نادية سعد الدين

عمان – لم يخرج قرار السلطة الفلسطينية الأخير بوقف استيراد المنتجات الإسرائيلية عن كونه “رد فعل، وليس جزءا من خطة وطنية غائبة حاليا لمناهضة ما يسمى “صفقة القرن” الأميركية”، وفق مراقبين، الذين استبعدوا إقدام السلطة على خطوة الإنفكاك من الإتفاقيات المبرمة مع الاحتلال أو التحلل من اتفاق “أوسلو”.
ويرتبط قرار حظر إدخال المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الفلسطينية بالإحتجاج أساسا ضد استيلاء الحكومة الإسرائيلية على الأموال الفلسطينية ومن ثم الرد على قرار إسرائيلي مشابه طبقا لقاعدة التعامل بالمثل، إلا أن السلطة الوطنية تدرجه كفاتحة لإنهاء اتفاقياتها مع الاحتلال، تماثلا مع إجراء وقف التنسيق الأمني معه، الذي لم تُنفذه بعد، بما “لا يجعل تحركها جادا لمغادرة “أوسلو” نهائيا وبلا رجعة”، بحسبهم.
ويصيب القرار الفلسطيني الرسمي اتفاق باريس الاقتصادي (لعام 1994)، والذي “أفصحت السلطة الوطنية أكثر من مرة عن إلغائه، نتيجة خرق سلطات الاحتلال لأوسلو اختراقا جوهريا زهاء 160 مرة، كما أعلنت السلطة ذلك رسميا، ولكنها لم تقدم على تلك الخطوة حتى الآن”، وفق خبير القانون الدولي، الدكتور أنيس قاسم، في حديثه لـ”الغد”.
ولطالما اتخذت السلطة الوطنية قرارات مشابهة بوقف التنسيق الأمني واللجوء للمحكمة الجنائية الدولية، ولكنها لن تنفذ أيا منها، مما أشاع تصورا دوليا بأن التهديد لن يتجاوز عند السلطة مربع التلويح به فقط، في وقت اتسع فيه نطاق التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية التابعة لها مع سلطات الاحتلال.
وبدلا من اتخاذ السلطة قرارا فعليا بهذا الاتجاه ردا على منع سلطات الاحتلال تصدير المنتجات الزراعية الفلسطينية، فقد اعتبرته خرقا لاتفاق باريس، منوهة، على لسان وزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني، خالد العسيلي، للجوء إلى خيارات دبلوماسية وقانونية للتعامل معه، ومنها التواصل مع دبلوماسيين موجودين في الأراضي المحتلة حتى تتدخل حكوماتهم لجهة الضغط على الاحتلال للتراجع عن قراره.
ولا يؤشر ذلك على سياسة الإنفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث بلغت قيمة الصادرات الزراعية الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلي 88 مليون دولار العام 2018، بما نسبته 68 % من حجم الصادرات الزراعية الفلسطينية للعالم البالغة 130 مليون دولار، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين فلسطين ودول العالم حوالي 7.694 مليارات دولار في نفس العام.
ووفقا لبيانات سلطة النقد الفلسطينية، فإن سلطات الاحتلال تضخ سنويا ما يزيد على 7 مليار دولار في الاقتصاد الفلسطيني، وبذلك تستفيد من وجود سوق إضافي خارج كيانها المحتل يمكنها من استخدام أدوات السياسة النقدية بمرونة عالية.
من جانبه، قال قاسم إن “السلطة الفلسطينية لا تستطيع الانفكاك عن الاتفاقيات مع الاحتلال، وإنما يعد تعاطيها مع هذا الموضوع عبثا، حيث لم تتخذ قرارا صريحا ومباشرا للخروج من أوسلو كرد حاسم على الخطة الأميركية للسلام”.
وأضاف، في حديثه لـ”الغد”، أن “السلطة غير جادة على اتخاذ قرار بهذا الاتجاه، إذ لم تصدر إجراء واحدا يبدو عليه الجدية لمقارعة “صفقة القرن”، التي تعد الفصل الثاني المتعلق بالأرض من المخطط الإسرائيلي الأميركي لتصفية القضية الفلسطينية، بعدما كان “أوسلو” فصلها الأول الخاص بقضيتي القدس واللاجئين الفلسطينيين”.
