
لديها الرغبة فهل تملك القدرة؟.. أوروبا تتلمس التحرر من الهيمنة الأميركية
بعد اتفاق أوكوس وأزمة التنصت على مسؤولين أوروبيين والانسحاب الأميركي أحادي الجانب من أفغانستان؛ ارتفعت أصوات أوروبية تنادي بضرورة رسم سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة.
Share your love

باريس- تثير “الطعنة في الظهر” التي تلقتها فرنسا بعد اتفاق “أوكوس” بين بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة -وكذلك الحرج الذي تعرض له الشركاء الأوروبيون إثر انسحاب واشنطن أحادي الجانب من أفغانستان- الكثير من الأسئلة حول علاقة دول أوروبا بالولايات المتحدة، وجدوى مواصلتها التعامل مع واشنطن على أساس الشريك الأساسي.
وكانت عمليات التجسس والتنصت المنسوبة لوكالة الأمن القومي الأميركية بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية في الدانمارك -بين عامي 2012 و2014، وكُشف عنها منتصف العام 2021 الجاري- قد انضمت إلى سلسلة الأزمات الأميركية الأوروبية. وطال التنصت الأميركي ساسة أوروبيين بارزين، بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ماكرون (يمين) دعا إلى التخلي عن السذاجة واستخلاص العبر من الخيارات الإستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة (رويترز)إستراتيجية وسياسة مستقلة
ونتيجة للأزمات المتلاحقة، ارتفعت مؤخرا أصوات أوروبية تنادي برسم سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة، وعلى رأس هذه الأصوات فرنسا التي أعلنت “الموت السريري لحلف الناتو”، على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون.
وقبيل تسلم بلاده رئاسة الاتحاد الأوروبي مطلع عام 2022، دعا ماكرون الأوروبيين إلى التخلي عن السذاجة واستخلاص العبر من الخيارات الإستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة.
وجاءت تصريحات ماكرون في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكي. حيث قال “حين نكون تحت تأثير ضغوط قوى كبرى، فإن إبداء ردّ فعل أو إثبات أن لدينا نحن أيضا القوة والقدرة على الدفاع عن أنفسنا لا يعني الانقياد إلى التصعيد، بل هو ببساطة فرض احترامنا”.
وكان ماكرون طالب عدة مرات بتكثيف المشاورات لرسم إستراتيجية دفاعية وسياسة مستقلة للاتحاد الأوروبي عن أميركا، عن طريق رفع نسبة المساهمة في صندوق الدفاع الأوروبي بقيمة 8 مليارات يورو على مدى السنوات الست المقبلة، لدعم القدرة التنافسية لصناعة الدفاع المشتركة.
ومن جانب آخر، وخلال الانتخابات الألمانية الأخيرة، تحدثت تقارير إعلامية عن ضرورة رسم سياسة عسكرية مستقلة واضحة للاتحاد الأوروبي عن أميركا.
وفي هذا الصدد، قال الكاتب جدعون رتشمان -في مقالة له نشرتها صحيفة “فايننشنال تايمز” (Financial Times)- إن الانتخابات الألمانية يجب أن تكون بمثابة صحوة لأوروبا وتفتح بابا لإمكانيات جديدة. وشدد على أن الحكومة الألمانية المقبلة ستكون ملتزمة بجيش أوروبي، وكل الأحزاب تدعم هذه الفكرة.
وفي المقابل، لا تزال المعوقات البنيوية والمالية والسياسية نحو “أوروبا مستقلة” كبيرة، وخاصة على المستوى الدفاعي الأمني.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة لا تنفق إلا أقل من 200 مليار يورو (228 مليار دولار) سنويا على الدفاع مقارنة مع 700 مليار دولار تنفقها الولايات المتحدة سنويا في هذا المجال.
هل اللحظة مواتية لاستقلال أوروبا وخروجها من الهيمنة الأميركية؟
يقول فرج معتوق -أستاذ العلاقات الدولية بباريس- إنه في غياب إجماع من الدول الأوروبية على الرغبة في الاستقلال عن الهيمنة الأميركية، لا نستطيع الحديث عن لحظة مواتية.
ويرى عتيق -في حديثه للجزيرة نت- أن رغبة الاستقلال عن الهيمنة الأميركية متذبذبة بين الأوروبيين، ورغم تململ المسؤولين الأوروبيين من سياسة الولايات المتحدة، فإننا في المقابل لا نجد إجماعا عاما ورغبة قوية موحدة للاستقلال عن واشنطن.
