مخطوطات العصور الوسطى: جلود الفقمة تكشف أسرار التجارة المنسية

مخطوطات العصور الوسطى: جلود الفقمة تكشف أسرار التجارة المنسية

كشفت تحليلات الحمض النووي أن كتباً نادرة في دير فرنسي غُلفت بجلود فقمة مستوردة من القطب الشمالي. الاكتشاف يعيد رسم خرائط التجارة في العصور الوسطى ويثير التساؤلات حول مدى معرفة الرهبان بمصادر موادهم.

Share your love

فرنسا

قد يبدو المثل القائل “لا تحكم على الكتاب من غلافه” نصيحة حكيمة في العلاقات الإنسانية، لكن عندما يتعلق الأمر بعالم المخطوطات الأثرية، فإن العلم الحديث يثبت العكس تماماً. فالأغلفة هنا قد تروي قصصاً تاريخية تتجاوز في إثارتها النصوص المكتوبة داخلها. في أروقة إحدى المكتبات الفرنسية، كانت مجموعة من المخطوطات القديمة ترقد بسلام لقرون، معتقدين أنها مجلدة بجلود حيوانات المزارع المحلية المعتادة، قبل أن يميط التحليل الجيني اللثام عن مفاجأة بيولوجية قادمة من أقصى الشمال المتجمد، ليعيد رسم خرائط التجارة في العصور الوسطى.

لغز دير “كليرفو”

تعود القصة إلى دير “كليرفو” (Clairvaux Abbey) الذي أسسه الرهبان السيسترسيون شمال فرنسا عام 1115م. لطالما اعتقد المؤرخون وخبراء الترميم أن الكتب والمخطوطات التي أنتجها هذا الدير وفروعه، والتي يبلغ عمر بعضها قرابة 900 عام، كانت مغلفة بجلود الحيوانات الشائعة في تلك المنطقة، مثل الخنازير البرية أو الغزلان. لكن الفضول العلمي دفع الباحثين للتدقيق أكثر.

مخطوطة من العصور الوسطى ذات غلاف بني متآكل مصنوع من جلد الفقمة
هذا الكتاب من العصور الوسطى، المحفوظ في مكتبة تروا الكبرى بفرنسا، مغلف بجلد الفقمة. رغم تآكل الغلاف حالياً، إلا أنه كان ذا ملمس فرائي كثيف في عصره الذهبي. (حقوق الصورة: É. Lévêque)

عندما وضعت إيلودي ليفيك (Élodie Lévêque)، أخصائية ترميم الكتب في جامعة بانثيون-سوربون بباريس، هذه المجلدات تحت المجهر، واجهت معضلة غير متوقعة. كانت الأغلفة الأساسية مصنوعة بوضوح من جلد الغنم، لكن الغلاف الخارجي الواقي المعروف باسم “القميص” (Chemise) كان لغزاً محيراً. لم يتطابق نسيجه مع أي من جلود الحيوانات المحلية المعروفة، مما استدعى تدخلاً أعمق باستخدام التكنولوجيا الحيوية.

نتائج “مستحيلة” وصدمة علمية

لجأت ليفيك إلى تحليل البروتينات ومقارنة عينات من هذه الأغلفة بقاعدة بيانات لبروتينات حيوانية معروفة. كانت النتيجة صادمة لدرجة الشك: إنها جلود فقمة.

تقول ليفيك واصفة تلك اللحظة: “قلت لنفسي: هذا غير ممكن، لا بد أن هناك خطأ ما”. السبب في دهشتها يعود إلى حقيقة جغرافية وتاريخية بسيطة؛ فالفقمات لم تكن ترتاد السواحل الشمالية لفرنسا في تلك الحقبة. وتضيف: “أرسلت العينة مرة أخرى للتحليل، وعادت النتيجة كما هي: جلد فقمة”.

الحمض النووي يكشف المصدر القطبي

للتأكد بشكل قاطع، قام الفريق البحثي بمقارنة الحمض النووي (DNA) المستخلص من خمسة أغلفة خارجية مع الحمض النووي للفقمات. أكدت النتائج، التي نُشرت في التاسع من أبريل في دورية Royal Society Open Science، صحة الفرضية الأولية.

أظهر التحليل الجيني أن أربعة من هذه الأغلفة تنتمي وراثياً لفقمة الميناء (Harbor seals) التي تعيش في إسكندنافيا والدنمارك وأسكتلندا، بينما تطابق الغلاف الخامس مع الفقمة القيثارية (Harp seal)، والتي تستوطن مناطق أبعد بكثير مثل غرينلاند أو أيسلندا. وسع الباحثون نطاق فحصهم بصرياً ليتمكنوا في النهاية من تصنيف 43 كتاباً مغلفاً بجلد الفقمة.

شبكة تجارية عابرة للبحار

تطرح هذه الاكتشافات سيناريو تاريخياً مذهلاً يتحدى الاعتقاد السائد بأن الرهبان كانوا يعتمدون حصراً على المواد المحلية. يرجح الباحثون أن صيادين نرويجيين (Norse hunters) في تلك المناطق القطبية اصطادوا الفقمات ونقلوا جلودها عبر مسارات تجارية معقدة وصولاً إلى شمال فرنسا.

ومن المثير للاهتمام أن الرهبان أنفسهم ربما لم يدركوا أنهم يغلفون كتبهم المقدسة بجلود حيوانات بحرية قادمة من أماكن لم يسمعوا بها قط. يقترح الفريق أن الرهبان ربما اشتروا هذه الجلود لخصائصها المتينة أو المقاومة للماء دون السؤال عن مصدرها البيولوجي.

كتب بملمس “الدببة المحشوة”

اليوم، تبدو هذه الأغلفة بنية ومتآكلة بفعل الزمن، لكن ليفيك تشير إلى أنها كانت مختلفة تماماً في أوجها. تقول واصفة مظهرها الأصلي: “في ذلك الوقت، كان الكتاب سيبدو تماماً مثل دبدوب محشو (Teddy bear)، ولكنه فاتح اللون”.

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام إعادة تقييم مقتنيات المكتبات التاريخية، ليس فقط كأوعية للمعرفة المكتوبة، بل كسجلات بيولوجية حية توثق حركة التجارة والاقتصاد والعلاقات الدولية في العصور المظلمة، مثبتة أن العلم قادر على استنطاق التاريخ من أدق التفاصيل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!