
أحلام ذرية: هل الطاقة النووية منقذ للمناخ أم كابوس إشعاعي؟
بين مخاوف الإشعاع وحتمية الحاجة للكهرباء النظيفة، يطرح كتاب جديد تساؤلات شائكة حول مستقبل الطاقة النووية. هل هي الحل الأمثل لإنقاذ الكوكب، أم أن مخاطرها تفوق مكاسبها؟
Share your love
سمكة بثلاث عيون تسبح في مياه ملوثة، وقضبان يورانيوم مشعة يتلاعب بها موظف مهمل يدعى «هومر سيمبسون»؛ هذه الصور الكاريكاتورية التي رسخها مسلسل «عائلة سيمبسون» الشهير في ذاكرة جيل التسعينيات، شكلت لسنوات طويلة جزءاً كبيراً من الوعي الجمعي تجاه الطاقة النووية. لكن، بعيداً عن شاشات التلفاز وفي قلب الواقع، يطرح كتاب جديد تساؤلاً أكثر جدية وإلحاحاً: هل الطاقة النووية هي الحل السحري لأزماتنا المناخية، أم أنها وحش نائم نخشى استيقاظه؟
رحلة داخل الحصن الأخير
في كتابها الصادر حديثاً بعنوان «أحلام ذرية» (Atomic Dreams)، تأخذنا الصحفية ريبيكا توهوس-دوبراو (Rebecca Tuhus-Dubrow) في رحلة استقصائية شائكة تبدأ من محطة «ديابلو كانيون» (Diablo Canyon)، وهي آخر محطة طاقة نووية لا تزال تعمل في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

على عكس الفوضى التي نراها في المسلسلات الكرتونية، تصف المؤلفة ثقافة سلامة صارمة لدرجة الهوس؛ فقبل دخولها المحطة، خضعت لفحص دقيق للكشف عن أي آثار لمركبات متفجرة، وعند خروجها، تم مسحها للتأكد من عدم تعرضها لأي إشعاع. هناك، ترفع لافتة شعاراً لا يقبل السخرية: «السلامة ليست صدفة». ومع ذلك، فإن هذه الصرامة لم تشفع للمحطة التي ظلت منذ اختيار موقعها في الستينيات بؤرة لجدل لا ينتهي بين السكان والخبراء.
معادلة الربح والخسارة البيئية
تضعنا توهوس-دوبراو أمام حقيقة علمية لا يمكن تجاهلها بسهولة: مزايا الطاقة النووية مغرية جداً لعالم يحتضر مناخياً. فالمفاعلات النووية تولد كميات هائلة من الكهرباء دون أن تنفث غراماً واحداً من غازات الدفيئة، كما أنها تتطلب مساحات من الأراضي ومواد خام أقل بكثير مما تحتاجه مصادر الطاقة المتجددة (كالرياح والشمس) لإنتاج نفس القدر من الطاقة. والأهم من ذلك، أنها توفر تياراً كهربائياً مستقراً لا يخضع لتقلبات الطقس أو غياب الشمس.

لكن، إذا كانت الكفة ترجح لصالح النووي من حيث الكفاءة، فإن كفة المخاطر تبدو ثقيلة ومرعبة. تشير المؤلفة إلى التكاليف الأولية الباهظة لبناء المحطات، والوقت الطويل الذي قد يتجاوز عقداً من الزمان لإتمام البناء. يضاف إلى ذلك الخطر الأمني المتمثل في إمكانية تحويل اليورانيوم المخصب من وقود للمفاعلات إلى سلاح مدمر في حال وقع في الأيدي الخطأ.
كابوس النفايات والخطأ البشري
لا يكتمل الحديث عن الطاقة النووية دون استحضار أشباح الماضي: «تشيرنوبيل» عام 1986 و«فوكوشيما» عام 2011. توضح الكاتبة أن الكارثة الأولى نتجت عن عيوب في التصميم وخطأ بشري فادح، بينما كانت الثانية نتيجة لقوة الطبيعة القاهرة حين ضرب تسونامي غير متوقع أنظمة التبريد في المحطة اليابانية. كلا الحدثين فرضا عمليات إجلاء جماعية وتركا ندوباً إشعاعية في البيئة المحيطة.
ولعل المعضلة الأعقد التي يناقشها الكتاب هي: أين نذهب بالنفايات؟ يظل الوقود المستهلك (النفايات النووية) مشعاً وخطراً لآلاف السنين. وفي ظل غياب مستودع جيولوجي دائم في الولايات المتحدة، تضطر المحطات لتخزين نفاياتها في الموقع نفسه، مما يحول البلاد إلى خريطة مرقطة بمخازن نفايات مؤقتة. هذا الواقع يثير رعب السكان المحليين، مثل الجدة التي تمارس ركوب الأمواج في «لاغونا بيتش» وتناضل لنقل النفايات المخزنة قرب منزلها، خوفاً من تسرب إشعاعي قد يحدثه زلزال مفاجئ.
هل المشكلة في الطاقة أم في استهلاكنا؟
رغم قتامة الصورة، يجادل المؤيدون بأن صناعة الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز) تقتل الملايين سنوياً بسبب التلوث، بينما تكاد الوفيات الناتجة عن التشغيل الطبيعي للمحطات النووية تلامس الصفر. وينقل الكتاب قصصاً لأشخاص يرون في النووي طوق نجاة، مثل مجموعة «أمهات من أجل النووي» اللواتي يعملن في محطة ديابلو كانيون، ومؤثرة برازيلية تروي كيف عاشت طفولة باردة اضطر فيها أجدادها لحرق الكحول في الحمام للتدفئة بسبب عجزهم عن دفع فاتورة الكهرباء.
في نهاية المطاف، يتحول سؤال توهوس-دوبراو الجوهري من «هل الطاقة النووية جيدة؟» إلى «هل استهلاكنا المفرط للطاقة هو المشكلة؟». قد تكون العودة للطبيعة حلماً رومانسياً جميلاً، لكن الواقع الرقمي يفرض نفسه. وكما يعلق أحد المصادر في الكتاب ببراعة: «لا أرى أحداً يستبدل هاتفه أو تلفازه بآخر أصغر حجماً». يبدو أن العالم سيظل بحاجة لمزيد من الطاقة، وسيظل الجدل حول مصدرها مشتعلاً كقلب مفاعل لا يهدأ.



