
إيفاغيلوس فيليانتوس – (كاونتربنتش) 5/2/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
لا يرى المسؤولون الحكوميون ومنظمة الصحة العالمية أي صلة بين النظام الدولي الفاشل والفيروس القاتل. وتقتصر استجابة هؤلاء على إصدار التعليمات والمعلومات حول حجم انتشار وباء كورونا وأعراضه. لكنهم لا يقولون أي كلمة عن احتمال أن يكون هذا النوع من الأشياء -هجوم بشري المنشأ على كوكب الأرض على نحو يشبه الحرب البيولوجية- هو التفسير لظهور فيروس كورونا.
- * *
أدى فيروس مجهري غير مرئي إلى إقلاق سير الأعمال العالمية المعتادة: وهو يقتل الناس في جميع أنحاء العالم، ويرسل عددا لا يحصى من الأشخاص إلى المستشفيات، وينشر وباء الخوف. وذكرت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” في 1 آذار (مارس) 2020، أن فيروس كورونا الجديد “يرسل ارتعاشات الخوف يوميا عبر أنحاء الكوكب”.
في منطقة بمساحة ربع الولايات المتحدة، حجرت الصين على أكثر من 100 مليون من مواطنيها. وتؤثر قيود السفر على 780 مليون صيني.
الآلة البشرية
هذا التوغل غير القابل للتنبؤ به لكائن غير منظور في الآلة البشرية الهائلة يتقدم ببطء نحو العالم مواصلا مساره المميت.
إن الآلة البشرية معقدة إلى حد مفرط. وهي تتكون من الجيوش، والقنابل النووية، والتجارة الدولية، والبناء، والشراء، والبيع، والسفر، وشن الحرب، وقطع الأشجار، وحرق الأمازون، ونهب الناس بعضهم بعضا والعالم الطبيعي، والهجرة الريفية إلى المدن المكتظة، وأناس سمينين وآخرين جائعين ينامون بجانب بعضهم البعض: بعضهم ينامون في رفاهية والبعض الآخر في الشوارع. وفي الأثناء، في خضم هذه الكوارث الاجتماعية والبيئية، تنهال الامتيازات مثل المطر على المليارديرات الأثرياء وفائقي الثراء.
بطبيعة الحال، لا يرى المسؤولون الحكوميون ومنظمة الصحة العالمية أي صلة بين هذا الجحيم على الأرض، بين النظام الدولي الفاشل والفيروس القاتل. وتقتصر استجابة هؤلاء على إصدار التعليمات والمعلومات حول حجم انتشار وباء كورونا وأعراضه. لكنهم لا يقولون أي كلمة عن احتمال أن يكون هذا النوع من الأشياء -هجوما بشري المنشأ على كوكب الأرض على نحو يشبه الحرب البيولوجية- هو التفسير لظهور فيروس كورونا.
الكثير جداً من الناس
هذ الطريقة في التفكير غريبة على المجتمعات/ البلدان المستهلكة في كفاحها اليومي من أجل البقاء. والتي لديها سكان ينمون بمعدلات خارج الحدود. في العام 1800، كان كوكبنا يؤوي نحو مليار شخص. وفي العام 2019، كان عدد سكان العالم 7.7 مليار نسمة. وتستمر أعداد الناس في الارتفاع، بل وتتضاعف كل بضعة عقود. وهذا يضمن التوترات الطبقية، واستغلال الأقوياء للضعفاء، وافقار العالم الطبيعي ونشوء الموجات الدائمة من المهاجرين واللاجئين الذين يسعون إلى حياة أفضل.
ينمو سكان الدول المدارية في الجنوب بوتيرة أسرع من سكان الشمال؛ بعضهم تنفجر أعدادهم داخلياً ويتدفقون عبر الحدود. وتجعل الحرب، كما هو الحال في سورية، وارتفاع درجات حرارة الكوكب، مثل هذه الحركة السكانية حتمية، ومأساوية، وخطيرة.
فوضى المناخ
في الوقت نفسه، تتعرض آلة العالم لتهديد مناخ يصبح مختلفا وأكثر خطورة. ويجيء هذا نتيجة لامبالاة استمرت لعقود، خاصة من جانب البلدان الشمالية التي كانت مسؤولة عن معظم تلوث كوكب الأرض لأكثر من قرن. ومع ذلك، تتجاهل هذه البلدان قيام الشركات والدولة بإبادة الغابات وتخريب الأراضي والبحار. وتشمل أنواع الوقود الأساسية التي تقف وراء هذه الهجمات البترول، والغاز الطبيعي والفحم.
