إليزابيث كيندال – (معهد واشنطن لساسات الشرق الأدنى) 14/2/2020

في السادس من شباط (فبراير)، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقتل زعيم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، قاسم الريمي، خلال عملية لمكافحة الإرهاب نفذتها الولايات المتحدة في اليمن. وعلى الرغم من عدم إعطاء أي تاريخ أو تفاصيل، فان الإشاعات عن مقتل الريمي في هجوم بطائرة أميركية بلا طيار بدأت تنتشر على المنتديات الجهادية الإلكترونية في أواخر كانون الثاني (يناير). وفي حين أن مقتله “يقربنا أكثر من القضاء على التهديدات التي تشكلها هذه الجماعات على أمننا القومي”، كما صرح ترامب، إلا أن آثاره على المدى القريب قد تكون محدودة –فيما يعود جزئيا إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لم يعد الفرع الأقوى لتنظيم القاعدة، كما أن مقتل أي زعيم فردي لا يمكن أن يكون له أثر أكبر من ذلك.
أهمية الريمي
كان الريمي يستوفي الكثير من المعايير الضرورية ليكون زعيما في تنظيم القاعدة، أو ما يكفي لتبرير وضع مكافأة 10 ملايين دولار (لمن يعتقله/يخبر عن مكان تواجده/… يقتله). وقد صقل قدراته الجهادية في أفغانستان في التسعينيات، وأمضى فترة في السجن، وأصبح بطلا بعد هروبه من السجن، وساعد في الإشراف على دمج فرعي التنظيم السعودي واليمني، وأثبت أنه مخطط عسكري ماهر. وبصفته كبير القادة العسكريين في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فقد ارتبط اسمه بالعديد من العمليات التي استأثرت بالعناوين الرئيسية داخل اليمن، من قصف مجموعات سياحية أجنبية والسفارة الأميركية أواخر العقد الماضي إلى مئات العمليات ضد أهداف محلية. وخارج اليمن، ارتبط اسم التنظيم -بشكل مباشر أو عن طريق الاستلهام- بالعديد من المؤامرات، بما فيها المساعي الفاشلة لتفجير طائرة ركاب وطائرتي شحن.
ضعفت إلى حد كبير قدرة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على شن هجمات في الخارج منذ أن أصبح الريمي زعيما له في العام 2015، لكن جهوده لإلهام مهاجمين آخرين ظلت قوية. ففي الأسبوع الأول من شباط (فبراير)، ظهر الريمي في فيديو معلنا مسؤوليته عن حادثة إطلاق النار في القاعدة الأميركية في بينساكولا في 6 كانون الأول (ديسمبر). وحث المسلمين في أميركا على شن هجمات بأي وسائل ممكنة، بعد أن ضمن لهم مسبقاً مكانة عالية في الجنة، وذلك في مقطع فيديو مصور له في العام 2017 بعنوان “المجاهد المنفرد”. وما يزال هذا التهديد المستوحى منه قائماً فعلياً، وخاصة منذ أن درجت عادة “إبقاء” القادة المتوفين لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب أحياء عبر إعادة نشر وتوزيع لقطات فيديو لهم.
ولكن، لا ينبغي المبالغة بمكانة الريمي. فقد انقسم التنظيم وضعف تحت قيادته، ولم يتمكن أبدا من ملء مكان سلفه ناصر الوحيشي، الذي كان من بين كبار الشخصيات الست في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذين لقوا حتفهم في هجمات بطائرات مسيرة في أوائل العام 2015. وقد تخرج الوحيشي من معهد ديني، في حين كانت مؤهلات الريمي الدينية ضعيفة. وفضلاً عن ذلك، وُلد الريمي في شمال اليمن من عائلة تنحدر من محافظة ريمة، ولذلك افتقر إلى لمسة سلفه المحلية المولود في أبين مع القبائل المتواجدة في معاقل التنظيم جنوب البلاد. كما كان يفتقر إلى حس الفكاهة والجاذبية مقارنةً بالوحيشي، مما أسفر عن إنتاج إعلامي مثمر،وإنما غير متمتعبالحيوية -كما اتضح من سلسلة محاضرات متتالية بدا فيها ضعيفاً وهو يحاضر في تأملات دنيوية حول دراسة عن الحرب الإسلامية في القرون الوسطى، تألفت من 40 حلقة. باختصار، كان قائدا عسكريا وليس إيديولوجيا.
لا شك أن مقتله سيحمل أهمية عملية ورمزية. لكن هذه الأهمية محدودة طالما كان هناك شخص يمكنه ملء مكان الزعيم “الشهيد” الأخير. وتتمثل مشكلة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في خسارته القادة ذوي الكفاءات العالية والمتمرسين المخضرمين الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني في التسعينيات. وقد ساهمت حملة ضخمة لمكافحة الإرهاب -شملت أكثر من 120 غارة أميركية في العام 2017 وحده – في استنزاف هذه المجموعة الموهوبة، وقوضت بشدة قدرة التنظيم على تدريب الجيل القادم من الزعماء.
حتى كتابة هذه السطور، لم يكن التنظيم قد أعلن عن خلف الريمي -أو حتى أقر بمقتله. وهذا غير معتاد، لأنه أعلن عن مقتل الوحيشي وعين خلفا له في غضون ثلاثة أيام. وقد بدأ المناصرون القلقون يطالبون بإيضاحات على المنتديات الإلكترونية، مشيرين إلى أن التنظيم في حالة من الفوضى.
تم طرح أسماء أربعة قياديين كمرشحين محتملين لخلافة الريمي، برغم أنهم الخيارات الوحيدة المتوافرة فعليا، وهم: سعد العولقي، خالد باطرفي، إبراهيم القوصي، أو إبراهيم البنا. وهناك مكافآت بملايين الدولارات لمن يقوم بتسليم هؤلاء الأربعة، مما يحد مجال المناورة أمامهم، ناهيك عن استعادة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أمجاده.
منظمة ضعيفة
يمر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بأسوأ فترات ضعفه خلال عقد، على الأقل من حيث هويته كجماعة متماسكة ذات إيديولوجية دينية في المقام الأول. كما أن حلمه في إقامة دولة إسلامية في اليمن بعيد المنال. وكان قد استفاد خلال فترةذروته بين العامَين 2015 و2016من دخول البلاد في حالة حرب للتجنيد على نحو واسع النطاق، وملء خزائنه بالأموال، وإقامة شبه دولة تُحكم من ميناء المكلا الشرقي. ومع ذلك، تكافح قيادة التنظيم اليوم للحفاظ حتى على رقعة صغيرة من الأرض بين قمم التلال الوعرة شمال غرب البيضاء. وعلى مدار العام ونصف العام الماضي، تم جر التنظيم إلى معركة مشتتة للانتباه مع جماعة تُطلق على نفسها اسم “داعش في البيضاء”، وانتشرت فئات انفصالية في أرجاء أخرى من البلاد.
وفي الأثناء، أقنعت الغارات المتواصلة بالمسيرات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بأنه تم دس مخبرين في صفوفه، مما أدى إلى حد اتصالاته بشكل كبير وشل حركته بشكل أساسي. ومنذ العام 2014، خَصص التنظيم 10 مقاطع فيديو لموضوع طرد الجواسيس الداخليين-حتى أن بعض المعلقين في منتديات مؤيدي النظيم أشاروا في بعض الأحيان إلى أن الريمي نفسه قد يكون مخبراً، لأنه كان من بين القياديين القلائل الذين ظلوا على قيد الحياة برغم سنوات من الهجمات الأميركية المدمرة. وقد ساهمت هذه الشكوك والاقتتال الداخلي في تجزئة الجماعة بشكل أكبر.
في الوقت نفسه، انخفض بشكل كبير عدد العمليات التي ادعى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية رسمياً مسؤوليته عن تنفيذها منذ العام 2017، خاصةٍ خلال الأشهر الأربعة الماضية. ويرجع ذلك جزئياً إلى الجهود المتضافرة التي تبذلها وكالات إنفاذ القانون لإيقاف وجود التنظيم على خدمة “التلغرام” وغيرها من التطبيقات عبر الإنترنت. وقد انتقلت الجماعة إلى منصات أخرى، ولكن إنتاجها هناك ما يزال ضئيلا.
ومن المثير للاهتمام، أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أعلن مسؤوليته عن عدد أقل بكثير من الهجمات من تلك التي نُسبت إليه. وقد ينبع ذلك جزئياً من معاناته الداخلية على مستوى التواصل. ولكن من المرجح أيضاً أن يكون ذلك نتيجة إقدام جهات فاعلة أخرى في الحرب اليمنية على “نسبة بعض العمليات بشكل مضلل” إلى التنظيم للتغطية على دوافعها السياسية الخاصة. وفي المقابل، قد يتجاهل التنظيم عمليات نفذتها فروع سابقة تابعة له التي يعتبرها الآن مارقة؛ وبالفعل، لم يتم نشر العديد من الادعاءات التي أعلنتها جماعات تعتبر نفسها تابعة للتنظيم على قناته الرسمية.
