عقد على محاكمة مبارك.. نقطة فاصلة أم مشهد تمثيلي؟

إن وجود مبارك داخل قفص الاتهام -لمحاسبته على قتل الثوار- جعل لـ”ثورة يناير” إنجازا من لحم ودم، فالثورة تحاكم من أطاحت بهم؛ هكذا كان يعتقد المصريون.

الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وسط نجليه علاء (يمين) وجمال أثناء المحاكمة
الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وسط نجليه علاء (يمين) وجمال أثناء المحاكمة (مواقع التواصل الإجتماعي)

القاهرة – مع بداية شهر أغسطس/آب 2011، التف المصريون حول شاشات التلفاز لتسجل ذاكرتهم مشهدا لم يكن من السهل أبدا تخيله قبل ذلك التاريخ بأشهر قليلة، حيث ينقل البث المباشر للتلفزيون الرسمي وقائع محاكمة الرئيس -الذي ظل يحكمهم طيلة 3 عقود- في قضية قتل متظاهري ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

“أفندم أنا موجود.. كل هذه الاتهامات أنكرها كاملة”؛ تلك الجملة هي أول ما قاله الرئيس السابق حسني مبارك في أولى جلسات محاكمته، ردا على سؤال قاضي المحاكمة حول تورطه في قتل المتظاهرين.

ورغم أن إنكار التهم كان إجابة متوقعة من مبارك كعادة أي متهم يُحاول إبعاد الجريمة عنه، إلا أن سماعها بعد 30 عاما من الخطب الرئاسية الرنانة، جعل منها جملة شديدة الاختلاف على آذان المصريين، حتى بعد مرور عقد كامل على المحاكمة التي عرفت إعلاميا بـ “محاكمة القرن”.

إن وجود مبارك داخل قفص الاتهام -لمحاسبته على قتل الثوار- جعل لـ”ثورة يناير” إنجازا من لحم ودم، فالثورة تحاكم من أطاحت بهم؛ هكذا كان يعتقد المصريون.

ووفق تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الحكومة في أعقاب “ثورة يناير”؛ فإن عدد القتلى خلال المظاهرات بلغ 846 قتيلا، بينما تحدثت مراكز حقوقية محلية عن أن العدد وصل إلى 1075 قتيلا.

مسار المحاكمة

بعد تنحي مبارك عن حكم البلاد في 11 فبراير/شباط 2011 وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد؛ انطلقت دعوات من جانب القوى الثورية تطالب بمحاكمة الرئيس المخلوع الذي كان موجودا وقتئذ في مدينة شرم الشيخ، وخرجت مظاهرات شعبية للضغط في نفس المسار.

ونجح الضغط الثوري في قبول المجلس العسكري بمحاكمة رئيسه السابق، حيث أعلنت النيابة العامة -في 11 أبريل/نيسان 2011- بدء التحقيق مع مبارك ونجليه علاء وجمال وعدد من المسؤولين السابقين على خلفية بلاغات قدمتها جهات مختلفة وتتعلق بقتل المتظاهرين والإضرار بالمال العام والتربح باستخدام النفوذ السياسي.

وبعد هذا الإعلان بيوم واحد أصدر النائب العام أمرا بالقبض على مبارك وباقي المتهمين، وحبسهم بصفة احتياطية على ذمة التحقيقات.

وفي الثالث من أغسطس/آب 2011، مثل مبارك ونجليه علاء وجمال ووزير الداخلية السابق حبيب العادلي و6 من معاونيه أمام محكمة مدنية برئاسة المستشار أحمد رفعت.

وخلال شهر سبتمبر/أيلول 2011، انعقدت 10 جلسات للمحكمة وتم الاستماع فيها لعدد من الشهود في قضية قتل المتظاهرين ومنهم المشير حسين طنطاوي الذي كان يتولى وقتها منصب القائد العام للقوات المسلحة، ونائب الرئيس السابق اللواء عمر سليمان، بالإضافة إلى وزير الداخلية وقتئذ اللواء منصور العيسوي.

وفي الجلسة الـ46 في الثاني من يونيو/حزيران 2012، قضت المحكمة بالسجن المؤبد على مبارك في قضية قتل المتظاهرين، وببراءته ونجليه من تهمة الفساد المالي.

لكن في يناير/كانون الثاني 2013، قبلت محكمة النقض إعادة محاكمة جميع المتهمين، لتصدر محكمة الجنايات -في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2014- قرارها ببراءتهم من التهم المنسوبة إليهم سواء قتل المتظاهرين أو الفساد المالي والتربح.

وتم الاستئناف مجددا على الحكم، لتصدر محكمة النقض -في يناير/كانون الثاني 2016- حكما نهائيا بمعاقبة مبارك ونجليه علاء وجمال بالسجن المشدد مدة 3 سنوات، بتهمة الفساد المالي والتربح، وهي القضية المعروفة إعلاميا بقضية القصور الرئاسية، حيث تمت إدانة الثلاثة بالاستيلاء على نحو 125 مليون جنيه من المخصصات المالية للقصور الرئاسية.

وفي الثالث من مارس/آذار 2017 أسدل الستار على قضية قتل المتظاهرين؛ حيث أصدرت محكمة النقض حكما نهائيا ببراءة مبارك.

ماذا قال المتهم مبارك؟

لم تأخذ ردود مبارك -أثناء جلسات محاكمته- طابع الإسهاب، كان ينكر الاتهامات الموجهة إليه في قضيتي قتل المتظاهرين والفساد المالي بإيجاز شديد.

واستثنى الرئيس المخلوع من اقتضاب حديثه داخل قاعة المحكمة مرة واحدة، ألقى فيها ما يشبه الخطاب أمام محكمة الجنايات في 13 أغسطس/آب 2014.