ظل علماء المناخ يخبرون “صانعي السياسة” في جميع أنحاء العالم بأن حرق الوقود الأحفوري هو أمر سيئ؛ وبأنه ينطوي على احتمال انتهاء الحياة؛ وبأنه شأن بغيض أخلاقيا ووحشي؛ وبأنه يقوض الحضارة.
ويشرح العلماء كيف أن ارتفاع درجة حرارة العالم يذوِّب الجليد على الجبال وفي البحار، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة مياه البحار والمحيطات بطريقة تجعلها تدمّر السواحل البحرية والجزر.
ويؤدي تغيّر المناخ إلى الذهاب بالزراعة إلى الأسوأ. وتصبح الزراعة المصنعة أقل إنتاجية وأكثر ضررا. ويستمر مدراء الشركات والعلماء في العبث بالهندسة الوراثية للمحاصيل. كما يستمرون في زيادة كميات المبيدات السامة والسرطانية التي يرشونها على نفس الطعام الذي يتناوله الناس.
تشكل المزارع الحيوانية مصادر رئيسية لانبعاث غازات الدفيئات. ومع ذلك، أصبحت هذه المزارع رموزاً للترف والغنى. كما أن الذبح الجماعي للحيوانات وأكلها هي شؤون شائعة وفي ازدياد. وتقوم مصانع الحيوانات الموجودة في الصين الآن بإنتاج اللحوم لمئات الملايين من سكان المدن. ولا يبشر مثل هذا الغوص في الزراعة المصنعة بالخير عندما يتعلق الأمر جهود الصين للتعرف على ثقافتها الزراعية القديمة، بل وينذر بالمزيد من السوء بشأن الحضارة الإيكولوجية برمتها.
الآن، أصبحت البحار والمحيطات الأكثر دفئا أقل ضيافة للحياة، بما في ذلك الأسماك. أضف إلى ذلك الإفراط الجائر في الصيد التجاري للأسماك، ويصبح مستقبل الأسماك التي تستكمل النظام الغذائي البشري إشكالياً وقاتماً.
يبدو تغير المناخ شأنا مجردا. لكنه ليس كذلك. إنه قوة كونية جلبتها إلى الحياة أنشطة الإبادة التي يمارسها الجنس البشري، لا سيما الزراعة المصنعة وقطع الأشجار وحرق الغابات وحرق الوقود الأحفوري. وهذا المناخ المستيقظ هو وحش عملاق يقوم بتحويل كوكب الأرض إلى مكان معاد للبشر والحياة البرية.
هشاشة الحياة
وهذه مشكلة كبيرة، لأن الأرض كانت دائماً بالنسبة لنا “الأرض الأم”: مصدر كل أشكال الحياة والحيوان والبشر والحضارة. وقد وصل البشر إلى حالة تهدد فيها الوسائل التكنولوجية وجودهم (مع أي نشر محتمل للأسلحة النووية)، أو التقويض الأبطأ لحضارتهم (مع حرق الوقود الأحفوري وممارسات الإبادة البيئية الجماعية العدوانية).
فما الذي ينبغي أن نقوله عن هذه الحقائق؟ وهل نجرؤ على ربطها بالعلم والتقدم؟
كنتُ أنتقد دائماً هذه التطورات غير الأخلاقية والتي بلا قرار على مدى عقود. ليس الأمر أننا لم نتلق تحذيرات بشأن هشاشة الحياة أو الآثار السامة للسياسات العامة الرامية إلى تحقيق الربح الخاص بدلاً من المنفعة العامة.
تحدث يوريبيدس، ذلك الشاعر العبقري من القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا، كما لو أنه يتحدث حياً ومباشرة اليوم. وهو يحثنا على عيش كل يوم مفرد بمسؤولية كما لو أن ذلك اليوم هو آخر يوم لنا. ويقول أن الموت واجب والتزام؛ أنه الثمن الذي لا بد أن ندفعه جميعًا. ولا يمكن لأي شخص على قيد الحياة اليوم أن يتحدث بثقة عن العيش أو الموت غدًا. ومهما تكن الدراسات العلمية التي قد تجريها، فإنها لا توجد طريقة للتنبؤ بالمستقبل. لا أحد يستطيع أن يؤجل أو يغير حظوظه القاتمة. إننا مجرد بشر فحسب، ولذلك فكِّر في الأفكار البشرية. انتبه لأفروديت والملذات التي تجلبها. إشرب بعض النبيذ وسوف تمتع نفسك. الحياة لأولئك الأشخاص الشعائريين وغير المسؤولين ليست حياة، وإنما كارثة.
