
بعد إفلاس 23andMe: هل أصبحت شفرتك الوراثية سلعة للبيع؟
مع إعلان شركة 23andMe إفلاسها، يواجه ملايين العملاء خطراً حقيقياً يتعلق بخصوصية بياناتهم الجينية. وبينما يستحوذ مشترٍ جديد على الأصول، يحذر الخبراء من ثغرات قانونية قد تجعل أدق أسرارنا البيولوجية سلعة قابلة للتداول.
Share your love
تخيل أن أكثر المعلومات حميمية عنك، تلك التي لا تكشف فقط هويتك بل وتاريخ أسلافك واستعدادك للأمراض، قد تتحول فجأة إلى أصل تجاري يُعرض في مزاد علني. هذا ليس سيناريو من روايات الخيال العلمي، بل هو الواقع المقلق الذي يواجهه اليوم أكثر من 15 مليون شخص حول العالم بعد إعلان شركة “23 آند مي” (23andMe) الرائدة في اختبارات الحمض النووي عن إفلاسها، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مخيفة حول مصير “الأسرار البيولوجية” لعملائها.
سقوط العملاق ومزاد البيانات
في تحول دراماتيكي لشركة كانت قيمتها السوقية تلامس 6 مليارات دولار، تقدمت “23 آند مي” بطلب للحماية من الإفلاس بموجب الفصل الحادي عشر، في خطوة تهدف لتسهيل عملية بيع أصولها. وعلى الرغم من إعلان شركة “ريجينيرون للأدوية” (Regeneron Pharmaceuticals) فوزها بصفقة شراء الأصول مقابل 256 مليون دولار وتعهدها باستمرار سياسات الخصوصية، إلا أن القلق لا يزال سيد الموقف. القضية هنا لا تتعلق ببيع مصانع أو معدات جرارات زراعية كما هو الحال لو أفلست شركة مثل “جون دير”، بل تتعلق ببيع ملايين السجلات التي تحتوي على بيانات جينية وصحية بالغة الحساسية.
وتشير أنيا برينس (Anya Prince)، الباحثة في الآثار القانونية للاختبارات الجينية بجامعة آيوا، إلى أن القيمة الحقيقية للشركة تكمن في وعودها بالعائد المادي من هذه البيانات، مما يجعل العملاء السلعة الحقيقية في هذه الصفقة.
ثغرات في جدار الخصوصية
لم يكن الإفلاس هو الصدمة الأولى؛ فقد عانت الشركة التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها من تداعيات اختراق بيانات عام 2023، والذي أدى لكشف معلومات الأنساب وحسابات حوالي 7 ملايين مستخدم. هذا الحدث أعاد إشعال المخاوف القديمة حول الخصوصية الجينية، وهي مخاوف برزت للسطح لأول مرة عام 2018 مع قضية “قاتل الولاية الذهبي” (Golden State Killer) الذي تم تحديد هويته عبر قاعدة بيانات أنساب عامة.
وترى ألوندار نيلسون (Alondra Nelson)، عالمة اجتماع العلوم في معهد الدراسات المتقدمة ببرينستون، أننا وصلنا إلى مفترق طرق خطير. فبعد عشرين عاماً من انطلاق هذه الصناعة، نجد أنفسنا أمام عملية تبادل ضخمة لبيانات 15 مليون إنسان دون وجود سياسات حماية فعالة. وتشير نيلسون إلى ثغرة تشريعية خطيرة: القوانين التي تحمي البيانات الصحية التقليدية مثل قانون “هيبا” (HIPAA) في الولايات المتحدة، أو اللوائح التي تنظم البيانات الجنائية، لا تنطبق بالضرورة على اختبارات الجينات الموجهة للمستهلكين.
معضلة الحذف: هل “الزر الأحمر” فعال حقاً؟
أمام هذا الواقع الضبابي، يتساءل الملايين: هل يجب علينا حذف بياناتنا؟ تؤكد برينس أنه بالنسبة للأشخاص الحريصين على الخصوصية، فإن الحذف هو الخطوة المنطقية الوحيدة المتاحة للتحكم في بياناتهم، خاصة في ظل المخاوف من استغلال هذه البيانات من قبل شركات التأمين أو جهات إنفاذ القانون.
لكن نيلسون تثير نقطة أكثر عمقاً وتعقيداً: كيف نتأكد حقاً أن البيانات قد حُذفت؟ وتقول: “الأمر ليس مجرد حذف حساب على فيسبوك. نحن بحاجة إلى محاسبة جنائية للبيانات”. فالسؤال يظل قائماً حول ما إذا كانت البيانات قد نُسخت أو شُاركت مع مختبرات بحثية أو شركاء آخرين قبل طلب الحذف. وتطالب نيلسون بضرورة وجود بروتوكولات صارمة تضمن إزالة البيانات من كل قرص صلب وكل خادم لدى الشركة والمتعاونين معها.
بين مطرقة الخصوصية وسندان البحث العلمي
المعضلة لا تتوقف عند الخصوصية الفردية، بل تمتد لتشمل مستقبل البحث العلمي. فقد استخدم الباحثون بيانات “23 آند مي” لسنوات في دراسات تتبع الأنساب ومسببات الأمراض. وإذا قرر العملاء سحب بياناتهم بشكل جماعي، فقد يفقد العلم كنزاً معلوماتياً لا يقدر بثمن، خاصة وأن الشركة كانت تجمع ما يقرب من مليوني استجابة استقصائية أسبوعياً حول نمط الحياة والصحة.
وتحذر برينس من أن سياسات الخصوصية الحالية للشركة تنص على إمكانية بيع البيانات في حالة الإفلاس، ورغم أن المشتري الجديد ملزم بالسياسات الحالية، إلا أن هذه السياسات نفسها قابلة للتغيير في أي وقت، مما يترك المستهلك في دائرة مفرغة من عدم اليقين.
مستقبل غامض للفئات المستضعفة
تزداد المخاوف حدة عند الحديث عن المجتمعات المهمشة التي عانت تاريخياً من القمع القائم على الأفكار الجينية والعرقية. وتشير نيلسون بقلق إلى المجتمعات ذات الأصول الأفريقية أو اليهودية، مؤكدة أن تداول هذه البيانات الحساسة في العالم يُعد أمراً خطيراً. ولعل تحذير وزارة الدفاع الأمريكية لموظفيها في عام 2019 من استخدام هذه الاختبارات خشية استغلالها من قبل “جهات أجنبية خبيثة” يُعد دليلاً دامغاً على حجم المخاطر الأمنية.
في النهاية، يبدو أن إفلاس “23 آند مي” ليس مجرد حدث اقتصادي، بل هو جرس إنذار أخلاقي وقانوني. فبينما تسعى الشركة لبيع أصولها، يبقى السؤال المعلق: هل ستكون خصوصية 15 مليون إنسان مجرد بند قابل للتفاوض في صفقة البيع؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت شفراتنا الوراثية ستظل ملكاً لنا، أم ستصبح مشاعاً في سوق البيانات العالمي.



