‘);
}

التيسير في الشريعة الإسلامية

خصّ الله -تعالى- الشريعة الإسلامية بخصائص تميّزها عن غيرها من الشرائع والأنظمة، لتكون بذلك قابلةً للبقاء طيلة الزمان، فالإسلام مستمرٌّ منذ نحو أربعة عشر قرناً، وسيظلّ كذلك إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله -سبحانه- أراد له أن يكون ديناً عالمياً دائماً، ومن أهم المميزات التي تجعل الإسلام قابلاً لمواكبة حياة الإنسان، ومناسباً لكلّ عصرٍ ومكانٍ؛ رفعه للحرج، وتيسيره على المكلفين، فالشارع -سبحانه- لم يكلّف عباده بالأمور الشاقّة التي لا يقدرون عليها، بل إنّ القواعد الخمس الكبرى التي يدور حولها الفقه الإسلامي، كلّها تندرّج على أصل التيسير ورفع الحرج، فقاعدة الأمور بمقاصدها ترفع الحرج عن الناس؛ لأنّ الأعمال كلّها تحتاج إلى نيةٍ، وقاعدة اليقين لا يزول بالشك تؤدي إلى حصول الثبات في حياة الناس، ولو زال اليقين بالشكّ لما استقرّت حياتهم، وكذلك قاعدة العادة محكّمة، فهي تيسّر حياتهم وترفع عنهم الضيق، وفي إعمال قاعدة المشقّة تجلب التيسير أثرٌ كبيرٌ في تيسير حياة الناس، وأخيراً فقاعدة لا ضرر ولا ضرار ترفع الضرر الحاصل على الناس، وتوفّر لهم الحماية منه.[١][٢]

والأدلة على اعتبار مبدأ التيسير ورفع الحرج في الإسلام كثيرةً، منها ما يُؤخذ من القرآن الكريم، ومنها ما يُؤخذ من السنة النبوية، ومنها ما دلّ عليه إجماع المسلمين أيضاً، فمن القرآن الكريم الآيات الدالة على رفع التكليف عن الإنسان بما ليس في وسعه قول الله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)،[٣] ومن الأحاديث النبوية التي تدلّ على التيسير وعلى رفع الحرج، وابتعاد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- عن كلّ ما يشقّ على الأمّة، كما ورد عنه العديد من الأحاديث التي ينهى فيها عن التشدّد في الدين، وقد أخبرت السيدة عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنها- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: (ما خُيِّرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بين أمريْن قطُّ إلا أخذَ أيْسرَهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه)،[٤] كما تعدّ الرخص الشرعية جميعها دالّةً على رفع الحرج في الإسلام، ومنها جواز قصر الصلاة، وجواز جمعها، وجواز الفطر في رمضان، ونحو ذلك، كما نُقل الإجماع عن العلماء برفع الحرج عن الأمة الإسلامية، ولم يُعرف في ذلك مخالفٌ.[٢]