ما المعوقات أمام “أوروبا مستقلة” عن الولايات المتحدة؟
يعتقد الدكتور معتوق أن المعوقات المالية والاقتصادية غير موجودة، بل بالعكس تخدم الجانب الأوروبي؛ ذلك أن السوق الأوروبية المشتركة إذا قورنت بالولايات المتحدة أو الصين، ستحتل المرتبة الأولى عالميا من ناحية الثروة والاقتصاد.
ولكن من الناحية الإستراتيجية، فالأمر لا يخدم أوروبا، وخاصة من حيث سرعة الانتشار عسكريا في المناطق التي تراها أوروبا والغرب مهمة ويجب التموقع فيها كجنوب أفريقيا وشمال الصحراء، أو في مجال محاربة الإرهاب وفي الحروب التي وقعت بأفغانستان أو الشرق الأوسط والأدنى.
ويقول معتوق “في كل هذه الأماكن، لم يكن لدول أوروبا استقلالية عسكرية بعيدا عن الدعم الأميركي”. وهناك معوق آخر، حسب معتوق، إذ ما يزال لأوروبا عقدة تجاه واشنطن التي تملك لوبيات وسياسيين أوروبيين يساندون سياساتها.
هل يمكن الحديث عن استقلالية أوروبا الدفاعية وعن جيش أوروبي موحد؟
يقول معتوق إن فرضية الجيش الأوروبي الموحد هي أمنية حالمة بعيدة المدى. “فنحن نعلم أن عقدة الحرب العالمية الثانية والنازية ما زالت تعني الشيء الكثير للشعب الألماني والطبقة السياسية الحاكمة أيضا. وألمانيا حتى اليوم لديها إشكالية كبرى في إرسال جيشها إلى الخارج.
لذا، يرى معتوق أن قيام جيش أوروبي موحّد يضاهي جيش الولايات المتحدة في قوته وعتاده، وينافس الإمكانيات الرهيبة التي يملكها الجيش الصيني أيضا، حلم صعب التحقيق قريبا.
ويضيف -في نفس السياق- “رغم امتلاك أوروبا الإمكانيات الاقتصادية لبناء هذا الجيش، لكن انقسام قراراتها يؤجله ويصعبه. وتكفي نظرة صغيرة على سياسة الإنفاق الدفاعية والميزانية الضخمة التي تخصصها واشنطن لذلك مقارنة بالميزانية الأوروبية الضعيفة للدفاع، حتى نفهم التفوق العسكري الأميركي”.
هل واشنطن مستعدة لتقبل فكرة السيادة الأوروبية؟
يقول معتوق إن الولايات المتحدة لا تقبل ولن تقبل باستقلال أوروبا عنها. كما أن بايدن الذي جاء بعد فترة توتر أميركي أوروبي خلال عهد ترامب، لم يغير في السياسة الأميركية كثيرا. “إذ واصل بايدن على خطى سابقه، ولكن بدبلوماسية أكثر. والانسحاب من أفغانستان دون إعلام شركائه الأوروبيين أكبر دليل على ذلك. فضلا عن اتفاق “أوكوس” (AUKUS) وصفقة الغواصات وما خلفته من اتهامات فرنسية أوروبية بخيانة الثقة من قبل واشنطن”.
هل تستطيع أوروبا تحقيق الاستقلال المالي والاقتصادي عن الولايات المتحدة، وما فرص اليورو كعملة عالمية بدل الدولار؟
يقول كميل السري -أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة السوربون- إن العلاقة بين اليورو والدولار معقدة لأن البنك المركزي الأوروبي لا يتدخل في تحديد سعر اليورو ولا يسانده. فالمشرع الأوروبي لم يعطه هذه الصلاحيات. بخلاف البنك المركزي الأميركي الذي يتحكم في الدولار ويسانده ويسوّقه”.
ويضيف السري للجزيرة نت “بالنتيجة، فالدولار اليوم هو بمثابة العملة العالمية، عكس اليورو الذي يدور في دائرة صغيرة، ولا يستطيع منافسة الدولار. كما أن أوروبا لا تستطيع تحقيق استقلاليتها المالية والاقتصادية عن الولايات المتحدة، لأن البورصات الأوروبية والعالمية أيضا تتبع البورصات الأميركية”.
ومن أسباب هذه التبعية، يقول السري إن البورصات الأوروبية متفرقة حسب البلدان والاتحاد الأوروبي، ولا تعتمد سياسة مالية موحدة تواجه السياسة المالية الأميركية. وكل بلد أوروبي يتصرف حسب حاجته وإمكانياته وحسب مصالحه بعكس السياسة المالية الموحدة للولايات المتحدة التي تعطيها سرعة التصرف والتحرك في الأزمات.