قوة لا إنسانية
تم تشفير تلك الكارثة ونقشها على الحمض النووي لأولئك الذين يبنون القنابل النووية وما يزالون يحتفظون بها كرصاص محتمل ليستخدموه ضد أعدائهم. ويجعل التمسك بمثل هذه الأسلحة المدمرة والقادرة على الإبادة الجماعية من الممكن حدوث كل الفظائع الأخرى ضد العالم الطبيعي وضد البشر. ليس هناك ما هو أسوأ من الفناء الذي تصنعه الطاقة النووية. إنها تجعل البشرية مجمّدة أمام المعسكر اللا-إنساني للذين يمتلكون أدوات الإبادة.
الطاقة النووية قوة لا إنسانية، والتي قامت بتطبيع كل الشرور الأخرى في العالم: حرق الغابات وتقطيعها؛ تعدين الأراضي العامة من أجل البترول؛ نهب العالم الطبيعي، وتصنيع الزراعة لنبش الأرض من أجل الغذاء، وحرق الوقود الأحفوري وتجاهل عواقب تغير المناخ.
لا أدعي معرفة أصل فيروس كورونا: مصدر حالة الطوارئ الصحية العالمية الحالية. في 28 شباط (فبراير) 2020، وصف عضو الكونغرس الأميركي، آمي بيرا، رئيس اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية لآسيا والمحيط الهادئ وحظر الانتشار النووي، فيروس كورونا بأنه “تهديد سريع التطور للصحة العامة”.
لن يكون من الإفراط في التكهن القول، كما فعلت مسبقاً، أن أصل وباء الفيروس يتجذر في الآثار الضارة والمدمرة التي تركتها البشرية على العالم الطبيعي، أمنا الأرض. وينبغي لعلماء الأحياء أن يطرحوا السؤال العلمي والفلسفي عما إذا كانت الحياة البرية غير المضطربة يمكن أن تشكل مصدراً للأمراض الفتاكة. أشك في ذلك. إن الأمراض تأتي من الاضطرابات البيئية، من البرد المفرط؛ من الحرارة الزائدة؛ من الطعام السيئ؛ من عدم وجود الطعام من الأساس؛ ومن التلوث والحروب. ومع ذلك، تشير التقارير التقليدية إلى أن فيروس كورونا ظهر في كانون الأول (ديسمبر) 2019 في أسواق الحيوانات البرية في مدينة ووهان الكبيرة في الصين.
إعادة تخيل العالم
إذا كنت مصيباً في تخميني، فإن حلاً حقيقياً وليس تجميلياً للوباء سيتطلب إعادة صياغة عالمنا: حظر الأسلحة النووية ومحطات الطاقة النووية؛ فرض سيطرة صارمة على سكان العالم مثلما فعلت الصين؛ إنهاء الوقود الأحفوري واستبداله بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من أشكال الطاقة المتجددة؛ العودة إلى الزراعة الشعبية والبيئية صغيرة النطاق من دون استخدام الأسمدة والمبيدات. وبطبيعة الحال، فرض حظر عالمي على نهب العالم الطبيعي.
أعلم أن هذا حلم من غير المرجح أن يذهب بعيدا. لكنني حالم واقع في حب الخير والجمال. وأقل ما يمكنني فعله –والذي أفعله- هو قول الحقيقة للسلطة.
الآن، أعطت الأمم المتحدة وعلماء المناخ الآخرون صناع السياسة حوالي عشر سنوات للقضاء على الوقود الأحفوري.
لا شك في أن التحدي الذي تنطوي عليها إعادة اختراع هائل. ولكن، ما تزال نار بروميثيوس متقدة بيننا. فلنستخدمها لصالح البشرية جمعاء. ولنركز على استعادة الصحة البيئية والعامة. لن يكون أي شيء ممكناً من دون صحة. كتب هيروفيلوس، الطبيب اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد، في كتابه “النظام” أنه عندما تحتجب الصحة، تغيب الحكمة، ويصبح العلم غامضاً مربكاً، وتتبدد القوة، وتصبح الثروة عديمة الجدوى، والإدراك الواعي مستحيلاً.
في حالتنا، يمكن استخدام ثروات المليارديرات في جميع أنحاء العالم من أجل الخير في هذا الصراع الملحمي لإعادة بناء بيئتنا وحضارتنا المحطمة.
*vaggelos Vallianatos: مؤرخ واستراتيجي بيئي، عمل في وكالة حماية البيئة الأميركية لمدة 25 عامًا. وهو مؤلف لستة كتب، منها Poison Spring مع مكاي جيكينز.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A Pandemic of Fear