ولفت إلى “غياب خطة وطنية فلسطينية شمولية لمجابهة “صفقة القرن” أو الاستعداد بإجراءات مضادة لمضامينها الخطيرة المحدقة بالشعب الفلسطيني، بينما لا تزال السلطة متمسكة بالشرعية الدولية بالرغم من تحلل الاحتلال منها منذ زمن بعيد”.
ودعا قاسم إلى “وضع خطة استراتيجية موحدة تأخذ بناصية تشكيل هيئة أركان زراعية لحماية المزارعين الفلسطينيين وتنشيط الزراعة الوطنية، وأخرى مماثلة لحماية القرى والمدن الفلسطينية في وجه عدوان الاحتلال، توازيا مع تأسيس قوة دفاع ذاتية وحملة دولية واسعة لفضح مخاطر “صفقة القرن”، نظير وجود ساحات دولية مفتوحة وخصبة للتحرك الفلسطيني المضاد للخطة ألأميركية”.
واعتبر أن “وسائل المقاومة الفلسطينية السلمية متنوعة، ما يستدعي إعادة تجهيز هيكلة الإدارة الفلسطينية ونظامها”، لمواجهة الخطة التي أعلنها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 28 من الشهر الماضي والمعروفة باسم “صفقة القرن”.
وبعيدا عن ذلك؛ فإن الحكومة الفلسطينية تحاول إيجاد بدائل للمنتجات الإسرائيلية لتعزيز المنتجات الوطنية، في سياق الرؤية الاستراتيجية، بحسبها، للانفكاك التدريجي عن الاحتلال، طبقا لما أعلنه الرئيس محمود عباس مؤخرا وحدده للحكومة في كتاب التكليف.
وسبق وأن أعلنت الحكومة الفلسطينية أنها بصدد إلغاء التعامل بعملة الشيكل الإسرائيلي والاتجاه نحو إصدار عملة رقمية مشفرة، لتجاوز العراقيل الإسرائيلية، ولكي لا تخضع للابتزاز والمماطلة، وهو ما كان المجلسان الوطني والمركزي الفلسطيننيان قد أكدا عليه في اجتماعاتهما المتوالية منذ العام 2015، دونما نفاذ.
ومع ذلك؛ فثمة شكوك في نجاح السلطة الفلسطينية بإلغاء التعامل بالشيكل الإسرائيلي من الناحية الاقتصادية، في ظل تحكم الاحتلال بزهاء 85 % من حجم الصادرات والواردات الفلسطينية، بحيث لا يتعدى التلويح به مجرد رسالة سياسية من السلطة للاحتلال بامتلاكها أوراق ضغط قوية.
وإلى جانب سيطرة الاحتلال على مسألة قيامه بجباية أموال المقاصة وتحويلها شهريا للسلطة، عدا ضعف سوق الأوراق المالية الفلسطيني، بحسب الرأي الاقتصادي، فإن اتفاق باريس الاقتصادي الموقع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي العام 1994 يُقيد الطرف الفلسطيني من إصدار أي عملات ورقية، وإلزامه بتداول الشيكل الإسرائيلي كعملة رسمية، إضافة إلى الدولار الأميركي والدينار الأردني.
وبالرغم من رضا حركة “حماس” وغيرها من الفصائل الفلسطينية عن قرارات السلطة بوقف العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال، إلا أن ثمة شكوك بمدى قدرتها على تنفيذ ذلك فعليا.
فقد أكدت الحركة أن قرار الرئيس عباس خطوة في “الإتجاه الصحيح”، ولكنها دعت إلى إجراءات عملية حقيقية عاجلة تترجم هذه القرارات إلى أفعال، وفي إطار برنامج عملي”.
وطالبت بالبدء “بإعلان فوري عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين كافة”.
وشددت على “دعوة الإطار القيادي المؤقت لتدارس سبل تنسيق العمل المشترك، وتبني استراتيجية ترتكز إلى خيار المقاومة لمواجهة “صفقة القرن”، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ويلات، وحمايته من الإجرام الصهيوني المتواصل”.
وكان المجلس المركزي الفلسطيني قرر، نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2018، إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية كافة، تجاه اتفاقاتها مع الاحتلال”، و”تعليق الاعتراف بالكيان الإسرائيلي إلى حين اعترافه بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران (يونيو) العام 1967، وعاصمتها القدس المحتلة”.