
لا يزال عدة آلاف من السوريين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين عالقين بين بيلاروسيا وبولندا تحاصرهم أزمة هجرة بين أوروبا ونظام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، في منطقة مغلقة بوجه الصحفيين، خلفهم أسلاك شائكة متجمدة وأمامهم على الجانب الآخر من السياج جنود بولنديون.
بهذه المقدمة لخص موقع “ميديابارت” (Mediapart) الفرنسي حالة رجال ونساء وأطفال يقفون في الصباح الباكر مرتدين معاطف وقبعات في جو بارد، وذلك بمقال مشترك بين حسام حمود وسيلين مارتلي ونوى بينييد، تمكنوا فيه من التواصل مع المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل وانتشرت صورهم في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث لا يُسمح لأي صحفي بالعمل، ولا لغير القنوات والوكالات المقربة من نظام الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بالاقتراب.
يقول هؤلاء الصحفيون إن من يريد أن يعرف من الداخل ما تسميه عدة منظمات غير حكومية “حالة الطوارئ الإنسانية”، لا بد أن يمر عبر الهواتف، وقد اتصلوا بحسين (34 عاما) وهو كردي عراقي، استأجر بطارية محمولة من مهاجر آخر للإجابة عن أسئلتهم في غابة بودلازي بالقرب من الحدود بين بولندا وبيلاروسيا.
قصص معاناة
يقول حسين -وأصوات الأطفال تختلط من خلفه بجلبة الأهالي- “نفد طعامنا وابنتي ليس لديها حليب. نعاني من الجوع والبرد، ولا أعرف أيهما سيقتلنا أولا. في الليل تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون الصفر في هذه الغابة الرطبة”، ونأمل مع ذلك أن “الأمر سينتهي بهم بالسماح لنا بالمرور، ويقول الناس إن البولنديين سيفتحون الحدود قريبا ويأخذوننا إلى ألمانيا. هل تعتقد أن هذا صحيح؟ إنها شائعة نفتها وزارة الخارجية الألمانية بعدة لغات على تويتر.
غادر حسين بلاده في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي مع زوجته وابنته البالغة من العمر 18 شهرا في أولى موجات المهاجرين الوافدين إلى مينسك، لأن العمل في كردستان العراق لم يعد العثور عليه ممكنا من دون وساطة لا يمتلكها هذا المهندس الشاب الذي يتنهد قائلا “بلادنا مليئة بالفساد. لا يوجد شيء لنا هناك. لذلك عندما سمعنا أن طريقا جديدا عبر بيلاروسيا ينفتح على أوروبا، قمنا بتعبئة حقائبنا. دفعنا 15 ألف دولار لمهرب، ونفد مالنا”.
وفي اتصال آخر تحدث الصحفيون مع اللبناني كريم المعلق بالهاتف في انتظار رسالة من ابن عمه أنس (22 عاما) الذي سافر جوا من بيروت إلى بيلاروسيا في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لقد أراد بكل تأكيد أن يعيش في بلد مستقر. ومنذ ذلك الحين حوصر بين بيلاروسيا وبولندا. أخبرني أنه مضطر لأكل الحشيش كي يظل على قيد الحياة”، إنه عامل بناء لم يعد بإمكانه العثور على عمل في لبنان الذي يعيش في أزمة.
في هذا الجو، تمكنت مجموعة من السوريين من العودة بعد 18 يوما من التجول في الغابة، كلهم أرادوا الفرار من التجنيد الإجباري لجيش نظام دمشق، ومن العاصمة البيلاروسية مينسك حيث يختبئ السوري علي (27 عاما) الذي أراد -وهو شاب مريض- أن يروي لنا قصته “حتى لا يبقى أحد في هذا الوضع الرهيب” موضحا “كان علينا أن نشرب الماء من المستنقعات. ومع أصدقائي، كنا نتمنى الموت. السجن الحقيقي أسهل من هذه المعاناة”.
عنف على جانبي الأسلاك الشائكة
وحسب المقال، يواجه المهاجرون المحاصرون بين بيلاروسيا وبولندا عنفا غير متوقع، إذ يتذكر اللبناني كريم أن ابن عمه أنس قال له في مكالمته الأخيرة “إنه شعر وكأنه كرة بين فريقين. دفعه البيلاروسيون للعبور 5 مرات وفي كل مرة تتم إعادته من قبل البولنديين. أرسل لنا صورة يرفع فيها قميصه عن ظهره الذي تظهر عليه آثار كدمات”.
وعندما اعتقله جنود بيلاروسيا لأول مرة، تعرض علي للضرب بهراوة -كما يقول- “أخذونا إلى مخيم مؤقت في وسط الغابة. على طول الطريق، ضربونا بلا هوادة”، ويتذكر صديقه فارس أن الجنود أجبروهم على الصعود إلى شاحنة، توقفت بهم عند حافة نهر جليدي وقالوا لهم “اذهبوا في هذا الاتجاه واركضوا إلى الغابة وستكونون في بولندا”.
ويضيف فارس “بدأ الجميع في الجري مقتنعين بأنهم سيكونون بأمان في أوروبا قريبا. اعتقلنا الجيش البولندي، طلبوا منا الاستلقاء على الأرض ثم ضربونا. ثم قالوا لنا بالإنجليزية “بولندا لا، اذهبوا إلى بيلاروسيا” وكان الضرب حظنا في بولندا وبيلاروسيا وكأننا حيوانات”.
السيناريو نفسه
وسواء تعلق الأمر بالسوريين أو العراقيين أو اللبنانيين أو اليمنيين -كما يوضح المقال- فإن جميع الشهادات تصف نفس نظام الاتجار بالبشر، حيث يعد المهربون بالوصول بسهولة إلى أوروبا وألمانيا بالخصوص، بسعر يتراوح بين 4 آلاف و 6 آلاف دولار لكل فرد.
يقول الشاب الكردي العراقي حسين -الذي أنفق 15 ألف دولار لنقل عائلته بأكملها والذي لا يزال عالقا بين بيلاروسيا وبولندا- “لقد وضعت كل مدخراتي فيه. بدت الحياة الأفضل في متناول اليد. وبدا الأمر سهلا للغاية. كانت وكالة السفر مليئة بالأكراد الذين أحبونا. لم يفكر أحد فيما ينتظرنا هنا. لن نعود إلا إذا اضطررنا لذلك”.
وفي مداخلة متلفزة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف -الأحد (الماضي)- إن أول رحلة عودة ستقلع من مينسك الخميس (اليوم)، في عملية إنقاذ تتم بالتعاون مع سلطات منطقة الحكم الذاتي الكردية، لإعادة المواطنين “الراغبين” الذين استجاب 571 منهم فقط، وليس حسين من بينهم.
أما علي ورفاقه السوريون من جانبهم، فتمكنوا من مغادرة بيلاروسيا للوصول إلى بيروت الجمعة 12 نوفمبر/تشرين الثاني (الجاري)، ولكنهم -حسب المقال- إذا عادوا إلى سوريا سيتم القبض عليهم بتهمة الانشقاق، في حين لم يسمع اللبناني شيئا عن ابن عمه المهاجر أنس منذ عدة أيام.
