Table of Contents
كانت أغنية “أمستردام” لفرقة “كولدبلاي” تعني شيئاً واحداً لجون نيلسون: التلاشي. في ذروة معاناته مع الاكتئاب المقاوم للعلاج، كان يستمع إليها ليشعر بالحزن الذي يلتهمه، ذلك النوع من الحزن الذي وصفه بأنه “دافئ” ولكنه مدمر، حيث يتلاشى بريق الحياة ويفقد المرء جوهره. لكن اليوم، وبعد خضوعه لجراحة تجريبية دقيقة في الدماغ، تغيرت النغمة تماماً. لا تزال الأغنية هي نفسها، لكن جون هو الذي تغير؛ بات يسمع فيها الآن “بهجة القتال من أجل الحياة” والقدرة على العبور إلى الضفة الأخرى. هذا التحول الجذري في المنظور ليس مجرد تغيير نفسي عابر، بل هو نتيجة لتدخل علمي دقيق يُعرف بـ “التحفيز العميق للدماغ” (DBS).
ما وراء “قوس قزح”: استعادة الذات المفقودة
قصة جون ليست فريدة، لكنها تفتح نافذة نادرة على حياة أولئك الذين يعيشون في “المنطقة العميقة” من الاكتئاب الذي لا تستجيب له الأدوية التقليدية. بالنسبة لأماندا، وهي مريضة أخرى خضعت لنفس التجربة، كان الشفاء بمثابة العثور على مكان حقيقي “فوق قوس قزح”. تصف أماندا تجربتها برسمة أنجزتها بعد الجراحة: منزل صغير بنته فوق القوس الملون، حيث الشمس والضوء والدفء. تقول: “لم يغير العلاج شخصيتي، أنا نفس الشخص، لكني لم أعد أعاني بتلك القسوة”.
ما تصفه عائلات المرضى، مثل باربرا زوجة جون، هو عودة “الروح” التي حاول المرض سرقتها. المنزل الذي كان يخيم عليه الصمت والقلق، عاد ليضج بالضحك والمزاح، وحتى المناوشات العائلية الطبيعية حول شاحن الهاتف المفقود. تقول باربرا: “لم يعد هناك تلك السحابة السوداء المعلقة فوقنا. لقد استعاد جون راحته وقدرته على الحضور والمشاركة”.
عشرون عاماً من البحث.. لماذا لم يصبح علاجاً متاحاً للجميع؟
رغم هذه القصص الملهمة، لا يزال التحفيز العميق للدماغ (DBS) في طور البحث العلمي ولم يحصل بعد على موافقة إدارة الغذاء والدواء (FDA) كعلاج قياسي للاكتئاب. الدكتورة هيلين مايبرغ، طبيبة الأعصاب الرائدة التي نشرت أول ورقة بحثية حول هذا العلاج في دورية Neuron عام 2005، تشير بوضوح إلى التحدي الأكبر: “قابلية التوسع”.
العملية ليست بسيطة؛ فهي تتطلب جراحة دماغية دقيقة لزرع أقطاب كهربائية، وهو ما يجعلها خياراً طبياً معقداً لا يناسب الجميع. تقول مايبرغ بتواضع العلماء: “بصفتي طبيبة وعالمة، ليست وظيفتي إنقاذ العالم بأكمله، بل إنقاذ من أستطيع إنقاذهم. نحن بحاجة لفهم البيولوجيا بشكل أعمق لنعرف لماذا ينجح هذا العلاج مع البعض ولا ينجح مع الآخرين”.
البحث عن إجابات في تعابير الوجه وموجات الدماغ
لحل لغز “التباين” بين البشر، انطلقت تجربة سريرية جديدة وموسعة بتمويل من شركة “أبوت” (Abbott) للتكنولوجيا الطبية. ستشمل الدراسة مائة متطوع يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج من جميع أنحاء الولايات المتحدة. في تصميم علمي دقيق، سيتلقى نصف المتطوعين التحفيز الكهربائي في السنة الأولى بينما لن يتلقاه النصف الآخر (دون أن يعلموا)، ثم يُتاح للجميع خيار تشغيل الجهاز في النهاية.
الهدف ليس فقط علاج المرضى، بل اصطياد “المؤشرات الحيوية” (Biomarkers). العلماء يراقبون الآن إشارات التعافي ليس فقط عبر مسح الدماغ، بل من خلال تحليل تعابير الوجه، نبرة الصوت، ولغة الجسد. جون، على سبيل المثال، قضى وقتاً طويلاً في تسجيل موجات دماغه ومذكرات فيديو يومية. هذه البيانات الضخمة ساعدت فريق مايبرغ مؤخراً على تحديد نمط معين من التغيرات الدماغية التي تشير بوضوح إلى حدوث التعافي.
المستقبل: هل يمكن علاج الاكتئاب دون جراحة؟
بينما يمثل التحفيز العميق للدماغ أملاً كبيراً، يظل الحلم العلمي هو الوصول إلى نفس النتائج دون الحاجة لفتح الجمجمة. تشير مايبرغ إلى أن فهم الآلية البيولوجية لعملية التحفيز قد يقودنا إلى تقنيات أقل تدخلاً. يعكف المهندسون حالياً على تطوير طرق تستخدم الكهرباء، الضوء، الموجات فوق الصوتية، والمغناطيس لتوصيل الإشارات إلى عمق الدماغ من الخارج.
وحتى في التقنيات الجراحية، هناك تطور مذهل نحو التصغير والتبسيط. إحدى الطرق المبتكرة تعتمد على شبكات أقطاب كهربائية قابلة للطي يمكن إدخالها إلى الدماغ عبر الوريد الوداجي في الرقبة، مما يلغي الحاجة لفتح الجمجمة تماماً. الهدف النهائي يشبه تطور منظم ضربات القلب: من جهاز ضخم ومعقد في بداياته، إلى قطعة صغيرة بحجم علبة الكبريت تحافظ على نبض ملايين القلوب اليوم.
في النهاية، يظل المرضى هم المعلمون الحقيقيون في هذه الرحلة الطويلة. كما تقول الدكتورة مايبرغ: “المرضى مثل جون وأماندا وإيميلي هم مرشدونا ومشاركونا في البحث”. وبالنسبة لعائلة نيلسون، المستقبل الآن يبدو أكثر إشراقاً، مليئاً بصخب الحياة اليومية والامتنان للحظات البسيطة، والأهم من ذلك، الأمل في أن العلم يوماً ما سيجعل طريق الشفاء أسهل للآخرين.