
لغز ذوبان نجوم البحر: العلماء يحددون هوية القاتل الميكروسكوبي
بعد سنوات من تحول نجوم البحر إلى كتل هلامية وموتها بالملايين، توصل العلماء أخيراً إلى المتهم الرئيسي وراء هذه الكارثة البيئية، مما يمهد الطريق لإنقاذ ما تبقى من هذه الكائنات الحيوية.
Share your love
مشهدٌ يبدو وكأنه خارج من أحد أفلام الرعب البيولوجي: أذرع ملتوية، تقرحات غريبة، ثم تحلل تام يتحول فيه الكائن الحي إلى كتلة لزجة من الهلام. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو الواقع المأساوي الذي تعيشه نجوم البحر منذ أكثر من عقد. فمنذ عام 2013، يجتاح المحيطات مرض غامض عُرف بـ “مرض هزال نجوم البحر” (Sea Star Wasting Disease)، مخلفاً وراءه مليارات الضحايا ودماراً بيئياً هائلاً. ولسنوات طويلة، وقف العلماء حائرين أمام هذا القاتل المتسلسل الخفي، لكن يبدو أن دائرة الاتهام قد ضاقت أخيراً.
تحديد هوية القاتل المتسلسل
في دراسة نُشرت نتائجها مؤخراً في دورية (Nature Ecology & Evolution)، أشار فريق من الباحثين بأصابع الاتهام إلى مشتبه به رئيسي: بكتيريا تُدعى “فيبريو بيكتينيسيدا” (Vibrio pectenicida). ويأتي هذا الاكتشاف ليحمل بارقة أمل لإنقاذ ما تبقى من مجموعات نجوم البحر، سواء في البرية أو في الأسر.
لم يكن تأثير هذا المرض هيناً؛ فقد تسبب في واحدة من أكبر حوادث النفوق الجماعي للكائنات البحرية المسجلة. ولعل المتضرر الأكبر هو “نجم البحر عباد الشمس” (Pycnopodia helianthoides)، وهو مفترس رئيسي انخفضت أعداده بنسبة مرعبة بلغت 91 بالمائة، مما يعني فقدان أكثر من مليار فرد في موجات تفشي المرض أعوام 2015 و2018 و2023.
غياب هذا الكائن لم يمر دون عواقب وخيمة؛ فنجوم البحر تلعب دور الشرطي الذي يضبط أعداد قنافذ البحر. ومع اختفاء الشرطي، انفجرت أعداد القنافذ لتقضي على “غابات عشب البحر” (Kelp forests) الحيوية، التي تعتبر رئة المحيط لامتصاص ثاني أكسيد الكربون وملاذاً للأسماك وثعالب الماء.
تحقيقات معملية تكشف المستور
لحل هذا اللغز الذي استعصى لسنوات، قادت أليسا-لويس جيهمان، عالمة إيكولوجيا الأمراض البحرية في معهد “هاكاي” بكولومبيا البريطانية، فريقاً بحثياً اتبع منهجية صارمة. قام الفريق بنقل نجوم بحر سليمة (برية ومرباة في الأسر) إلى محطة المسح الجيولوجي الأمريكية في واشنطن، حيث خضعت لحجر صحي لمدة أسبوعين للتأكد من خلوها من أي أعراض.

ولمحاكاة العدوى، عرّض الباحثون 50 نجم بحر سليم لظروف مختلفة: وضعهم في أحواض كانت تحوي نجوماً مريضة، أو دمجهم مباشرة مع نجوم مصابة، أو حقنهم بـ “السائل الجوفي” (وهو ما يعادل الدم لدى نجوم البحر) المأخوذ من كائنات مصابة. كانت النتيجة قاطعة ومميتة: نفق 92 بالمائة من النجوم التي كانت سليمة سابقاً في غضون 12 يوماً في المتوسط.
البحث عن إبرة في كومة قش بكتيرية
الخطوة التالية كانت تحديد الأداة الجرثومية للجريمة. وكما هو الحال لدى البشر، تعج أجسام نجوم البحر بالبكتيريا والفيروسات. هنا جاء دور ميلاني برينتيس، عالمة البيئة البحرية، التي عرضت نتائج التحليل الجيني للسائل الجوفي. من بين أكثر من 55,000 نوع من البكتيريا تم رصدها، برز اسم واحد بشكل لافت: Vibrio pectenicida.
ورغم أن هذه البكتيريا وُجدت بكميات ضئيلة في النجوم السليمة، إلا أنها كانت تسيطر بشكل كاسح على أجسام النجوم المريضة. ولتأكيد الشكوك، قام الباحثون بعزل هذه البكتيريا وزراعتها في أطباق بتري، ثم حقنوا بها ستة نجوم بحر سليمة. النتيجة؟ نفقت النجوم الستة جميعها بعد سبعة أيام فقط.
جدل علمي لم يُحسم تماماً
رغم قوة الأدلة، لا يزال الحذر العلمي سيد الموقف. إيان هيوسون، عالم البيئة البحرية بجامعة كورنيل، والذي كان قد اشتبه سابقاً في فيروسات كسبب للمرض عام 2014، يرى أن الدراسة قوية لكنها قد لا تمثل “الدليل القاطع النهائي”. يشير هيوسون إلى أن بكتيريا V. pectenicida لم تظهر بانتظام في دراسات سابقة لنجوم مصابة بالهزال.
ترد جيهمان على هذا التشكيك بتفسير منهجي: الدراسات السابقة كانت تبحث عن مسببات الأمراض في خليط عشوائي من أنسجة نجوم البحر، بينما ركزت دراستهم الحالية بدقة على “السائل الجوفي” المعزول، حيث يكون التباين بين الحالة المرضية والسليمة أكثر وضوحاً.
أمل في الأفق
بغض النظر عن الجدل الأكاديمي، يمثل هذا الاكتشاف خطوة عملية هائلة. فمعرفة العدو تتيح استخدام المضادات الحيوية المناسبة لعلاج نجوم البحر في المحميات والأحواض، مما يعزز برامج الإكثار لإعادة التوطين.
وتعمل جيهمان حالياً على تطوير أدوات تشخيص سريعة – تشبه اختبارات كوفيد-19 المنزلية – لتمكين الباحثين من رصد تفشي بكتيريا V. pectenicida في البيئة الطبيعية والتدخل السريع. قد لا تعيد هذه الجهود ملايين النجوم التي ذابت واختفت، لكنها قد تكون طوق النجاة الأخير لما تبقى من حراس غابات المحيط.



