
عملاق غازي محتمل في فناء جارتنا الشمسية “ألفا قنطورس”
في اكتشاف قد يفتح حقبة جديدة، رصد العلماء جرماً ضخماً يُحتمل أن يكون كوكباً يدور حول أقرب نجم شبيه بالشمس لنا. رغم وقوعه في المنطقة الصالحة للحياة، فإن طبيعته الغازية قد تخفي تحديات أخرى.
Share your love
لطالما داعب خيالنا سؤالٌ أزلي كلما نظرنا إلى السماء ليلاً: هل تمتلك النجوم التي تشبه شمسنا كواكب تدور حولها تماماً كما تفعل الأرض؟ الإجابة قد تكون أقرب مما نتصور، وتحديداً عند عتبة بابنا الكوني. في تطور فلكي لافت، رصد علماء الفلك مؤخراً إشارات مثيرة لوجود جرم سماوي ضخم قد يكون كوكباً يدور حول النجم “ألفا قنطورس أ” (Alpha Centauri A)، أحد أقرب جيراننا من النجوم الشبيهة بالشمس.
ضيف ثقيل في “النطاق الصالح للحياة”
في دراستين قيد النشر بمجلة “أستروفيزيكال جورنال ليترز” (Astrophysical Journal Letters)، أفاد باحثون باكتشاف “مرشح كوكبي” يدور في مدار نجم “ألفا قنطورس أ”. يقع هذا النظام النجمي على بعد حوالي 4.3 سنوات ضوئية فقط من الأرض، ويتكون من نجمين شبيهين بالشمس (ألفا قنطورس أ وب) يدوران حول بعضهما في رقصة كونية، بينما يراقبهم عن بعد قزم أحمر يُعرف باسم “بروكسيما قنطورس”.

المثير في هذا الاكتشاف هو موقع الجرم المرصود؛ إذ يبدو أنه يسبح داخل ما يُعرف بـ”النطاق الصالح للحياة” (Habitable Zone)، وهي المنطقة التي تسمح درجات الحرارة فيها بوجود الماء السائل. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نفرط في التفاؤل بشأن العثور على حياة هناك؛ فالبيانات تشير إلى أن هذا الجرم ليس كوكباً صخرياً كالأرض، بل هو على الأرجح “عملاق غازي” بحجم كوكب المشتري وكتلة تقارب كتلة زحل، مما يعني افتقاره لسطح صلب يمكن أن تزدهر عليه الحياة كما نعرفها.
تحدي التحديق في وهج النجوم
يشير أنيكيت سانغي، عالم الفيزياء الفلكية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) والمشرف الرئيسي على الدراسة، إلى أن قرب “ألفا قنطورس أ” يجعل منه “هدفاً استثنائياً للبحث عن الكواكب”. لكن القرب لا يعني السهولة؛ فاللمعان الشديد للنجم يطغى عادةً على أي ضوء خافت قد يعكسه كوكب يدور حوله، ناهيك عن التداخل الضوئي القادم من النجم المرافق.
للتغلب على هذه العقبة، لجأ سانغي وفريقه إلى التقنيات المتطورة لتلسكوب “جيمس ويب” الفضائي (JWST). في أغسطس 2024، وجه التلسكوب أدواته نحو النجم، مستخدماً جهازاً خاصاً لحجب ضوء النجم الساطع (Coronagraph)، ثم قاموا بمعالجة البيانات عبر برمجيات حاسوبية متقدمة لإزالة الوهج المتبقي. كانت النتيجة ظهور نقطة مضيئة محيرة تبعد عن النجم بمسافة تعادل ضعف المسافة بين الأرض والشمس.
وبدمج هذه الملاحظات مع بيانات أرشيفية من “التلسكوب الكبير جداً” (VLT) في تشيلي، قدّر الباحثون أن هذا المرشح الكوكبي يتحرك في مدار بيضاوي، يجعله يقترب من نجمه في نقطة الحضيض لمسافة تماثل بعد الأرض عن الشمس.
لغز الاختفاء والانتظار الحذر
رغم الحماس، لا يزال المجتمع العلمي حذراً. فقد أجرى الفريق محاولتي رصد للمتابعة باستخدام تلسكوب جيمس ويب في عام 2025، لكنهم لم يعثروا على الجرم السماوي. ووفقاً لسانغي، هذا الاختفاء ليس مفاجئاً ولا يعني عدم وجود الكوكب؛ بل تشير المحاكاة الحاسوبية إلى أن الكوكب كان في موقع من مداره يجعله قريباً جداً من النجم ومحجوباً بوهجه خلال تلك الفترة.
يعتقد الفريق أن الكوكب يكمل دورة حول نجمه كل عامين تقريباً، ولهذا يخططون لإعادة توجيه تلسكوب جيمس ويب نحوه مجدداً في أغسطس 2026 لتأكيد وجوده بشكل قاطع.
كرة بولينغ كونية وبداية حقبة جديدة
إذا تم تأكيد هذا الاكتشاف، فإن وجود عملاق غازي في هذا الموقع قد تكون له تبعات درامية على النظام النجمي. جاذبية هذا الكوكب الهائل ستكون مهيمنة لدرجة أنها قد تطرد أي كواكب صخرية صغيرة (شبيهة بالأرض) خارج النطاق الصالح للحياة، في سيناريو يشبهه العلماء بـ”كرة بولينغ تطيح بالقوارير”.
من جانبه، يبدي إريك أغول، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة واشنطن، تفاؤلاً مشوباً بالحذر قائلاً: “لقد رأيت مرشحات كوكبية تظهر ثم تختفي”. لكنه يؤكد أنه في حال ثبوت صحة البيانات، فإننا أمام “أفضل حالة لرصد وتوصيف كوكب خارج المجموعة الشمسية في النطاق الصالح للحياة حول نجم شبيه بالشمس”.
وتختتم سارة سيغر، عالمة الفيزياء الفلكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، بالقول إن هذا العمل يمثل نقلة نوعية في استراتيجيات البحث عن الكواكب، معتبرة أننا سننظر إلى الخلف مستقبلاً لنرى أن هذه اللحظة كانت بداية لعصر جديد من التصوير المباشر للعوالم البعيدة.



