
نعت المعارضة السعودية المقيمة في
الخارج مضاوي الرشيد، الناشط السعودي عبد الله الحامد الذي توفي في السجون السعودية
فجر الجمعة.
وعبرت الرشيد في مقال لها في موقع “ميدل إيست أي” عن صدمتها من وفاة الحامد، مؤكدة أن ذلك يكشف عن “وحشية الحكومة
السعودية”.
وتعتقد الرشيد أن الحامد ينتمي إلى تقليد
طويل من الإصلاح الإسلامي، الذي كانت الحكومة السعودية عازمة على قمعه وتجريمه واستهدافه
بأكثر الطرق وحشية، خشية أن يكون خطابهم مرغوبا للآخرين.
وتؤكد الرشيد أن مشروع الحامد سيبقى حيا
حتى بعد وفاته. “ستبقى لغة الحقوق والاستحقاق شهادة على
عباراته الدقيقة ونضاله الشرس، لنقل المملكة العربية السعودية من ملكية مطلقة إلى دولة
دستورية”.
الرشيد تكشف في مقالها نظرة الحكومة
السعودية للمصلحين السلميين من أصحاب الفكر الإسلامي على شاكلة الحامد، وأن السلطة هناك ترى الحامد وزملاءه
أخطر عليها من أصحاب الفكر المتشدد الذين يستخدمون السلاح ضدها. هذا ما يكشفه
إصرار السلطة على سجن الحامد الطويل حتى وفاته. تقول الرشيد.
من هو “الإصلاحي” السعودي عبد الله الحامد (فيديو)
وفيما يلي الترجمة الكاملة للمقال
إن وفاة الأستاذ العربي عبد الله الحميد
يوم الجمعة بعد تدهور صحته في سجن سعودي، أمر صادم وكشف عن وحشية الحكومة السعودية.
ولد حامد في بريدة بمحافظة القصيم، وكان
ناشطا فريدا حقا، يعود مساره السياسي إلى أوائل التسعينيات، عندما ظهر كمدافع عن
حقوق الإنسان ومصلح عنيد ومصلح يسعى لتغيير دستوري.
تخرج حامد في قسم اللغة العربية في جامعة
الرياض عام 1971، تبعه دكتوراه من جامعة الأزهر في مصر في مجال النقد الأدبي. بالإضافة
إلى تدريس الأدب العربي، كان حامد شاعرا شهيرا.
في عام 1993، كان أحد الأعضاء الستة المؤسسين
للجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية، وتم القبض عليه في 15 حزيران/ يونيو، ثم أفرج عنه
وألقي القبض عليه ثلاث مرات بين 1993-1996.
تبين أن السجن هو منزله الثاني، حيث استمر
في اعتقاله وإطلاق سراحه خلال الـ 27 سنة الماضية. القمع الذي تعرض له الحامد وقع خلال
فترة ثلاثة ملوك سعوديين هم فهد وعبد الله وسلمان.
في عام 2009، تحدى الحامد الحظر المفروض
على المجتمع المدني، وأعلن مع زملائه ونشطاء آخرين إنشاء الجمعية السعودية للحقوق المدنية
والسياسية، والمعروفة بالعربية باسم (حسم).
بعد قضاء عدة سنوات في الدفاع عن مشروعه
السياسي في المحاكم السعودية، حُكم عليه في عام 2013 بالسجن 11 سنة، إلى جانب ستة
آخرين غير مدانين من إدانة سابقة، تبعه حظر السفر بعد الإفراج عنه.
مات قبل أن يفرج عنه.
تجسير التقاليد
على عكس مجموعات المجتمع المدني السعودي
الأخرى، كانت (حسم) منظمة غير حكومية حقيقية. كانت مهمتها
الدفاع عن حقوق الإنسان والسياسة والدعوة إلى الإصلاح السياسي. وركزت نشاطها على دعم
سجناء الرأي وفضح التعذيب في السجون السعودية.
لكن إسهام الحامد الأكثر قيمة في هذا النضال
السياسي، كان تعبيره عن مركزية الحقوق من داخل التقاليد الإسلامية. إنه ينتمي إلى تقليد
طويل من الإصلاح الإسلامي الذي كانت الحكومة السعودية عازمة على قمعه وتجريمه واستهدافه
بأكثر الطرق وحشية، خشية أن يكون خطابهم مرغوبا للآخرين.
“أمنستي” و”رايتس ووتش” تدينان وفاة الحامد بسجنه
على عكس الجهاديين السلفيين، أصر حامد ورفاقه
على الجهاد السلمي – النضال السلمي لحماية المجتمع من تجاوزات السلطة- من خلال نشر
المقاومة المدنية والمظاهرات والإضرابات والاعتصامات.
أثبت حامد أن المظاهرات هي نشاطات مشروعة
إسلاميا، وتسمح للناس بالانخراط في السياسة وتصحيح المظالم.
الجهاد السلمي يرتكز على عمل شاق محفوف
بالمخاطر. يجب أن تتم من أجل المصلحة الجماعية للمسلمين، ويجب أن تكون خالية من الرغبات
الشخصية في السعي وراء الثروة والامتياز.
كان جهاد الحامد “جهاد الكلمة”.
وأوضح في العديد من الكتيبات أن الجهاد العسكري قد يكون ضروريا للدفاع عن البلاد من
التهديدات الخارجية، ولكن الجهاد السلمي داخليا فقط يمكن أن يؤدي إلى تحصين الهياكل
الداخلية للعدالة واحترام الحقوق.
