
نادية سعد الدين
عمان- تتخذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي من البعد التعليمي في القدس المحتلة منفذا للتغلغل ضمن مفاصل المجتمع المقدسي المقاوم، عبر خلخلة النظام التعليمي ومنع مساعي تحسينه ومحاولة “كي” الوعي الجمعي بالتجهيل والإغراق في أتون الوضع الاقتصادي غير المحمود، بهدف تنفيذ مخطط عزل المدينة عن بقية أراضي الضفة الغربية، توطئة لتهويدها وطمس هويتها العربية الإسلامية.
وتسببت سياسة الاحتلال بتشتيت نحو 90 ألف طالب وطالبة بالقدس المحتلة بين تعدد مرجعيات المناهج الدراسية وتنوع المصادر التمويلية، نظير رفض تدريس المناهج الإسرائيلية، عدا توزعهم ضمن 220 مدرسة تخضع لإشراف إداري من خمس جهات فلسطينية وإسرائيلية.
وتعاني المنظومة التعليمية في القدس المحتلة من جملة تحديات بنيوية نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية المتواترة التي أقعدت نحو 10 آلاف طالب مقدسي عن الدراسة، وأنهت مسار التعليم الثانوي لنحو 40 % منهم للالتحاق مبكراً بسوق العمل إزاء الوضع الاقتصادي الخانق، الذي أوجد نحو 95 ألف طفل مقدسي تحت خط الفقر.
فيما طرد جدار الفصل العنصري الإسرائيلي 20 ألف طالب مقدسي، مع زهاء 90 ألف فلسطيني، خارج مدينتهم المحتلة، ضمن سياق مخطط الاحتلال “لأسرلة” التعليم في القدس، سبيلاً لعرقلة النهوض الفلسطيني التعليمي ومنع تحقيق النمو الاقتصادي والاستقلالية، لضمان الإبقاء على حالة التبعية الفلسطينية الدائمة له.
وتصيب الأزمات الحادة التي يخلقها الاحتلال مواطن تكامل النسيج المقدسي الداخلي وقدرة السلطة الفلسطينية على التغلغل بخدماتها وسلطتها في مفاصل المجتمع، حتى وإن أُجبرت السلطة الإسرائيلية، تحت وطأة تكلفة المقاومة، على منح المجتمع المحتل حكماً ذاتياً معني بالشؤون المدنية للسكان خلا السيادة، وذلك لتقويض السعي أو المطالبة بكيان سياسي فلسطيني مستقل.
ويسعى الاحتلال إلى “رسم” مصير القدس بسياسة “استباقية” بديلة عن “الوضع النهائي” وليس حلاً يدرج في إطار تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي، بصفته أحد مخرجاته التفاوضية التي من المفترض أن تقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
التعليم: مدخل الاحتلال لتهويد القدس
لم تستكن مساعي الاحتلال في خلق وقائع مغايرة في القدس المحتلة لتهويدها وطمس هويتها الفلسطينية العربية والإسلامية، وإحداث تغيير فادح في معالمها؛ إزاء تطويق 15 مستوطنة ضخمة، تضم زهاء 200 ألف مستوطن، للمدن والقرى والبلدات العربية فيها، عبر امتدادها على ثلث مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها منذ العام 1967.
وأقدم الاحتلال على تقطيع أوصال أحياء المدينة بثمانية بؤر استيطانية؛ تضم ألفي مستوطن بين منازل المواطنين المقدسيين، و”مزاحمة” حوالي 4 آلاف مستوطن يهودي، ضمن أربع كتل استيطانية و56 وحدة استيطانية، لنحو 33 ألف مواطن فلسطيني داخل البلدة القديمة، التي لا تتجاوز مساحتها كيلو متر مربع واحد، عدا التفاف الجدار العنصري حول القدس بطول 142 كم، مسنوداً بنحو 12 حاجزاً عسكرياً لتعقيد حياة المقدسيين وفصلهم عن نسيجهم المجتمعي الفلسطيني .
وتفيد معطيات منظمة التحرير الفلسطينية بأن “محافظة القدس ستفقد 90 % من أراضيها في حال استكمال بناء الجدار العنصري، فضلاً عن عزل 617 موقعاً مقدساً وأثراً حضارياً عن محيطها العربي والإسلامي، متسبباً في عزل 18 قرية وبلدة فلسطينية عن المدينة المحتلة، وطرد أكثر من 100 ألف مواطن مقدسي خارج الجدار، مهددين بسحب هوياتهم ومحرومين من الوصول إلى مدينتهم وأماكن عملهم ودراستهم.