اليوم، يبدو أن ميليشيات تحالف مختلفة في الجنوب تستميل الفئات المنشقة عن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. ويمكن تقسيم قوات هذه الميليشيات إلى معسكرين انفصاليين أحدهما موال للحكومة والآخر موال للجنوب. وعلى الرغم من أن الأدلة تشير إلى اتجاهات مختلفة، إلا أن النفور الإيديولوجي العام للتنظيم من الانفصال أصبح نقطة يمكن استغلالها (يرفض قادة التنظيم الموافقة على حدود رسمها الإنسان ويصورون الانفصاليين على أنهم اشتراكيون بلا إله). وقد ازدادت وتيرة العمليات التي شنها التنظيم ضد القوات الموالية للانفصال خلال آب (أغسطس) الماضي بالتزامن مع تأكيد “المجلس الانتقالي الجنوبي” على السلطة السياسية التي يتمتع بها التنظيم. وكانت “قوات الحزام الأمني” الموالية لـ”المجلس” في أبين أحد الأهداف الرئيسية للتنظيم على مدار العامَين الماضيَين، لتأتي مباشرة بعد”داعش في البيضاء”. وقد حل الحوثيون في المركز الثالث، مع أن الإيديولوجيين في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يصفونهم بأنهم جنود إيران الشيعة الكافرون على الأرض.
وثير هذا التساؤل حول ما إذا كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أو بعض من فروعه الصغيرة يتحولون من كونهم محاربين في حرب مقدسة إلى قتلة مأجورين -وإذا كان الأمر كذلك، ما إذا كانوا يفعلون لأسباب إيديولوجية أو سياسية أو مالية. وتبقى الإجابة مبهمة حتى بالنسبة للمراقبين النابهين لشؤون اليمن، بسبب المزيج المحلي المعقد من المصالح المتداخلة، والولاءات غير الثابتة، والهجمات المنسوبة إلى غير الجهات الحقيقية التي نفذتها، والتضليل الإعلامي. وفي هذا السياق، تزداد صعوبة تحديد ماهية تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أو هويته بدقة. غير أن أمراً واحداً يبدو واضحاً: غالباً ما تتغير الظروف بسرعة في اليمن، ولذلك يمكن أن يستعيد التنظيم قوته كتهديد إرهابي خلال فترة قصيرة إذا تغير المشهد مرة أخرى.
ليست ضربة قاضية
ربما سيبرز تجسد ذو طابع سياسي متزايد لتنظيم القاعدة في اليمن. وربما يتحول بعض مقاتلي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من جهاديين إيديولوجيين إلى قتلة مأجورين -سواء طوعاً أو بحكم الضرورة. ومع ذلك، ما يزال الجوهر الإيديولوجي للقاعدة في شبه الجزيرة العربية قائماً. وقد وجه مقتل الريمي ضربة له، لكنها لم تكن قاضية. وفي ظل تفكك اليمن وازدياد الانقسامات في صفوف الأطراف المتحاربة، سيجد التنظيم أنه من السهل إعادة رص صفوفه والازدهار مجدداً.
وعلى النقيض من ذلك، قد يؤدي اتفاق سلام إلى جعل البلد أكثر عرضة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لفترة من الوقت، لأنه سيترك حتماً بعض شرائح السكان يشعرون بأنهم مهمشون، فضلاً عن عدد لا يحصى من المقاتلين بلا رواتب. وقد يكون ذلك أرضاً خصبة للتجنيد يستغلها زعماء التنظيم إذا جعلوا سرديتهم الخاصة بالجهاد العالمي تتماهى مع المظالم المحلية. ووفقاً لذلك، يتعين على الأمم المتحدة وبريطانيا والولايات المتحدة وأصحاب المصلحة الآخرين استغلال حالة الفوضى الحالية في صفوف الجماعة واتخاذ خطوات لضمان عدم التخلي عن أي فصائل يمنية -ويمكن تحقيق ذلك جزئياً من خلال التصدي للظروف الأساسية التي تولد التطرف، وإنما أيضاً من خلال اعتماد آليات شفافة توفر تمثيلاً شاملاً في محادثات السلام.

*زميلة بحث رفيعة في الدراسات العربية والإسلامية في كلية بيمبروك بجامعة أوكسفورد.