أدوات من عظام الحيتان: كنز البشر قبل 20 ألف عام

أدوات من عظام الحيتان: كنز البشر قبل 20 ألف عام

كشفت دراسة حديثة عن أقدم أدوات مصنوعة من عظام الحيتان في العالم، عثر عليها في فرنسا وإسبانيا وتعود لـ 18 ألف عام. استخدم إنسان العصر الحجري تقنيات متقدمة لاستغلال الحيتان الجانحة في الغذاء والتصنيع.

فرنسا

لم يكن البحر بالنسبة لإنسان العصر الحجري مجرد مساحة زرقاء غامضة، بل كان أحياناً يلفظ كنوزاً هائلة الحجم تغير حياة القبائل بأكملها. تخيل أن تسير على شاطئ مقفر قبل 20 ألف عام، لتعثر على جثة حوت عملاق؛ بالنسبة لأجدادنا، لم يكن هذا مجرد وليمة لحم دسمة، بل كان أشبه بالعثور على مستودع ضخم لمواد البناء والتصنيع.

ترسانة أسلحة من عمالقة المحيط

في كشف أثري يعيد كتابة تاريخ علاقة البشر بالبحر، أماط باحثون اللثام عن أقدم أدوات معروفة في العالم مصنوعة من عظام الحيتان. هذه الاكتشافات التي تعود إلى ما بين 20,000 و14,000 عام، عُثر عليها في مواقع ممتدة من شمال إسبانيا إلى جنوب غرب فرنسا، وتثبت أن سكان أوروبا الغربية القدامى لم يكتفوا بالصيد البري، بل برعوا في استغلال “هدايا البحر” الجانحة.

يدان بشريتان تمسكان بأداة طويلة ومدببة مصنوعة من عظم حوت رمادي اللون
قطعة أثرية نادرة: رأس حربة مصنوع من عظم حوت رمادي، عُثر عليه في ملجأ صخري بفرنسا، ويُقدر عمره بحوالي 18,000 عام.

يشير عالم الآثار جان-مارك بيتيلون، من جامعة تولوز جان جوريس الفرنسية، وفريقه البحثي في دراستهم المنشورة بدورية Nature Communications، إلى أن هذه الأدوات تمثل دليلاً قاطعاً على براعة تقنية متقدمة. فبينما عُرفت أدوات عظام الحيتان في مناطق أخرى مثل جزر جنوب المحيط الهادئ، إلا أن تلك النماذج لا يتجاوز عمرها بضعة آلاف من السنين، مما يجعل الاكتشاف الأوروبي الجديد هو الأقدم على الإطلاق بفارق زمني هائل.

فك شفرة العظام: عندما تتحدث البروتينات

التحدي الأكبر الذي واجه العلماء هو صعوبة تحديد نوع الحيوان بمجرد النظر إلى العظام، خاصة بعد أن تم نحتها وصقلها لتتحول إلى رؤوس حراب أو مقابض للرماح. هنا جاء دور العلم الحديث؛ فقد استخدم الفريق تقنية تحليل تسلسل البروتينات الخاصة بالأنواع (Species-specific protein sequences) لفحص 83 أداة عظمية و90 قطعة عظمية خام استخرجت من 26 موقعاً أثرياً ومغارة ساحلية.

أظهرت النتائج مفاجأة بيولوجية مذهلة: 71 أداة و60 قطعة عظمية تنتمي لخمسة أنواع مختلفة من الحيتان، شملت حوت العنبر، والحوت الزعنفي، والحوت الأزرق، والحوت الرمادي، بالإضافة إلى الحوت الصائب (أو حوت مقوس الرأس). لقد كان هؤلاء الصيادون القدامى يتعاملون مع أكبر المخلوقات التي عاشت على الأرض.

اقتصاد الشواطئ: نفط وغذاء وتجارة

لم يقتصر الأمر على صناعة السلاح؛ فقد كشفت الحفريات في كهف بالقرب من الساحل الشمالي لإسبانيا عن جانب آخر من هذا “الاقتصاد الحوتي”. وجد الباحثون عظاماً تم تكسيرها عمداً وبدقة لاستخراج الزيت الدهني منها، وهو ما كان يمثل مصدراً غذائياً ثميناً وعالي الطاقة في العصور الجليدية القاسية.

الأكثر إثارة هو أن هذه الأدوات لم تبقَ حبيسة الشواطئ. فقد عُثر على بعضها في مواقع تبعد حوالي 300 كيلومتر في العمق القاري، مما يشير إلى شبكات تجارة وتبادل واسعة النطاق نقلت هذه الأدوات الثمينة من الساحل إلى الداخل. وتشير تواريخ الكربون المشع إلى أن ذروة هذه التجارة وازدهار صناعة أدوات عظام الحيتان كانت في الفترة ما بين 17,500 و16,000 سنة مضت.

نظرة جديدة لمجتمعات ما قبل التاريخ

يؤكد هذا الاكتشاف أن المجتمعات البشرية في أواخر العصر الحجري القديم لم تكن معزولة عن البحر كما كان يُعتقد سابقاً. فعلى الرغم من أن ارتفاع مستويات سطح البحر عبر آلاف السنين قد طمس العديد من المواقع الساحلية القديمة، فإن الأدلة تتزايد يوماً بعد يوم على أن الإنسان العاقل (وحتّى إنسان نياندرتال) كان يمتلك “قائمة طعام” بحرية متنوعة.

ويختتم بيتيلون بطرح رؤية مثيرة حول التنظيم الاجتماعي لهؤلاء الأسلاف؛ فبرغم أن جنوح الحيتان لم يكن حدثاً يومياً، إلا أن استغلال جثة حيوان بحجم الحوت الأزرق أو حوت العنبر كان يتطلب تنظيماً سريعاً وجماعياً لسلخ اللحوم وتكسير العظام ونقلها قبل تعفنها. إنها صورة حية لمجتمعات قادرة على اغتنام الفرص البيئية بذكاء وكفاءة عالية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!