وبفعل تطبيق قانون ما يسمى “أملاك الغائبين” العنصري على مالكي العقارات في القدس المحتلة؛ والذي يعني أن كل فلسطيني يملك أرضاً في المدينة، ولكنه يسكن في أراضي الضفة الغربية أو الأردن، أو خارج الوطن المحتل، فإنها تؤول إلى “الحارس”، فإن الاحتلال يسعى لاستلاب 13 % المتبقية من مساحة القدس المحتلة التي بيد الفلسطينيين اليوم، ومصادرتها لأغراض المستوطنين، وذلك بعدما استولى على 87 % من مساحتها”، وفق قول مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات في بيت الشرق بالقدس المحتلة، خليل التفكجي، لـ”الغد”.
ويستهدف الاحتلال “تفريغ القدس المحتلة من مواطنيها المقدسيين وإحلال المستوطنين مكانهم، وخلق واقع سياسي اجتماعي اقتصادي ديمغرافي جديد لا يتجاوز فيه عدد المواطنين الفلسطينيين العرب عن 12 % فقط، بينما يصل عددهم، حسب الأرقام الفلسطينية، إلى حوالي 404,165 فرداً في محافظة القدس، مقابل مليون مستوطن يهودي في القدس المحتلة، بجانبيها الغربي والشرقي معاً”، بحسب التفكجي.
وتشكل العملية التعليمية إحدى المعاول الإسرائيلية المعتبرة لطمس الهوية العربية الإسلامية في القدس المحتلة، وضرب الهدف الوطني الفلسطيني في التحرير وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
المنظومة التعليمية في القدس المحتلة
تأثر القطاع التعليمي بالمفاصل التاريخية الحاسمة للقضية الفلسطينية؛ حيث أتبع الطلبة الفلسطينيون في شرقي القدس، عقب العدوان الإسرائيلي العام 1948، للنظام التعليمي الأردني، فأنشئت عدة مدارس، بلغ عددها 82 مدرسة، 29 منها حكومية و44 خاصة و9 تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الاونرو”، عملت تحت الرقابة المباشرة لوزارة التربية والتعليم الأردنية وفق قانون التعليم الأردني لعام 1964 الذي حدد المراحل التعليمية، معتبراً التعليم الإلزامي أساسياً مجانياً، مغطياً التعليم الابتدائي (من الصف الأول حتى السادس)، والتعليم الإعدادي (من الصف السابع حتى التاسع)، فيما لم يعتبر المرحلة الثانوية (الصف العاشر- الثاني عشر) فترة إلزامية.
بيد أن الاحتلال بادر إبان عدوانه في العام 1967 واستيلائه على بقية أراضي الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، إلى إلغاء العمل بقانون التعليم الأردني ووضع التعليم الإبتدائي تحت رقابة وزارة المعارف الإسرائيلية، والتعليم الثانوي تحت رقابة ما يسمى بلدية الاحتلال في القدس، وإغلاق مكتب التعليم في محافظة القدس، واعتقال العديد من مسؤوليه، مقابل السماح للمدارس الخاصة، المحلية والأجنبية، بإدارة شؤونها، شريطة خضوعها لضغوطه، لاسيما المتعلقة بالمناهج الدراسية.
تزامن ذلك مع مساعي تطبيق المنهاج الإسرائيلي، الذي تم فرضه في مدارس شرقي القدس الثانوية الخاضعة لسيطرته، بهدف طمس الشعور الوطني والقيم العربية الفلسطينية الأصيلة، مصحوبة بإجراءات عقابية، مثل إغلاق المدارس والطرد والاعتقال، ضد مقاومة الفلسطينيين لإحباط محاولات تهويد التعليم، تحت مظلة لجنة المدارس الخاصة، المؤلفة من مدارس الأوقاف وتلك التابعة للجمعيات والكنائس والمدارس الخاصة الأهلية والأجنبية، التي واصلت تدريس المنهاج الأردني، ولعبت دور المرجعية التعليمية عبر ارتباطها بدائرة شؤون الأرض المحتلة في الأردن.
