
متاحف العلوم.. إعادة اختراع الذات للنجاة من الجائحة
واجهت متاحف العلوم أزمة وجودية مع تفشي الجائحة، لكنها حولت المحنة إلى فرصة عبر ابتكار تجارب رقمية وخدمات مجتمعية أعادت تعريف دورها خارج أسوار المباني التقليدية.
Share your love
في الثلاثين من يناير 2020، تحلّق عدد قليل من الخبراء داخل «معرض العلوم» في دبلن (Science Gallery Dublin) لمناقشة مرض غريب وجديد ظهر في الصين. دار الحديث حينها حول أصول هذا الفيروس، واحتمالية انتقاله عبر الهواء، وآفاق تطوير لقاح له. ورغم جدية الطرح، كانت الرسالة موجهة للجمهور بعدم الذعر، إذ لم تُسجل أي إصابة في أيرلندا وقتها. تتذكر آيسلينغ موراي، مديرة البرامج في المعرض، تلك اللحظات قائلة: «كان ذلك آخر حدث حي نعقده في المعرض».
بعد أسابيع قليلة، ومع إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا جائحة عالمية، أوصدت متاحف العلوم حول العالم أبوابها، لتواجه سؤالاً وجودياً عاصفاً: ماذا يعني متحف العلوم إذا فقد مساحته المادية؟ وكيف يمكنه الاستمرار في إشراك جمهوره دون قاعات عرض؟ لم تكن الإجابة سهلة، لكنها أطلقت موجة غير مسبوقة من الابتكار وإعادة اختراع الذات.
صدمة الإغلاق.. وأزمة الهوية
لم يكن الإغلاق مجرد توقف مؤقت، بل كان تهديداً وجودياً لنموذج عمل استقر لعقود. يشير كريستوفر نيلسون، الرئيس التنفيذي لرابطة مراكز العلوم والتكنولوجيا (ASTC)، إلى أن عائدات التذاكر تبخرت بين عشية وضحاها. وتشير التقديرات إلى أن متاحف العلوم خسرت أكثر من 600 مليون دولار في الأشهر الستة الأولى فقط من الجائحة. اضطرت العديد من المؤسسات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية، شملت تسريح الموظفين وتقليص النفقات.

أمام هذا الواقع، لم تمتلك المتاحف رفاهية الانتظار. فبدلاً من الاستسلام للصمت، حولت هذه المؤسسات واجهاتها ونوافذها إلى معارض مفتوحة، كما فعل معرض دبلن الذي استخدم واجهاته الزجاجية لشرح مفاهيم «مناعة القطيع» والتباعد الاجتماعي للمارة، مستخدماً مجسمات الليغو والأزياء المطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد.
القفزة الرقمية.. من العروض الحية إلى الشاشات
في الأسابيع الأولى، ساد اعتقاد بأن الإغلاق لن يدوم طويلاً، فتحولت المتاحف إلى «وضع الاستجابة للأزمات». يشرح تيم ريتشي، رئيس متحف العلوم في بوسطن، كيف بدأ الموظفون الذين اعتادوا تقديم عروض حية عن الزواحف والفضاء بتقديم تلك المحاضرات عبر تطبيق «زوم» (Zoom). ورغم أن البدايات كانت متواضعة تقنياً، إلا أن تعطش الجمهور للمعرفة كان كبيراً.

