الكهرباء من الجليد المالح.. وصفة علمية لطاقة نظيفة

الكهرباء من الجليد المالح.. وصفة علمية لطاقة نظيفة

كشفت دراسة حديثة أن انحناء الجليد المالح يولد تياراً كهربائياً أقوى مما كان معتقداً. تعرف على آلية عمل هذه التقنية وكيف يمكن لمخاريط جليدية دقيقة أن تشكل مستقبلاً مصدراً للطاقة في المناطق الباردة.

الصين

ثلاثة مكونات بسيطة للغاية: قليل من الملح، وماء متجمد، وبعض الضغط الميكانيكي.. هل تصدق أن هذه العناصر المجتمعة هي كل ما تحتاجه لإنتاج تيار كهربائي نظيف؟ قد يبدو الأمر أشبه بحيلة سحرية، لكنه في الواقع فيزياء بحتة تفتح آفاقاً جديدة في علم المواد، حيث أثبت العلماء أن انحناء قطعة صغيرة من الجليد المالح يمكن أن يولد جهداً كهربياً ملموساً.

وصفة الطاقة الباردة

في اكتشاف مثير نشرته دورية Nature Materials المرموقة في منتصف سبتمبر، أبلغ باحثون عن قدرة مدهشة للجليد المالح على توليد الكهرباء عند تعرضه للضغط أو الثني. النتائج كانت محددة للغاية: قطعة جليدية مخروطية الشكل، لا يتجاوز حجمها حبة الفلفل الأسود وتحتوي على نسبة 25% من الملح، استطاعت إنتاج حوالي 1 مللي فولت من الكهرباء بمجرد الضغط عليها.

قد يبدو هذا الرقم ضئيلاً للوهلة الأولى، لكن الباحثين يؤكدون أن تجميع مصفوفة مكونة من 2000 من هذه المخاريط الجليدية الدقيقة يمكن أن يولد جهداً يصل إلى 2 فولت، وهو ما يكفي تماماً لإضاءة مصباح LED صغير باللون الأحمر. هذا الاكتشاف ينقلنا من مجرد الظواهر الفيزيائية النظرية إلى عتبة التطبيقات العملية للطاقة المتجددة.

سر “التأثير الكهرو-انثنائي”

يعتمد هذا الابتكار على ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم “التأثير الكهرو-انثنائي” (Flexoelectric Effect)، وهي ببساطة توليد الكهرباء نتيجة تشوه غير منتظم في مادة صلبة. وفي حين أن معظم المواد تنتج تياراً ضعيفاً جداً عبر هذه الظاهرة، فإن الجليد المالح أظهر كفاءة واعدة قد تجعل منه مصدراً للطاقة مستقبلاً.

صورة مجهرية لجليد مالح تُظهر فقاعات وتخطيطات دقيقة تشع من المركز، توضح البنية الداخلية التي تسمح بتدفق المحلول الملحي.
الجليد العادي يولد تياراً ضعيفاً، لكن انحناء شرائح الجليد المالح (كما في الصورة) يحرك المحلول الملحي السائل بداخلها مولداً تياراً كهربائياً أقوى عبر ظاهرة التأثير الكهرو-انثنائي. (المصدر: Simon Gakhar/Getty Images)

ولكن، لماذا الجليد المالح تحديداً؟ يكمن السر في البنية المجهرية لهذا الجليد. فعند تجميد الماء المالح، لا يتجمد الملح مع الماء في بنية بلورية واحدة، بل تبقى طبقات رقيقة للغاية من المحلول الملحي السائل (الأجاج) محصورة بين حبيبات الجليد الصلبة.

عندما نقوم بثني قطعة الجليد، نخلق تدرجاً في الضغط داخل المادة؛ مما يدفع هذا السائل الملحي للتدفق نحو مناطق الضغط المنخفض. وبما أن هذا السائل غني بالأيونات الموجبة (الكاتيونات)، فإن حركته وتدفق أيوناته يولد تياراً كهربائياً قابلاً للقياس.

الهندسة تلتقي بالكيمياء

لم يكتفِ الفريق البحثي بمجرد رصد الظاهرة، بل تعمقوا في هندستها. قاد الفيزيائي التجريبي «شين وين» -الذي بدأ العمل في جامعة شيان جياوتونغ في الصين- تجارب صب فيها الماء المالح داخل قوالب سيليكون لتجميدها في شكلين مختلفين: مخروط، وعارضة منحنية. وباستخدام آلة متخصصة لثني هذه القوالب الجليدية وتكرار العملية، قام الفريق بقياس الشحنة الناتجة.

أظهرت النتائج تفوقاً واضحاً للشكل المخروطي؛ حيث تمكنت المخاريط من تحمل قوى أكبر مقارنة بالعوارض، وأنتجت جهداً كهربياً أعلى. المثير للاهتمام أن المخاريط الأصغر حجماً كانت أكثر قدرة على تحمل الضغط بالنسبة لحجمها مقارنة بنظيرتها الأكبر، مما يعزز فكرة الباحثين حول بناء مصفوفات من آلاف المخاريط الدقيقة لتضخيم الطاقة الناتجة.

من البرق إلى المستشعرات

هذا البحث لا يأتي من فراغ. ففي وقت سابق من هذا العام، شارك «وين» في دراسة أظهرت أن الجليد النقي يمتلك أيضاً خصائص كهرو-انثنائية ضعيفة، وهو ما قد يفسر كيف تساهم جزيئات الجليد في العواصف الرعدية في توليد البرق. لكن «وين» يشير بذكاء إلى أن “الجليد في الطبيعة نادراً ما يكون نقياً تماماً، وعادة ما يحتوي على شوائب”، لذا كان من المنطقي دراسة تأثير شائبة شائعة جداً مثل الملح.

ورغم التفاؤل العلمي، يظل «وين» -الذي يعمل حالياً في المعهد الكتالوني لعلوم النانو وتكنولوجيا النانو في برشلونة- واقعياً بشأن التطبيقات الفورية. يقول موضحاً: “لا زلنا بعيدين عن شحن الأجهزة اليومية”. ويضيف بأسلوب يقرب الصورة للأذهان: “في هذه المرحلة المبكرة، قد نحتاج إلى مكعب من الجليد المالح بمساحة عشرات إلى مائة متر مربع فقط لشحن هاتف ذكي واحد”.

ومع ذلك، فإن المستقبل لا يكمن بالضرورة في شحن الهواتف، بل في تطبيقات أكثر تخصصاً. فالجليد الملحي قد يكون الحل الأمثل لتشغيل مستشعرات بيئية منخفضة التكلفة أو أجهزة حصاد طاقة في المناطق القطبية النائية والباردة، حيث تتوفر المادة الخام -الجليد والملح- بفرة، وتغيب مصادر الطاقة التقليدية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!