
رماد لوس أنجلوس السام: كيف تسمم الحرائق مياه المحيط الهادئ؟
في مصادفة علمية نادرة، وثقت سفينة أبحاث كيف حولت حرائق لوس أنجلوس مياه المحيط الهادئ إلى مكب للرماد السام. اكتشف العلماء قطعاً من الحطام المحترق على بعد 160 كم، مما يطرح تساؤلات مقلقة حول مستقبل النظم البيئة البحرية.
Share your love
على بعد أكثر من 160 كيلومتراً في عمق المحيط الهادئ، حيث يفترض أن يكون الهواء نقياً والمشهد أزرق ممتداً، وقف عالم المحيطات البيولوجي «راسموس سوالثورب» يراقب ظاهرة لا تنتمي لهذا المكان المعزول. لم تكن سحباً عادية تلك التي لوثت الأفق، بل دخاناً أصفر كثيفاً يتصاعد بشراسة من برّ كاليفورنيا. كانت تلك إشارة البدء لرحلة علمية تحولت فجأة من مسح روتيني للحياة البحرية إلى سباق مع الزمن لتوثيق كارثة بيئية نادرة، حيث أمطرت حرائق لوس أنجلوس سمومها فوق سطح المحيط، محولةً مياهه إلى مختبر حيّ ومخيف في آن واحد.
فرصة علمية وسط الكارثة
لم يكن طاقم السفينة البحثية يخطط لملاحقة الحرائق؛ فوجودهم هناك كان مصادفة بحتة. كان الفريق العلمي، الذي يضم نحو 40 باحثاً، قد أبحر قبل أسبوع ضمن برنامج «كالكوفي» (CalCOFI)، وهو برنامج عريق لمسح مصايد الأسماك في المحيط كاليفورنيا يجمع البيانات بانتظام منذ عام 1949. ولكن في السابع من يناير، ومع اندلاع حرائق «باليسيدز» و«إيتون» المدمرة، وجد الباحثون أنفسهم في قلب الحدث.
يقول سوالثورب، مدير العمليات البحرية في البرنامج والباحث في معهد سكريبس لعلوم المحيطات: «كانت الحرائق أضخم من أي شيء رأيته من قبل، وكنا نبحر مباشرة نحو أعمدة الدخان». تحولت المهمة الروتينية فجأة إلى فرصة نادرة؛ إذ نادراً ما يتواجد العلماء بأدواتهم المجهزة في الموقع واللحظة المناسبة لقياس التأثير الفوري لمثل هذه الكوارث الكبرى على البيئة البحرية.
عندما تصبح الشباك سوداء
بتوجيه عاجل من عالمة الأحياء البحرية «جولي ديناسكي» -التي كانت تتابع الموقف من اليابسة- بدأ الفريق بتعديل خطتهم. بدلاً من الاكتفاء بجمع عينات المياه والطيور البحرية المعتادة، وجه العلماء شباكهم وأدواتهم لالتقاط كل ما يتساقط من السماء.
المشهد كان سريالياً؛ فبينما كانت التلال تحترق في الأفق، تساقط الرماد حول السفينة وكأنه رقاقات ثلج رمادية. الشباك الدقيقة المخصصة لجمع العوالق (Plankton)، والتي تعود عادةً ناصعة البياض، سُحبت إلى السطح وهي مغطاة بطبقة سميكة من الرماد الأسود والحطام. والمفاجأة لم تكن في وجود الرماد فحسب، بل في حجمه؛ إذ عثرت ديناسكي لاحقاً على قطع رماد بحجم إبهام اليد، وصلت إلى مسافة 160 كيلومتراً بعيداً عن الشاطئ، وهو ما يتجاوز بكثير توقعات النماذج الحالية لحركة الهباء الجوي.
سموم «حضرية» في قلب المحيط
ما يميز هذه الحرائق عن حرائق الغابات التقليدية هو طبيعة المواد المحترقة. لم يكن الدخان ناتجاً عن احتراق الأشجار فحسب، بل حمل معه بقايا احتراق السيارات، والبطاريات، والمواد البلاستيكية، ومواد البناء. يصف الباحثون الرائحة التي خنقت الهواء في عرض البحر بأنها تشبه «رائحة الإلكترونيات المحترقة»، وهو مؤشر خطير على نوعية الملوثات التي دخلت المياه.
يشير العلماء إلى أن هذا المزيج من المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة قد يخلق تأثيرات غير مسبوقة على النظام البيئي البحري. فالمحيط، الذي يعاني أصلاً من ارتفاع درجات الحرارة والملوثات المزمنة، يواجه الآن طبقة إضافية من الإجهاد البيئي. والسؤال الذي يؤرق ديناسكي وفريقها هو: «ما مدى مرونة النظام البيئي في مواجهة هذا النوع الجديد والمتزايد من الضغوط؟».
هدوء ما بعد العاصفة.. والنتائج المنتظرة
بعد انتهاء المهمة وعودة السفينة، ومع حلول رحلة الربيع في أبريل، بدا أن المياه والهواء قد استعادا طبيعتهما. يقول «نيكولاس كونشا سايز»، عالم الأحياء البحرية من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA): «الماء والهواء يبدوان طبيعيين تماماً الآن للعين المجردة». لكن هذا الهدوء قد يكون خادعاً.
الآن، تبدأ المعركة الحقيقية داخل المختبرات. يعكف العلماء على تحليل العينات للكشف عن السموم غير المرئية والمعادن الثقيلة التي قد تكون ذابت في المياه أو استقرت في قاع المحيط. إن نتائج هذه الدراسة لن تخبرنا فقط عما حدث في لوس أنجلوس، بل ستعيد تشكيل فهمنا لكيفية تفاعل المحيطات مع حرائق المدن الكبرى في عصر التغير المناخي، حيث أصبحت الحدود بين كوارث اليابسة وصحة المحيطات أكثر تلاشياً من أي وقت مضى.