تحولت العروض المسرحية العلمية إلى تجارب رقمية؛ ففي كليفلاند، أطلق مركز غريت ليكس للعلوم برنامجاً يومياً عبر يوتيوب لتعليم الأطفال كيفية صنع المصابيح والمنجنيق في المنزل. وفي سياتل، قام مركز المحيط الهادئ للعلوم بتصوير عروضه الأكثر شعبية ونشرها رقمياً، بما في ذلك جولات خلف الكواليس مع حيوانات المتحف، مما سمح للجمهور بالدخول إلى عوالم لم تكن متاحة لهم من قبل.
دور مجتمعي يتجاوز أسوار المتحف
لم تكتفِ المتاحف بدورها التعليمي التقليدي، بل انخرطت في المعركة ضد المعلومات المضللة حول الوباء. صمم مركز المحيط الهادئ للعلوم صفحات مخصصة لشرح المصطلحات الوبائية وتوضيح حقائق اللقاحات، موفراً مصدراً موثوقاً في بحر من الشائعات. لكن الدور الأبرز كان التدخل المباشر لدعم المجتمعات المحلية المتضررة.

في نيويورك، تحول متحف ميد هدسون للأطفال إلى شريان حياة، حيث نظم سوقاً للمزارعين لتوفير الطعام الطازج للأطفال الذين فقدوا وجباتهم المدرسية المجانية بسبب الإغلاق. تقول لارا ليتشفيلد-كيمبر، المديرة التنفيذية للمتحف: «أدركنا أننا نمتلك عملاً أساسياً في مدينتنا». وفي بورتلاند، فتح متحف أوريغون للعلوم والصناعة أبوابه لتوفير رعاية نهارية لأطفال العاملين في الخطوط الأمامية، مستفيداً من خبرة موظفيه في التعامل مع الأطفال والتعليم.

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز
مع طوال أمد الأزمة، بدأت المتاحف تفكر في حلول طويلة الأمد تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة. أطلق متحف العلوم في بوسطن تجربة «اسأل الخبير الافتراضي» المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث يجيب الخبير الصحي أشيش جها على أسئلة الجمهور حول كوفيد-19 عبر واجهة تفاعلية. وفي واشنطن، عقدت مؤسسة سميثسونيان شراكة مع إنستغرام لتمكين المستخدمين من عرض قطع أثرية ثلاثية الأبعاد، مثل مكوك الفضاء ديسكفري، داخل منازلهم بتقنية الواقع المعزز.

كما ابتكرت المتاحف طرقاً آمنة للتفاعل المباشر؛ فقد نظم مركز الفضاء في هيوستن مخيمات «الغرفة النظيفة»، حيث ارتدى الأطفال معدات واقية كاملة تحاكي تجربة علماء ناسا، مما حول إجراءات الوقاية من الفيروس إلى تجربة تعليمية مشوقة عن التعقيم وعلوم الفضاء.

توسيع النطاق.. العلم للجميع
لعل النتيجة الأكثر إيجابية لهذه الأزمة هي توسيع نطاق وصول المتاحف إلى فئات كانت بعيدة عنها جغرافياً أو اجتماعياً. قام مركز العلوم والصناعة (COSI) في أوهايو بتوزيع مجموعات علمية مجانية عبر بنوك الطعام وملاجئ المشردين، لضمان وصول العلوم للأطفال الأكثر احتياجاً.

كما اكتشفت أكاديمية كاليفورنيا للعلوم أن برامجها الافتراضية تجتذب جمهوراً أوسع بكثير من زوارها المحليين المعتادين، حيث قفز عدد المشاهدين لفعالياتها المسائية من 1700 شخص حضورياً إلى أكثر من 10,000 مشاهد عبر الإنترنت. هذا التوسع دفع العديد من المؤسسات إلى تبني نماذج «هجينة» تستمر حتى بعد إعادة الافتتاح.

ورغم أن التحديات المالية لا تزال قائمة، إلا أن متاحف العلوم أثبتت أنها كائنات حية قادرة على التطور. وكما يقول ستيفن سنايدر، رئيس مركز فليت للعلوم: «هذا إثبات لمفهوم أننا لسنا مقيدين بمبانينا. مراكز العلوم لم تكن كذلك أبداً». إن المستقبل الذي ينتظر هذه المتاحف قد يكون أقل اعتماداً على الجدران، وأكثر ارتباطاً بنبض المجتمع وحاجاته المتغيرة.