فبعد أن قدم التحية إلى هيئة المحكمة أخذ يدافع عن نفسه قائلا “تعرضت أنا وأسرتي لحملات التشويه كما تعرضت -في سنوات تحملي للمسؤولية- للتشهير، ونُسب إليّ كل رخيص، فبعد أكثر من 62 عاما أمضيتها ابنا للقوات المسلحة ثم نائبا ثم رئيسا لمصر، خضت حروب مصر لم أكن يوما ساعيا وراء منصب أو سلطة”.

واستطرد -معددا ما قدمه للبلاد خلال فترة حكمه- “تصديت لمراوغة إسرائيل لاستكمال انسحابها من سيناء ومن طابا، واستعدت آخر شبر من الأراضي المحتلة.. ولم أتردد لحظة في تقديم دعم مصر للمحاصرين بغزة وتصديت لمحاولات اختراق الحدود من المراوغين.. وحرصت على تطوير قواتنا المسلحة عتادا وتسليحا لتبقى درعا للوطن”.

وأكد مبارك على عدم تورطه في قتل المتظاهرين، مشيرا إلى أنه -منذ الأيام الأولى لما حدث في يناير/كانون الثاني- أصدر التعليمات بنزول القوات المسلحة لحفظ الأمن والتأمين بعد أن عجزت الشرطة “لما تعرضوا له من تآمر”، حسب تعبيره.

وأضاف “شرّعت إجراءات تضمن انتقالا سلميا للسلطة بحلول الانتخابات المقبلة، فسعى من أرادوا الانقضاض على الدولة وزعزعة فكر الشعب بالقيادة وزعزعة ثقته حتى بقواته المسلحة، واخترت طواعية أن أتخلى عن السلطة حقنا للدماء، كي لا تنجرف مصر لمنزلقات خطرة”.

واختتم دفاعه عن نفسه مسترجعا صيغة خطابه قبيل التنحي قائلا “إن محمد حسني مبارك، لم يكن يأمر أبدا بقتل المتظاهرين وهو الذي أفنى عمره في الدفاع عن مصر وأبنائها، وإنني قضيت حياتي مقاتلا لأعداء وطني منذ تخرجي من سلاح الطيران، ولم يكن لي أيضا أن أصدر أمرا بإشاعة الفوضي بل حذرت منها”.

نقطة فاصلة

تعتبر “ثورة يناير” -وما ترتب عليها من خلع مبارك ثم محاسبته- نقطة فاصلة في الوعي المصري؛ حيث رأى الشعب -لأول مرة- رجلا كان يُنظر له كأنه فرعون، وهو يساق خلف القضبان مثل أي مجرم عادي، وفق رؤية رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري.

واعتبر خصري -في حديثه للجزيرة نت- وقوف مبارك وأبنائه خلف القضبان -بغض النظر عّما آلت إليه المحاكمة- لحظة فارقة في الوعي والوجدان المصري، وتابع “ربما لن يظهر تأثير ذلك بشكل فوري؛ لكنه سيؤسس لنظرة جديدة، ستكون مصاحبة لأي حاكم، مهما بلغت سيطرته على مقاليد الحكم”.

وعما إذا كان مشهد محاكمة مبارك لا يزال مؤثرا على الرأي العام رغم مرور 10 سنوات؛ يرى خضري أن التأثير ما يزال حاضرا، موضحا أن العقل الجمعي المصري -الذي ظل لعقود ينظر لحكامه نظرة الخنوع- أصبح لديه بعد جديد يثري تصوراته عن الحاكم.

وأضاف أن “ذلك البعد الذي يرى فيه الحاكم بشرا عاديا يمكن أن يخونه ذكاؤه وسلطته ورجاله؛ فيسقط من عليائه إلى غياهب السجون”.

ولا يستبعد الباحث في مجال الرأي العام أن يقود هذا التصور العقلَ الجمعي المصري، ليكون متأهبا للاستجابة لأي قوة حشد مجتمعي معارضة للحاكم.

مشهد تمثيلي

لم يكن مشهد محاكمة مبارك سوى مجرد حلقة في سلسلة من المشاهد التي استخدمها الجيش لتحقيق أهدافه من الثورة، هكذا رأى القيادي بجماعة الإخوان المسلمين عز الدين الكومي.

وقال الكومي -للجزيرة نت- إن الجيش الذي يحكم البلاد منذ الانقلاب على الملك فاروق عام 1952؛ نجح في إفشال مخطط توريث الحكم لجمال مبارك من خلال “ثورة 25 يناير”، ثم استخدم محاكمة مبارك كأحد الوسائل لإشغال الرأي العام خلال فترة الحكم الانتقالي التي استمرت نحو عام ونصف بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وتابع الكومي “كان العسكر يتشبثون بالسلطة ولا يريدون إجراء انتخابات رئاسية، وتحايلوا على إطالة أمد المرحلة الانتقالية مرة بالإعلان الدستوري ومرة بالمبادئ فوق الدستورية، وكانت محاكمة مبارك هي الأخرى إحدى الوسائل”.

وأضاف أن استيعاب الضغط الشعبي المطالب بمحاكمة النظام المخلوع، كان أيضا أحد أسباب اللجوء إلى وضع مبارك داخل قفص الاتهام، كمحاولة لامتصاص غضب الثوار.

ودلل القيادي بجماعة الإخوان المسلمين على ما وصفها بـ “خدعة محاكمة مبارك”، بعودة رجال النظام المخلوع لتقلد مناصب حكومية، فضلا عن حضورهم بوصفهم نوابا بالبرلمان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *