قصائد الأباطرة تكشف المستور: مأساة خنزير النهر

قصائد الأباطرة تكشف المستور: مأساة خنزير النهر

في سابقة علمية فريدة، لجأ باحثون إلى قصائد أسرة تانغ وتشينغ لرسم خريطة انحسار خنزير بحر يانغتسي. النتائج كشفت عن تراجع مذهل في أعداد هذا الحيوان النادر.

الصين

لطالما اعتبرنا الشعر نافذة على الروح البشرية، وسيلة للتعبير عن المشاعر أو تخليد اللحظات العابرة، لكن هل تخيلت يومًا أن تكون أبيات القصائد القديمة أداة علمية دقيقة لرصد التغيرات البيئية؟ في تحول مدهش يجمع بين الأدب الكلاسيكي وعلم الأحياء، لجأ العلماء مؤخرًا إلى دواوين الشعر الصيني القديم لحل لغز بيئي معقد يتعلق بأحد أندر الثدييات المائية في العالم. لم يعد العلماء يعتمدون فقط على أجهزة الاستشعار الحديثة، بل باتوا ينقبون في استعارات الأباطرة والشعراء القدامى لرسم خريطة زمنية لانحسار خنزير بحر يانغتسي عديم الزعانف.

عندما يصبح الشعر أرشيفًا بيئيًا

يواجه خنزير بحر يانغتسي عديم الزعانف (Yangtze finless porpoise)، وهو نوع فريد من الثدييات المائية يعيش في المياه العذبة، خطرًا حقيقيًا بالانقراض، إذ تشير التقديرات إلى بقاء ما يقرب من 1000 فرد فقط في البرية. تكمن المشكلة الكبرى التي تواجه دعاة حماية البيئة في غياب البيانات التاريخية؛ فالمسوحات العلمية الدقيقة لهذا الحيوان لم تبدأ إلا في العقود القليلة الماضية، مما يجعل من الصعب تحديد خط الأساس الطبيعي لتوزيعه الجغرافي قبل التدخل البشري المكثف.

وهنا جاءت فكرة الباحث جياجيا ليو، عالم البيئة في جامعة فودان بشنغهاي، وفريقه البحثي. بدلاً من البحث في عينات المياه أو التربة، غاص الفريق في بحر من الكلمات، منقبين في قواعد بيانات الشعر الصيني القديم عن أي ذكر لهذا الحيوان الذي كان يُلقب قديمًا بـ “خنزير النهر”.

علم المواطن عبر القرون

يصف ليو القصائد القديمة بأنها شكل من أشكال “العلم التشاركي” أو “علم المواطن” (Citizen Science) القديم. ويقول: “هذه البيانات ليست مثالية، لكنها تحتوي على كم هائل من المعلومات إذا أحسنّا استخدامها”. وقد تمكن الفريق، بعد استبعاد الإشارات المجازية البحتة، من تحديد 724 قصيدة تعود إلى عهد سلالة تانغ (618-907 م) تتضمن مشاهدات فعلية للحيوان.

خنزير بحر يانغتسي عديم الزعانف يسبح خلف الزجاج في حوض مائي تابع للأكاديمية الصينية للعلوم
خنزير بحر يانغتسي عديم الزعانف، أحد الأنواع المهددة بشدة بالانقراض، أصبح موضوعًا لدراسة فريدة تربط الأدب بعلم البيئة.

ساعدت السياقات الجغرافية للقصائد وسجلات السفر المكتوبة الباحثين في تحديد مواقع الشعراء بدقة لحظة كتابة أبياتهم. ومن اللافت أن العديد من هؤلاء الشعراء كانوا يشغلون مناصب رسمية، مما يعني أن تحركاتهم وتواريخهم كانت موثقة بعناية فائقة. ويشير زيغانغ مي، عالم الحيوان في الأكاديمية الصينية للعلوم بوهان، إلى دقة هذه السجلات التي حولت الملاحظات العابرة إلى نقاط بيانات جغرافية.

من العصر الذهبي إلى الانحسار الحاد

كشفت الدراسة التي نُشرت في دورية Current Biology عن حقائق صادمة عند مقارنة الخرائط الشعرية بالواقع الحالي. فقد أظهرت البيانات أن النطاق الجغرافي لخنزير البحر قد تقلص بنسبة هائلة بلغت 65% منذ عهد سلالة تانغ. وعلى الرغم من أن الاختفاء كان تدريجيًا عبر السلالات الخمس التي شملتها الدراسة، إلا أن الانهيار الحقيقي والمفاجئ حدث في الفترة الممتدة بين سلالة تشينغ (1636-1912 م) ويومنا هذا.

ولعل أكثر الأبيات دلالة ما كتبه الإمبراطور تشيان لونغ، الذي حكم بين عامي 1735 و1796، واصفًا المشهد ببراعة: “طاردت الخنازير ضوء القمر على أمواج فضية، بينما استدعت التنانين سحبًا سوداء تلوح في الأفق”. هذه الصورة الشاعرية لم تعد ممكنة اليوم في العديد من الروافد والبحيرات التابعة للنهر، حيث انحسر وجود الحيوان فيها بنسبة تصل إلى 90%.

دروس من الماضي لمستقبل الحفاظ على الأنواع

يُرجِع الباحثون هذا التدهور السريع إلى الأنشطة البشرية المكثفة. فقد أدى بناء السدود وتطوير الأراضي الزراعية والعمرانية إلى قطع طرق هجرة هذه الثدييات وتدمير موائلها الطبيعية. تؤكد هذه الدراسة أن الأساليب غير التقليدية لفهم التاريخ البيئي يمكن أن تقدم رؤى لا تقدر بثمن. إن دمج الأدب بالعلم لم يمنحنا فقط نظرة حزينة على ما فقدناه، بل وضع بين أيدينا خارطة طريق تحدد المناطق التي كانت تعج بالحياة سابقًا، مما يساعد في توجيه جهود الحفاظ الحالية لمحاولة استعادة جزء من هذا التراث الطبيعي المفقود قبل أن يتحول الحيوان نفسه إلى مجرد ذكرى في قصيدة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!