عواصم – دعا الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش امس الى وقف “فوري” للمعارك في شمال غرب سورية مبديا “قلقه البالغ” للتصعيد العسكري، بحسب المتحدث باسمه.
وتواصل قوات النظام السوري مدعومة بسلاح الجو الروسي، منذ كانون الاول(ديسمبر) 2019، حملتها العسكرية في محافظة ادلب التي ما تزال مجموعات مسلحة واخرى متطرفة تسيطر على أكثر من نصف مساحتها.
ووصلت القوات الحكومية امس الى مشارف بلدة سراقب من جهة الجنوب، بعد تراجعها ليلا بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.
وجاء في بيان لستيفان دوجاريك المتحدث باسم الامين العام ان غوتيريش يجدد التأكيد ان “الهجمات التي تستهدف مدنيين وبنى تحتية مدنية (..) غير مقبولة”.
وأضاف “ان العمليات العسكرية التي تقوم بها الاطراف كافة، بما فيها عمليات ضد مجموعات توصف بالإرهابية ومن جانبها، يجب ان تحترم القواعد الملزمة للحق الانساني الدولي، بما فيها حماية المدنيين والمنشآت المدنية”.
وتابع المتحدث ان الامين العام يعبر عن “قلقه البالغ للتصعيد العسكري القائم في شمال غرب سورية ويدعو الى وقف فوري للمعارك”.
في سياق متصل، يودّع وائل شيخ خالد بحزن شديد حارته الغارقة في الدمار، قبل أن يستعدّ لمغادرة مدينته، التي باتت شبه خالية مع اقتراب قوات النظام السوري منها.
ويقول الرجل (38 عاماً) لوكالة فرانس برس بينما ينفث دخان سيجارته عالياً وهو يجلس فوق الركام “عدت لآخذ بعض الأغراض وأرى حارتي لآخر مرة، لأنني ربما قد لا أتمكن من رؤيتها مجددا” بعدما نزح مع زوجته وأطفالهما الأربعة قبل عشرة أيام.
ويضيف بحسرة “ليتني لم أعد وأراها بهذه الحال، إنه لمشهد يفطر القلب”.
على غرار بلدات وقرى عدّة في محيطها، فرغت مدينة سراقب من سكانها على وقع تقدم قوات النظام في ريف إدلب الجنوبي وسيطرتها منتصف الأسبوع على مدينة معرة النعمان، ثاني كبرى مدن إدلب، في إطار تصعيد مستمر في المنطقة. وباتت قوات النظام السبت على بعد نحو خمسة كيلومترات من سراقب، بعد تراجعها ليلاً إثر معارك عنيفة ضد الفصائل المقاتلة.
وبدت شوارع المدينة الجمعة مقفرة، أبنية متصدّعة وأخرى مدمّرة بالكامل جراء الغارات، كما هو المشهد في العديد من المدن التي طالها التصعيد في محافظة إدلب ومحيطها، حيث يقيم ثلاثة ملايين نسمة. وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على أكثر من نصف مساحة إدلب، حيث تتواجد فصائل أخرى معارضة أقل نفوذاً.
في سوق مقفر، إلا من حيوانات شاردة تجوب بعض الأزقة، تبدو صناديق الفواكه والخضار فارغة بينما الواجهات مقفلة. ولا يبدد الصمت الذي يسود إلا دوي نوافذ وأبواب تصفقها الرياح بين حين وآخر.
وقبل أن يهمّ بمغادرة المكان الذي نشأ فيه، يقول وائل “هذه حارتي، أعرفها بالشبر. تدمّرت ولم يبق شيء منها” ثم يضيف “إنها مأساة حقيقة ونحن المدنيون ندفع الثمن ولا أحد يشعر بنا”.
على وقع التصعيد العسكري لقوات النظام بدعم روسي، أحصت الأمم المتحدة نزوح 388 ألف شخص منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر خصوصاً من معرة النعمان وريفها باتجاه مناطق أكثر أمناً في شمال إدلب قريبة من الحدود التركية.
وحذرت الأمم المتحدة ومنظمات انسانية أخرى مراراً من كارثة انسانية في حال استمرار المعارك. وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجمعة إن “الوضع في شمال غرب سورية بات لا يطاق بالنسبة إلى المدنيين”.
قبل أشهر، شكلت سراقب ملجأ لعائلات نازحة من بلدات طالها التصعيد، وتجاوز عدد سكانها 110 آلاف نسمة وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، قبل أن تتحوّل اليوم مدينة خالية.
وتعبيراً عن مأساة النزوح هذه، رسم عزيز الأسمر، وهو رسام غرافيتي من بلدة بنّش القريبة، على أحد جدران سراقب الخميس قلباً طلاه باللون الأحمر، وقربه سيدة مع طفلين، يلوح أحدهما بيده بينما تمسك الطفلة بلعبتها. وذيّل اللوحة بتعليق “أخذت قلبي معي وجذوره في سراقب”.
يصرّ المتطوع في الخوذ البيضاء (الدفاع المدني في مناطق سيطرة الفصائل) عبدو بكري على مساعدة الرسام في اتمام جداريته. ويوضح أنه “لا يمكن لبشري أن يصف شعورك وأنت تترك بلدك وأهلك وناسك”. وبينما يبدي ثقته المطلقة من أنه “لا يمكن للباطل أن ينتصر”، يقول عبدو بتأثر “كفانا عتمة، لقد حرقوا أنفاسنا واستخدموا كل الصواريخ والأسلحة، كل أنواع القوة حتى وصلوا” إلى محيط المدينة.
وبعد أن يُجهش بالبكاء، متكئاً على دراجته النارية التي حمّل خزانة بلاستيكية عليها فيها ثياب أطفاله، يغادر عبدو المدينة تحت زخات مطر خفيفة.
في أحد أزقة المدينة، انهمك رجل في الخمسينيات من عمره في التحدث إلى أقربائه مباشرة عبر خدمة الفيديو على هاتفه النقّال. وبينما كان يظهر لهم الأبنية والشوارع، ارتفع صوته وهو يشرح لهم قائلاً “أنظروا سراقب ما تزال معنا. أنا فيها وأجول في شوارعها”.-(ا ف ب)