دافع الحامد عن حق السعوديين في تنظيم المظاهرات،
وأثبت أن المفهوم الإسلامي يؤكد الحشد السلمي الذي يتجمع في المجال العام للمطالبة
بالحقوق وكشف الظلم، وهو حق مركزي في الإسلام.
وقد أثار هذا بالطبع غضب السلفيين الرسميين
في المؤسسة الدينية، الذين دعوا الناس دائما إلى “التهامس في أذن السلطان”
إذا أرادوا التعبير عن آرائهم. أصبح هذا الهمس، المعروف أيضا بالمشورة السرية، علامة
تجارية للسلفيين الرسميين.
لكن الحامد أثبت أن المظاهرات هي أعمال
مشروعة من داخل الإسلام، تسمح للناس بالانخراط في السياسة وتصحيح المظالم. ونتيجة لذلك، كان علماء الدين الرسميين والقضاة يمقتونه، وكذلك المؤسسة الحاكمة.
أتاحت له مهاراته في الكتابة العربية ومعرفته
بالتقاليد الإسلامية، إلى جانب توقه إلى مجتمع عادل، إعادة تفسير النصوص الإسلامية
ودمجها مع الخطاب العالمي حول الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان. كان مفكرا
وداعيا إسلاميا حقيقيا.
انتهى نشاط حميد في آذار/مارس 2013 عندما تم
اعتقاله مع أكثر من اثني عشر زميلا. تم حل (حسم) رسميا بموجب حكم قضائي، وظل مؤسسوها في السجن دون وجود عفو ملكي في
الأفق.
تمثل التهم السعودية ضد حامد مزيجا من التصريحات
الغامضة، كان من بينها: “غرس بذور الفتنة والنزاع، والتشكيك في استقلال القضاء
السعودي ومجلس العلماء الأعلى، ووصف النظام السعودي بأنه دولة بوليسية، وتحريض الرأي
العام ضد أجهزة الأمن والمخابرات، والأهم من ذلك، ضد الحاكم الإسلامي الشرعي للمملكة
العربية السعودية”.
وبينما وقف الحامد المنهك في المحكمة خلال
محاكماته ودافع عن نفسه بنثر فصيح ومقنع، ظهر كمدافع واضح عن حقوق الإنسان.
تداول دفاعه على وسائل التواصل الاجتماعي
أنصار يستوعبون لغة جديدة من الحقوق التي تم قمعها تحت رعاية الدين الرسمي للدولة،
أي التقليد الوهابي السلفي.
سيبقى مشروع الحامد حيا حتى بعد وفاته.
ستبقى لغة الحقوق والاستحقاق شهادة على
عباراته الدقيقة ونضاله الشرس، لنقل المملكة العربية السعودية من ملكية مطلقة إلى دولة
دستورية.
صاغ الحامد الحقوق بلغة دينية بدلا من
المفاهيم المستوردة. لقد مزج التقاليد بمعاني جديدة وعدت باحترام حقوق الإنسان والملكية، والحق في الدفاع عن النفس ضد القضاء الوحشي والملكية.
في حين وفرت الحكومة السعودية مراكز لإعادة
التأهيل ومنتديات لإعادة التثقيف لمسلحيها العنيفين الذين نفذوا هجمات خطيرة ووحشية
بين عامي 2003 و 2009، ظل الحامد في السجن لمجرد أنه أثبت أنه أكثر خطورة من عنفهم
المباشر.
عكس حكمه الطويل بالسجن خوف الحكومة من
الإسلام الإصلاحي ولغة المقاومة السلمية. كانت مراكز إعادة تأهيل المقاتلين من فئة
الخمس نجوم التي شاعها النظام كرائد لجهوده في مكافحة الإرهاب فرصا دعائية، بينما
تم حبس الإصلاحيين السلميين في سجن الحائر سيئ السمعة.
حاول الحامد كسر الخطوط الفاصلة المترسخة
بين الجماعات الأيديولوجية التي رفضت بعضها بعضا في السابق؛ الإسلاميون والليبراليون
على سبيل المثال. كما رفض الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، وسعى إلى الدفاع عن
جميع سجناء الرأي، بالإضافة إلى المهاجرين في المملكة العربية السعودية.
نشطاء يستذكرون كلمات للحقوقي الحامد عن الحكم ببلاده (فيديو)
رفض عدم المساواة بين الجنسين، وذلك قبل وقت طويل من إقرار الحكومة رسميا لحقوق المرأة. كان يؤمن
بقوة بحقوق الجميع وكان بطلا وطنيا حقيقيا.
ستستمر الرحلة نحو مجتمع عادل وحكومة شفافة
وتمثيل سياسي في المملكة العربية السعودية حتى بعد وفاة حامد. سوف يُذكر بأنه مصلح
شجاع وحازم وعنيد.
بينما ما يزال العديد من زملائه في السجن،
بمن فيهم الاقتصادي محمد القحطاني، والمحامي وليد أبو الخير، وغيرهم الكثير، فإن عقوبة
السجن القاسية ووفاته في نهاية المطاف هي تذكير بمدى قدرة الحكومة السعودية على إسكات
المصلحين السلميين، خاصة أولئك الذين يتبعون طريق الحامد الشاق والخطير.