كما امتنع الفلسطينيون عن إرسال أطفالهم إلى المدارس الحكومية مقابل إلحاقهم بالمدارس الخاصة حيث كان المنهاج الأردني ما يزال معمولاً به، ما أدى إلى انخفاض عدد طلبة المدارس الرسمية التابعة لسلطات الاحتلال، مقابل إكتظاظ المدارس الخاصة بالطلبة وازدهار فكرة إيجاد مدارس بديلة للعرب، والتي تبنتها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وبدأت تنفيذها سنة 1968/1969 بدعم من الحكومة الأردنية التي استمرت بدفع رواتب المدرسين الذين عملوا معها قبل الاحتلال، بينما غطت جمعية المقاصد رواتب المدرسين الجدد.
وفي ظل مقاومة أهالي القدس لتطبيق المنهاج الإسرائيلي، تم اعتماد ما عرف بـ”المنهاج الموحد”، الذي أضاف إلى المنهاج الإسرائيلي المطبق في المدارس الإسرائيلية، أجزاء من المنهاج الأردني في المدارس الثانوية، إلا أنه تسبب في تنامي الضغوط على الطلبة وزيادة عدد الساعات الصفية الأسبوعية، مما أثر سلباً على تحصيلهم العلمي، واستمرار انخفاض الانتساب للمدارس الحكومية.
وقد أعيد تطبيق المنهاج الأردني في القدس على مراحل؛ الثانوي في العام 1973، الإعدادي في العام 1978، والابتدائي في العام 1981، مع تغيير بعض مضمونه، لجهة إزالة فلسطين عن الخريطة من كتب التاريخ والإنسانيات، واستخدام الأسماء العبرية للأماكن، تزامناً مع فرض تدريس مادتي اللغة العبرية و”تاريخ إسرائيل”، على المدارس.
وقد ظل المنهاج الأردني يُدرس في مدارس الأوقاف والمدارس الفلسطينية الخاصة ومدارس وكالة الغوث الدولية في القدس المحتلة، إلى حين تم إنشاء المنهاج الفلسطيني، وذلك عقب تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، العام 1994 بموجب اتفاق “أوسلو”، فتسلمت وزارة التربية والتعليم العالي، التي تغير اسمها في العام 1996 إلى وزارة التربية والتعليم بعد إنشاء وزارة مستقلة للتعليم العالي، مسؤولية التعليم بمختلف مستوياته في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجزئياً القدس، حيث استلمت مدارس الأوقاف فقط، أما المدارس الخاصة ومدارس “الأونروا” فقد تبنت الرؤية العامة الفلسطينية، رغم انتفاء ما ينص بتبعيتها القانونية للسلطة الفلسطينية.
القوانين الناظمة للتعليم في القدس المحتلة
تفتقد العملية التعليمية في القدس المحتلة إلى مرجعية موحدة؛ فمن جهة فرضت سلطات الاحتلال نفسها من خلال مدارس المعارف والبلدية وممارسة التضييق على الأخريات، ومن جهة ثانية فإن الوزارة الفلسطينية لا تدير فعلياً إلا مدارس الأوقاف، بينما تحظى بتعاون مدارس “الأونروا” مع توجهاتها، أما المدارس الأهلية والخاصة فمختلفة الانتماءات والتوجهات؛ فمنها ما يتعاون مع الوزارة الفلسطينية، ومنها ما يتمتع بدعم سلطات الاحتلال، ومنها ما يتمتع بالاستقلالية أو يتبع هيئات مختلفة.
ويحتكم النظام التعليمي في القدس إلى؛ قانون التعليم الأردني لعام 1964، سابقاً، وقانون التعليم الإسرائيلي في شرقي القدس وضواحيها التي أدرجت ضمن حدود بلدية الاحتلال، حيث صيغت أهداف التعليم الرسمية للحكومة الإسرائيلية بموجب قانون التعليم لعام 1953 الذي يستهدف تثقيف الناشئة اليهود على “قيم الإخلاص للدولة ووحدة شعب إسرائيل”، وتعميق الشعور “بعدالة صراع الشعب اليهودي العائد إلى وطنه التاريخي”، بصفته “شعب الله المختار”، مقابل محو الوجود الفلسطيني في فلسطين وتغييب المقاومة والنضال ضد الاحتلال من أجل الاستقلال.
أما المدارس التابعة للسلطة الفلسطينية، فتواجه عدة صعوبات، كونها تتبع أساساً لسلطة تحت الاحتلال، لا تملك أي سلطة فعلية داخل مدينة القدس، في ظل تضييق الاحتلال عليها وسعيه للسيطرة على القطاع التعليمي.
