المصطلح (سيء السُمعة) المدعو بـ «سينما المهمشين» من الممكن أن يوضع الفيلم تحت مُسمى «سينما الحياة» التي تعتمد على شخصيات حيّة صراعها الأساسي يكمن في التحايل على الحياة بشتى الطرق لتعيشها كما هي، دون مزايدات فارغة، أو تمثيل لنضال زائف. صدقنا «أم أميرة» في العديد من المشاهد، ولم نصدقها في مشاهد أخرى، فخبرة المرأة في التعامل الحياتي اليومي، تفوق خبرة عتاة الممثلين، وهي مُشكلة السينما في التعامل مع هؤلاء، فهم يُظهرون الأسى، لكنهم لا يقبلون التأسي لهم أبداً، وهنا يكمن سر قوتهم.
فأي من الجمهور «المثقف» بجانب صناع الفن ومتلقيه ــ الذي لا يقرب هؤلاء إذا ما مرّ بجوارهم في الشارع، ويتأسى وتفيض دموعه إذا ما رآهم على شاشة السينما ــ يُدرك المعنى … معنى العجز؟!

محمد عبد الرحيم

Source: alghad.com

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *