}
أوقات تفضل فيها العبادات
شرّف الله -تعالى-بعض الأوقات، وجعل العبادة فيها أفضل من غيرها، ومن ذلك الصيام؛ فالصيام في بعض الأشهر أفضل منه في غيرها؛ كصيام شهر رمضان والذي يُعَدّ فرضاً، والصوم في بعض الأيام أفضل منه في غيرها، كما هو الحال في صيام يوم عرفة، وغيره،[١] أمّا في ما يتعلّق بأفضل الصيام بعد رمضان، فبيانه في ما يأتي:
أفضل الصيام بعد رمضان
صيام شهر الله المُحرم
بيّن الفقهاء أفضل الصيام بعد رمضان، كما يأتي:
- الشافعية: صيام الأشهر الحُرم، وأفضلها مُحرّم، وبعد الأشهر الحُرم أفضل الصيام صيام شعبان، وباقي شهور السنة متساوية في الأفضليّة.[٢]
- الحنفية: صيام الأشهر الحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان، وأفضلها شهر مُحرّم.[٣]
- المالكية والحنابلة: صيام شهر مُحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان،[٤] ووافقهم في ذلك الحنابلة، واستدل الفقهاء على ذلك بحديث النبي -صلى الله عليه وسلّم- عندما سُئل عن أفضل الصيام بعد رمضان فقال: (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ).[٥][٦]
‘);
}
والمقصود بالأفضلية الواردة في الحديث هي أفضلية صيام شهرٍ كاملٍ؛ بدليل أن هناك أياماً يكون الصيام فيها أفضل من صيام محرَّم؛ كصيام يوم عرفة،[٧] ويتأكد الصيام في شهر مُحرّم في اليومين التاسع والعاشر الذي يُسمى عاشوراء، وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى ومن معه من فرعون وجنوده، لحديث النبي -صلى الله عليه وسلّم-: ( قدمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ فوجدَ اليَهودَ صيَّامًا فقالَ ما هذا قالوا هذا يومٌ أنجى اللَّهُ فيهِ موسى وأغرقَ فيهِ فرعونَ فصامَهُ موسى شُكرًا فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ نحنُ أحقُّ بموسى منْكم فصامَهُ وأمرَ بصيامِه).[٨][٩]
صيام الأشهر الحرم
يُعد صيام الأشهر الحُرُم من الصيام المُستحب، وهذه الأشهر هي: مُحرم، ورجب، وذو القَعدة، وذو الحِجة،[١٠] وقد استدل الحنفية على أفضلية صيامها بأكثر من حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كحديث: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)،[٥][٣] وقد ذهب المالكية إلى استحباب صوم الأشهر الحُرُم، واستدلوا بحديث ضعيف عن النبي -عليه السلام- أنه أوصى رجلاً بصيام الأشهر الحُرُم،[١١] وذهب الحنابلة إلى استحباب صيام الأشهر الحُرُم، مستدلين بنفس دليل المالكية،[١٢] وذهب الشافعية إلى سُنّية صيام الأشهر الحُرُم،[١٣] ومن الأشهر الحُرُم شهر ذي الحجة ويتأكد الصيام فيه من اليوم الأول منه إلى اليوم التاسع، وأما اليوم العاشر فيحرُم صيامه بالإجماع؛ لأنه يوم عيد وقد نهى النبي -عليه السلام- عن صيام الأعياد.[١٤]
صيام شهر شعبان
بيّن الشافعية أنّ شهر شعبان من الأشهر المُفضل صيامها، وهو من الأشهر التي كان النبي -عليه السلام- يصوم أغلب أيامها، ولم يستكمل النبي -عليه السلام- صيام شهرٍ بأكمله كنافلة سوى شعبان، ويأتي في الأفضلية بعد رمضان والأشهر الحُرُم،[١٣] وذهب الحنفية إلى الندب في صيام شهر شعبان لحديث عائشة -رضي الله عنها-: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصُومُ حتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيَامًا منه في شَعْبَانَ)،[١٥][٣] وذهب المالكية إلى الندب في صيام النصف من شعبان لمن لا يريد صيام الشهر كاملاً،[١٦] وذهب الحنابلة إلى أنّ صيام شهر شعبان أفضل من صيام شهر مُحرّم؛ لأنه كالنافلة بالنسبة للفريضة؛ فهو الأقرب إلى رمضان.[١٧]
حكم الصيام في النصف الأخير من شعبان
اختلف الفقهاء في حُكم صيام النصف من شهر شعبان وما بعده على رأيين، كما يأتي:
- الرأي الأوّل: ذهب الحنفية إلى عدم كراهة الصوم بعد النصف من شعبان، وهو من الأعمال المُباح فعلها، والأحاديث الواردة في النهي كانت على سبيل الإشفاق على من صام شعبان ورمضان من الضَعف، وقد استدل الحنفية على الإباحة بقول عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلّم- فقالت: (كانَ أحبَّ الشُّهورِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن يَصومَهُ: شعبانُ، ثمَّ يصلُهُ برمضانَ).[١٨][١٩] وذهب المالكية إلى إباحة الصوم بعد النصف من شعبان، والامتناع عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين، لحديث النبي -صلى الله عليه وسلّم-: (لا تَقَدَّمُوا رَمَضانَ بصَوْمِ يَومٍ ولا يَومَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ)،[٢٠][٢١] وذهب الحنابلة إلى جواز الصيام بعد النصف من شعبان، ويُنهى عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين؛ حتى لا يقع اللُبس أنها من شهر رمضان،[٢٢] واستدلوا بقول أُم سلمة -رضي الله عنها-: (ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صامَ شَهْرينِ مُتَتابعينِ إلَّا شَعبانَ ورمَضانَ).[٢٣][٢٤]
- الرأي الثاني: ذهب الشافعية إلى حُرمة صيام النصف الثاني من شهر شعبان الذي منه يوم الشك؛ ولا يكره لمن اعتاد صيام السنّة، أو كان من عادته صيام يوم وإفطار يوم، أو صادف ذلك الصيام يوم الإثنين أو الخميس، أو كان من الصيام الواجب كالنذر والكفارة،[٢٥] ويشترط لتحريمه عدم ثبوت نذر في ذمته؛ كأن نذر أن يصوم يوماً وكان بعد النصف من شعبان، بإستثناء إذا كان يوم الشك فلا ينعقد الصيام، ويشرع صيام من كان عليه قضاء، أو كفارة، أو واصل الصيام ما قبل النصف من شعبان بما بعده.[٢٦]
حكم الصيام في يوم الشك
اختلف الفقهاء في حكم الصيام في اليوم الثلاثين من شعبان، وضابطه على عدة أقوال، كما يأتي:[٢٧]
- الحنفية: يوم الشك هو اليوم الذي يُشك فيه هل هو من رمضان أم من شعبان، ولا يجوز صيامه إلا لنافلة، وأما إن صامه الإنسان لصيام واجب فإنه يُكره ذلك.
- المالكية: يوم الشك هو اليوم الثلاثين من شهر شعبان في حال كانت السماء غائمة ولم تثبت رؤية الهلال، ولا يجوز صيامه ليحتاط به الإنسان لرمضان، وصيامه مكروه؛ فإنه إن صامه احتياطاً لرمضان وثبت أنه رمضان لم يُجزه عن رمضان؛ لمُخالفة النيّة.
- الشافعية: يوم الشك هو اليوم الثلاثين من شهر شعبان في حالة صحو السماء، ولا يحل صيامه إن كان بغير سبب، ويجوز صيامه عن القضاء والكفارة.
- الحنابلة: يوم الشك هو اليوم الثلاثين من شهر شعبان، إذا لم يكن في السماء ما يمنع رؤية الهلال في ليلة الثلاثين ولم يرى الناس الهلال، ويُكره صيامه إن كان القصد منه الإحتياط لرمضان.
المراجع
- ↑“أفضل الصيام صيام داود عليه السلام”، إسلام ويب، 20-3-2002 ، اطّلع عليه بتاريخ 1-4-2020. بتصرّف.
- ↑ سَعيد بن محمد بَاعَليّ بَاعِشن الدَّوْعَنِيُّ (2004 )، شَرح المُقَدّمَة الحضرمية (الطبعة الأولى)، جدة: دار المنهاج للنشر والتوزيع، صفحة 585، جزء 1. بتصرّف.
- ^أبت الحاجة نجاح الحلبي، فقه العبادات على المذهب الحنفي، صفحة 137. بتصرّف.
- ↑محمد بن أحمد ميارة المالكي (2008)، الدر الثمين والمورد المعين (شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين) ، القاهرة: دار الحديث، صفحة 454. بتصرّف.
- ^أبرواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 1163، صحيح .
- ↑علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المَرْداوي ( 1995)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (الطبعة الأولى)، القاهرة: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، صفحة 527، جزء 7. بتصرّف.
- ↑منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى، كشاف القناع عن متن الإقناع، : دار الكتب العلمية ، صفحة 338، جزء 2. بتصرّف.
- ↑رواه الألباني ، في صحيح ابن ماجه، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 1419، صحيح .
- ↑محمد بن محمد المختار الشنقيطي، شرح زاد المستقنع، صفحة 7، جزء 107. بتصرّف.
- ↑محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري، أبو عبد الله المواق المالكي (1994)، التاج والإكليل لمختصر خليل (الطبعة الأولى)، : دار الكتب العلمية، صفحة 319، جزء 3. بتصرّف.
- ↑أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير المهدوي (2007 )، التنبيه على مبادئ التوجيه – قسم العبادات (الطبعة الأولى)، بيروت – لبنان : دار ابن حزم، صفحة 761، جزء 2. بتصرّف.
- ↑محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى، كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي (الطبعة الأولى)، : مؤسسة الرسالة ، صفحة 99-100، جزء 5. بتصرّف.
- ^أب أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس (2000)، المنهاج القويم (الطبعة الأولى)، : دار الكتب العلمية، صفحة 264. بتصرّف.
- ↑محمد بن محمد المختار الشنقيطي، شرح زاد المستقنع، صفحة 8، جزء 107. بتصرّف.
- ↑رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1969 ، صحيح.
- ↑أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، بلغة السالك لأقرب المسالك المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير (الشرح الصغير هو شرح الشيخ الدردير لكتابه المسمى أقرب المسالك لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ) ، : دار المعارف، صفحة 692، جزء 1. بتصرّف.
- ↑علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد المَرْداوي (1995 )، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (المطبوع مع المقنع والشرح الكبير) (الطبعة الأولى)، القاهرة – جمهورية مصر العربية: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، صفحة 528، جزء 7. بتصرّف.
- ↑رواه الألباني ، في صحيح أبي داود، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 2431 ، صحيح.
- ↑ جمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى زكريا الأنصاري، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، سوريا: دار القلم، صفحة 407، جزء 1. بتصرّف.
- ↑رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة ، الصفحة أو الرقم: 1082، صحيح.
- ↑محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله (1989)، منح الجليل شرح مختصر خليل، بيروت: دار الفكر، صفحة 117، جزء 2. بتصرّف.
- ↑تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية ( 1996)، كتاب الصيام من شرح العمدة (الطبعة الأولى)، : دار الأنصاري، صفحة 649، جزء 2. بتصرّف.
- ↑رواه العيني، في نخب الافكار، عن أم سلمة، الصفحة أو الرقم: 8/452، إسناده صحيح.
- ↑ محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الشهير بابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، القاهرة: دار الحديث، صفحة 74، جزء 2.
- ↑ وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرَّابعة )، سوريَّة – دمشق : دار الفكر، صفحة 1635، جزء 3. بتصرّف.
- ↑سَعيد بن محمد الشافعي ( 2004)، شَرح المُقَدّمَة الحضرمية (الطبعة الأولى)، جدة : دار المنهاج للنشر والتوزيع، صفحة 556-557، جزء 1. بتصرّف.
- ↑وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 314-315، جزء 45. بتصرّف.