التحديات البنيوية للتعليم في القدس المحتلة
عمد الاحتلال، منذ العام 1967، إلى تهويد التعليم في مدارس شرقي القدس، قانونياً وإدارياً وعملياً، من خلال؛ إلغاء منظومة القوانين الأردنية الحاكمة للتربية والتعليم، ووضع المدارس الحكومية الابتدائية والإعدادية تحت سيطرة وزارة المعارف الاسرائيلية، وإغلاق مكتب التربية والتعليم لمحافظة القدس، وإخضاع المدارس الأهلية والخاصة لقانون العام 1968 الذي يخوله بسط نفوذه وإشرافه عليها وإلحاق المدارس العربية إدارياً ومنهجياً بأجهزة وزارة المعارف الإسرائيلية.
فيما اصدر الاحتلال أمراً عسكرياً العام 1980 يمنح الحاكم العسكري صلاحيات واسعة في جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك بهدف طمس الهوية العربية الفلسطينية وإحكام السيطرة الكاملة على القدس وقطع صلتها بالمحيط الفلسطيني.
وشملت السيطرة الإسرائيلية عناصر التدخل في مناهج التعليم بالمدارس العربية وحذف أية إشارة معادية للحركة الصهيونية، ومنع تداول الكتب التي تتحدث عن الفكر الإسلامي والمجتمع العربي في فلسطين، وإغلاق المدارس والجامعات واستخدام القوة العسكرية العاتية لقمع معارضة الطلبة الفلسطينيين.
ويستقيم ذلك مع غياب المرجعية الموحدة؛ إذ يشكل تعدد المرجعيات المشرفة على التعليم في القدس إحدى أبرز المشاكل التي تواجه القطاع التعليمي؛ وفق منظمة التحرير، وذلك في ظل وجود 49 مدرسة تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، حيث تتبع إدارياً وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ولكنها تعمل تحت مظلة وزارة الأوقاف الأردنية، وتضم نحو 12،160 طالب وطالبة.
فيما تضم المدارس الخاصة، التي تتبع إدارياً الكنائس والجمعيات الخيرية والأفراد، حوالي 27،776 طالب وطالبة ضمن 76 مدرسة، مقابل “حوالي 2400 طالب وطالبة يتلقون تعليمهم في ست مدارس تابعة للأونروا في شرقي القدس المحتلة، إضافة إلى 236 طالباً يدرسون في معهد التدريب المهني التابع لها والواقع ضمن حدود بلدية القدس”، وفق الأونروا.
بيد أن الإشكالية الكبرى تقع في مساعي الاحتلال الدؤوبة لإستيعاب غالبية الطلبة داخل المدارس التابعة للبلدية والمعارف الإسرائيلية، التي تضم نحو 39،141 طالب وطالبة ضمن 70 مدرسة، أمام محاولته لإحلال مناهجه المحتلة مكان المنهاج التعليمي الفلسطيني، بهدف طمس الهوية الوطنية وضرب الانتماء العربي الإسلامي .
وتقود تلك الإشكالية، بطبيعة الحال، إلى غياب الرؤية الفلسفية أو الاستراتيجية التربوية الموحدة التي يجب تبنيها في المدارس لصالح فتح المجال واسعاً أمام الاحتلال للتدخل في تربية النشئ وتوجيهه في خدمة مصالحه وأهدافه التهويدية.
إذ يخوض الكادر التعليمي في القدس المحتلة معركة شرسة ضد سلطات الاحتلال لمنع المضي قدماً في مخططها التهويدي الخطير بفرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي، لاسيما بعدما تمكنت من تطبيقه في 6 مدارس تابعة لها، بينما تسعى من خلال تقديم المساعدات المالية للمدارس الخاصة إلى التغلغل في جوهر الفلسفة التعليمية وإدخال مفاهيمها العنصرية بين ثنايا المناهج نفسها.
وتضغط سلطات الاحتلال لجهة تحريف المناهج الفلسطينية بإلغاء كل ماله علاقة بقضايا “النكبة” و”النكسة” والمجازر والانتهاكات الإسرائيلية، لصالح فرض مزاعم الرواية الإسرائيلية في فلسطين المحتلة.
كما تقف مشكلة ضعف البنى التحتية لمدارس القدس المحتلة في واجهة الإشكاليات الحادة؛ عبر محدودية الإمكانيات اللازمة لتوفير الأبنية والأدوات المدرسية، والأبنية المستأجرة، والنقص في الغرف الصفية، حيث تعاني 41 % من مدارس شرقي القدس من النقص في الغرف الصفية، أمام الحاجة إلى 1300 منها، مما يؤثر سلباً على الأداء الدراسي للطلبة في ظل الاكتظاظ الشديد في الصفوف، وحرمان عدد كبير منهم من الالتحاق بالمدارس بسبب عدم وجود مقاعد شاغرة لهم.
فيما تعاني المدارس، باستثناء تلك التابعة لبلدية الاحتلال، من نقص في الكادر التعليمي والمتخصص في مختلف المجالات، إزاء صعوبة تنقلهم بين داخل القدس المحتلة وخارجها، في ظل وجود الجدار العنصري الذي يحد من حركة تنقل المعلمين والطلبة، وعدم منح الاحتلال التصاريح اللازمة لهم، بما يؤدي لإلغاء بعض الحصص الدراسية أو تعطيل الدوام في كثير من الأحيان.
وتلقي إشكالية ضعف الإمكانيات المادية وصعوبة الحركة نتيجة العراقيل ألإسرائيلية بظلالها السلبية على تنظيم الأنشطة الاجتماعية والسلوكية اللامنهجية، رغم أهميتها في توعية الطلبة تجاه تحديات خطيرة تعصف بأوساطهم المقدسية.
ويتصل ذلك مع إشكالية التسرب المدرسي نتيجة سياسة الاحتلال العدوانية التي تسببت في ارتفاع نسبة التسرب من المدرسة بين صفوف الطلبة المقدسيين إلى حوالي 50 %، بهدف الالتحاق المبكر في سوق العمل، عدا تشجيع تغلغل المظاهر السلبية بين صفوفهم الشابة، التي تشكل نحو 55 % من المجتمع المقدسي، مثل تعاطي الكحول والمخدرات .
ولاشك أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي يعيشها المقدسيون تحت الاحتلال تؤثر في مسار القطاع التعليمي، ما يؤدي إلى بروز ظواهر سلبية، مثل ارتفاع نسبة التسرب المدرسي وانخفاض منسوب الالتحاق ومستوى التحصيل العلمي ومغادرة الطلبة مبكراً لصفوفهم الدراسية صوب الالتحاق في سوق العمل.
فيما تسبب جدار الفصل العنصري في اضطرار 20 ألف طالب مقدسي لاجتياز الحواجز العسكرية يومياً من أجل الالتحاق بمدارسهم في الجانب الآخر من مدينتهم المحتلة، بعدما طردهم الاحتلال، مع زهاء 90 ألف فلسطيني، خارجها.
وقبل فترة ماضية كان عدد هؤلاء الطلبة مخيفاً، إلا أن سياسة الاحتلال في تعميق المتغيرات القائمة أدت إلى استيعاب نحو 12 ألفاً منهم في مدارس “المقاولات” التي بناها الاحتلال في المناطق الواقعة خارج الجدار، لإيجاد هجرة معاكسة من داخل المدينة المقدسة إلى خارجها، ولأجل تحسين صورته القبيحة أمام المجتمع الدولي وضغوط منظمات حقوق الإنسان التي شنت حملة مضادة ضده، ولكن الوقائع المفروضة على الأرض لا تخدمه كثيراً في هذا الشأن.
بينما امتدت تأثيرات الجدار العنصري والحواجز العسكرية، المتنقلة والثابتة، صوب إرباك العملية التعليمية وعرقلة مسارها، من خلال تقييد حركة وصول الطلبة والمعلمين إلى مدارسهم، وتوقيفهم واحتجازهم مدة طويلة لتفتيشهم وتعريضهم لسياستها العدوانية أو منعهم من الدخول إلى المدينة أحياناً، وبالتالي عدم انتظام الدوام أو التسرب منه .
ويزيد من ذلك؛ قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير بإقامة منطقة تعليمية متكاملة في القدس المحتلة، بكلفة تقدر بنحو 2 مليون دولار، بدءاً من مخيم شعفاط وعناتا، حتى تكون بديلة عن مدارس “الأونروا”، بهدف منع أي تواجد للوكالة في المدينة المقدسة، تمهيداً لإنهاء دوره ووجودها؛ وذلك ضمن مساعيها الدؤوبة لتهويد المدينة وطمس هويتها العربية والإسلامية وإلغاء عمل “الأونروا”، بحجة أنها تعمل على “إدامة قضية اللاجئين الفلسطينيين” وعرقلة “إتمام عملية السلام”، وفق المنظور الإسرائيلي.
