Table of Contents
لأكثر من ثلاثة عقود، بقيت تلك الجمجمة المهشمة التي عُثر عليها على ضفاف نهر في وسط الصين لغزاً صامتاً يستعصي على الفهم. لم تكن مجرد عظام قديمة، بل كانت أحجية جيولوجية مشوهة بفعل ضغط الرواسب لملايين السنين، مما جعل تحديد هوية صاحبها أمراً أشبه بالمستحيل. لكن اليوم، وبفضل التكنولوجيا الرقمية المتطورة، عاد هذا الوجه القديم ليتحدث، كاشفاً عن أسرار قد تقلب فهمنا لشجرة العائلة البشرية رأساً على عقب، وتزحزح إنسان النياندرتال عن مكانته كأقرب أقربائنا المنقرضين.
عودة «يونكسيان 2» من الظل
في تطور لافت نشرته دورية Science، كشف فريق بحثي بقيادة عالم الأنثروبولوجيا القديمة شياوبو فنغ من جامعة شانشي الصينية، عن إعادة بناء رقمية دقيقة لجمجمة تُعرف باسم «يونكسيان 2» (Yunxian 2)، يقدر عمرها بنحو مليون عام. هذه الجمجمة، التي كانت تعاني من تشوهات شديدة، تم ترميمها افتراضياً لتصحيح التداخلات التي سببها طمرها في التراب لقرون سحيقة.
النتائج جاءت مفاجئة؛ فالجمجمة المرممة أظهرت سمات تشريحية فريدة تربط صاحبها بسلالة بشرية آسيوية مبكرة تطورت لاحقاً لتصبح النوع المنقرض المعروف باسم «إنسان لونغي» (Homo longi)، أو ما اشتهر إعلامياً بلقب «الرجل التنين». هذا الربط الجديد لا يحل لغز الجمجمة فحسب، بل يضع إطاراً جديداً لتفسير مجموعة محيرة من الحفريات البشرية التي تعود للعصر البليستوسيني الأوسط، أي في الفترة ما بين 789,000 و130,000 سنة مضت.
انقلاب في شجرة العائلة: هل نحن أقرب للتنين؟
لطالما ساد الاعتقاد في الأوساط العلمية بأن إنسان النياندرتال هو أقرب أبناء عمومتنا التطورية. لكن الدراسة الجديدة تقترح سيناريو مغايراً تماماً: السلالة البشرية القديمة التي أدت مباشرة لظهور جنسنا (الإنسان العاقل Homo sapiens) تمتلك صلة قرابة أوثق بأسلاف «إنسان لونغي» -بمن فيهم صاحب جمجمة يونكسيان 2- مقارنة بصلتها بالنياندرتال.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ذهب الباحثون إلى تصنيف «الدينيسوفان» (Denisovans) -وهم مجموعة بشرية غامضة عرفناها غالباً من خلال الحمض النووي وليس الأحافير- كأعضاء في سلالة H. longi. هذا يعني ضمنياً أن الدينيسوفان هم أيضاً أقرب إلينا من النياندرتال، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في رسم خريطة التطور البشري في آسيا.
فك الشيفرة التشريحية
للوصول إلى هذه الاستنتاجات، لم يعتمد فريق فنغ على التخمين، بل أجروا تحليلاً حاسوبياً مقارناً شمل «يونكسيان 2» و104 عينات أخرى لجماجم وفكوك بشرية من أفريقيا وآسيا وأوروبا. قام الحاسوب بتوليد أشجار تطورية تبحث عن أبسط التفسيرات لتوزيع السمات الهيكلية المختلفة.
على الرغم من أن جمجمة يونكسيان 2 تمتلك صندوق دماغ طويل ومنخفض -وهي سمة بدائية- إلا أنها احتوت دماغاً كبيراً نسبياً. والأهم من ذلك، برزت سمات محددة مثل محاجر العيون المتقاربة وفتحة الأنف العريضة والمسطحة، وهي خصائص شكلت الخيط الرفيع الذي ربط هذه الجمجمة القديمة بسلالة «إنسان لونغي».
نافذة ضبابية على الماضي السحيق
وفقاً للتقديرات الزمنية التي طرحها الفريق، فإن الأسلاف التطوريين لإنسان لونغي (بمن فيهم يونكسيان 2) والإنسان العاقل قد تشاركوا سلفاً واحداً قبل حوالي 1.32 مليون سنة. هذا التاريخ يتماشى مع تحليلات حديثة للحمض النووي أشارت إلى انقسام مجموعتين من الأسلاف البشرية قبل حوالي 1.5 مليون سنة. في المقابل، تشير حسابات الفريق إلى أن سلالة النياندرتال انفصلت في وقت أبكر، قبل نحو 1.38 مليون سنة.
ومع ذلك، لا يزال الجدل محتدماً. شيلا أثريا، عالمة الأنثروبولوجيا القديمة في جامعة تكساس إيه آند إم، ترى أن تطور البشر في العصر البليستوسيني الأوسط لا يزال لغزاً مستعصياً. وتؤكد أن السمات الهيكلية تتداخل بشكل يجعل من الصعب فرزها في سلالات واضحة، مشيرة إلى أن العلاقة بين الدينيسوفان ويونكسيان 2 لا تزال بحاجة لمزيد من الأدلة القاطعة.
سواء صحت هذه الفرضية تماماً أم لا، فإن جمجمة يونكسيان 2 تقدم لنا، كما يصفها كريس سترينجر من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، «واحدة من أهم النوافذ على العمليات التطورية التي شكلت جنسنا البشري». إنها تذكير بأن قصتنا لا تزال تُكتب، وأن كل حجر يُقلب في الصين أو غيرها قد يحمل فصلاً جديداً من حكايتنا.