
مومياوات الصحراء: كيف تُرشد الفهود القديمة عودتها للجزيرة العربية؟
كشفت دراسة حديثة لعينات مومياوات وهياكل عظمية في كهوف شمال السعودية عن تنوع وراثي غير متوقع للفهود المنقرضة. هذه البيانات الجينية قد تكون المفتاح لإعادة إحياء وجود الفهد الصياد في المنطقة.
Share your love
في قلب الصحراء العربية الحارقة، حيث يبدو الزمن وكأنه توقف، رقدت أسرع حيوانات اليابسة لآلاف السنين في صمت مطبق. لم يكن الجليد هو من حفظ أجسادها كما يحدث عادةً مع حيوانات العصر الجليدي، بل تولى الجفاف القاسي للكهوف المظلمة مهمة التحنيط الطبيعي، ليحفظ لنا فصلاً مفقوداً من تاريخ الحياة الفطرية في المنطقة. هذا الاكتشاف المذهل لمومياوات الفهود في شمال المملكة العربية السعودية لا يروي قصة انقراض فحسب، بل يحمل في شفرته الوراثية مفتاحاً قد يعيد هذه الوحوش النبيلة للركض مجدداً فوق الرمال العربية.
كنز علمي في باطن الدحول
لم يكن البحث عن آثار الماضي بالأمر الهين؛ فقد قاد أحمد البوق، عالم الأحياء البرية في المركز الوطني لتنمية الحياة بالرياض، وفريق بحثي مسحاً شاقاً شمل 134 كهفاً (أو ما يُعرف محلياً بالدحول) في شمال المملكة. وفي عمق هذه التجاويف الصخرية، وجد الباحثون ما يشبه المقبرة الجماعية المحفوظة بعناية: 54 هيكلاً عظمياً للفهود، بالإضافة إلى سبع مومياوات كاملة جففتها الطبيعة الصحراوية القاسية.

تشير الدراسة التي نُشرت نتائجها في الخامس عشر من يناير في دورية Communications Earth & Environment، إلى أن هذه الحيوانات سقطت قديماً داخل هذه الكهوف العميقة ولم تتمكن من الخروج، لتصبح مصائد طبيعية حفظت لنا تاريخاً بيولوجياً ثميناً. وقد أظهر التأريخ بالكربون المشع أن عمر هذه البقايا يتراوح بين قرن واحد فقط، وبين عينات موغلة في القدم تعود لأكثر من 4200 عام.
مفاجأة في الحمض النووي
لطالما اعتقد العلماء أن الفهود التي جابت الجزيرة العربية كانت تنتمي حصراً لسلالة الفهد الآسيوي (Acinonyx jubatus venaticus)، والتي لا يزال عدد ضئيل منها (أقل من 70 فرداً) يصارع للبقاء في إيران. لكن التحليلات الجينية الدقيقة التي أجراها الفريق السعودي والباحثون المشاركون كشفت عن مفاجأة غير متوقعة.
بعد استخلاص المادة الوراثية الكاملة (الجينوم) من هيكلين عظميين وإحدى المومياوات، وجد العلماء أن عينة واحدة كانت بالفعل قريبة من الفهود الآسيوية. ولكن المثير للدهشة أن العينتين الأخريين أظهرتا قرابة جينية وثيقة بفهود شمال غرب أفريقيا (A. jubatus hecki). هذا يعني أن التنوع الوراثي للفهود في الجزيرة العربية كان أغنى وأكثر تعقيداً مما كنا نتصور، حيث التقت السلالات الآسيوية والأفريقية في هذه البقعة الجغرافية الفريدة.
أرشيف نادر خارج الجليد
تُعد هذه الاكتشافات نادرة للغاية في عالم الآثار البيولوجية. وتعلق ليز كيريبكا، عالمة البيئة الجزيئية في متحف كارولينا الشمالية للعلوم الطبيعية، والتي لم تشارك في الدراسة، قائلة إن العثور على مومياوات بهذا العدد والوضوح خارج مناطق التربة الصقيعية (Permafrost) هو أمر “غير معتاد على الإطلاق”.

لقد انقرضت الفهود من الجزيرة العربية في سبعينيات القرن الماضي نتيجة الصيد الجائر وتدمير الموائل الطبيعية وتجارة الحيوانات الأليفة. لكن بقاء هذه الأنسجة، مثل المخلب الموضح في الصورة والذي يعود لأكثر من 1800 عام، منح العلماء فرصة ذهبية للنظر في “الكتالوج” الوراثي للحيوانات التي كانت متكيفة تماماً مع بيئة المنطقة.
بارقة أمل لإعادة التوطين
تمثل هذه النتائج خريطة طريق علمية لجهود المركز الوطني لتنمية الحياة الرامية لإعادة الفهد الصياد إلى البراري السعودية. فبدلاً من الاعتماد على مصدر وراثي واحد، يمتلك دعاة الحفاظ على البيئة الآن أدلة تشير إلى إمكانية الاستعانة بفهود شمال غرب أفريقيا كمصدر محتمل لبرامج الإكثار وإعادة التوطين، نظراً لقرابتها الجينية مع أسلافها في الجزيرة العربية وامتلاكها تكيفات مماثلة للبيئة الصحراوية.
ومع ذلك، تظل التحديات قائمة. فكلا السلالتين (الآسيوية والشمال أفريقية) مهددتان بشدة بالانقراض اليوم. وتحذر كيريبكا من أن نقل أفراد من هذه المجموعات الهشة أصلاً يجب أن يتم بحذر شديد لتجنب الإضرار بالمجموعات المانحة. إن نجاح مشروع طموح كهذا يتطلب موازنة دقيقة بين التاريخ الجيني المكتشف حديثاً وبين الواقع البيئي الحالي، لعلنا نرى يوماً ما هذه العداءة الرشيقة تسابق الريح مرة أخرى في صحراء العرب.



