استراحات المحاربين

وسط أجواء الرعب والحزن التي فرضها فيروس “كورونا المستجد” بالمستشفيات وما تبعها من ضغط على نفسيات المرضى وكوادر القطاع الطبي وشبه الطبي بالجزائر، برزت مبادرات جميلة صنعت لحظات الفرح والتضامن وأنست هموم الإصابة وكسرت عزلتها، وهو ما رصدته “الخبر” بالمؤسسة الاستشفائية “القطار” في العاصمة، عندما احتفت فرق طبية وتمريضية وحتى إداريين بزميل معروف بكثرة نشاطه، وقبلها تم تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل لأصحاب المآزر البيضاء وهم يقيمون حفل عيد ميلاد لطفل يعاني من أعراض الوباء بأحد مستشفيات ولاية سيدي بلعباس، فضلا عن اللقاءات التي تسبق مغادرة المتعافين سرير المرض على وقع الزغاريد.
في المؤسسة الاستشفائية الهادي فليسي للأمراض المعدية في العاصمة والمعروفة بالقطار ، وحيث يتواجد عشرات مرضى “كورونا المستجد”، اجتمع أصحاب المئزر الأبيض وأحيوا عيد ميلاد زميل لهم يدعى زيان سليم الملقب بينهم بـ “محارب الكورونا” بحضور مجموعة كبيرة من كوادر القطاع الطبي بمختلف رتبهم وصفاتهم، في محاولة للتخفيف من حدة الرعب والضغط النفسي الذي يتعرضون له أثناء معركتهم مع عدو غير مرئي ينتشر بسرعة كبيرة.
وساهمت هذه المبادرة في شحذ عزيمة الزملاء أكثر مما مضى أمام التحديات الكبيرة التي يرفعها ما سمي مؤخرا بـ “الجيش الأبيض” نسبة إلى المآزر البيضاء التي يرتديها عمال القطاع وفي مقدمتهم الأطباء.
ونشر هؤلاء صورا على صفحة المؤسسة بمنصة “فايسبوك” تنقل الحدث الرمزي، لاقت تفاعل العشرات من المواطنين، الذين استحسنوا المبادرة وعلقوا بأن مؤشر على تضامن كبير بين عناصر القطاع.
وأراد هؤلاء من خلال المبادرة تشجيع الموظف الشاب، وهو على حد وصفهم عينة من جنود ينشطون في مصالح استقبال مرضى جائحة “كوفيد 19″، لدرجة أنه صار موصوفا بـ “محارب كورونا” بمعية فريق من زملائه.
وشكلت المناسبة فسحة لهؤلاء من أجل تخفيف الضغط المتراكم، ووقت مستقطع من استقبال قوافل الإصابات يوميا، والعيش بعيدا عن العائلة في مثل هذه الظروف، لكون أغلب العناصر يقيمون في فنادق خصصتها السلطات تفاديا للعدوى.
وذكر أطباء وممرضين في شهادات لهم لـ “الخبر” أن إدارة العلاج في أروقة التي يرقد فيها مرضى الفيروس التاجي تستدعي حذرا كبيرا وتركيزا أكبر، لتقديم خدمة طبية متكاملة ولتفادي انتقال العدوى،وهو ما يخلف ضغط نفسي وإرهاق كبيرين على كامل المتدخلين في العملية الاستشفائية، بمختلف صفاتهم وانتماءاتهم الوظيفية.
كعكة، أنشودة وشفاء
يحوم خطر الفيروس التاجي بالأطقم الطبية في مستشفى بولاية سيدي بلعباس، وتتشكل بسببه أجواء خوف و وحذر ورتابة ثقيلة جدا على نفسيات المرضى وكوادر القطاع الصحي، قبل أن ينكسر هذا الجدار على وقع مبادرة الاحتفال بعيد ميلاد طفل يعاني من أعراض “كوفيد19”
قام أطباء وممرضون بتجهيز تلك غرفة في المستشفى من خلال تزيينها بمختلف الملصقات والألوان استعداد لإحداث مفاجئة سارة للصغير الذي تزامن عيد ميلاده بمعاناة بالإصابة بالفيروس القاتل.
وأظهر مقطع فيديو أن المشرفين على إدارة علاج الطفل، اشتروا له كعكة الميلاد وغنوا له “عيد ميلاد سعيد .. سنة حلوة يا جميل”، متمنين له الحياة السعيدة وطول العمر، وذلك بالرغم من ضغوط العمل اليومية التي يواجهونها في مكافحة الفيروس التاجي ومتطلبات علاج المصابين الآخرين التي لا تتوقف.
وظهر الطفل المصاب فرحا بهذه اللفتة الإنسانية، وهو يتعامل مع الحلوى، ثم قدم الشكر لكل الذين شاركوه فرحته، كما استغل الفرصة لتوجيه دعوة إلى الجزائريين، و حثهم على ملازمة بيوتهم والتزام إجراءات الحجر الصحي، من أجل حماية أنفسهم من هذا الوباء.
زغاريد وتصفيقات
يمثل تعافي مريض من إصابة “كورونا المستجد”الأطباء في المؤسسة الاستشفائية محمد بوضياف بولاية غيلزان، بمثابة حياة جديدة بدأت، فلا يترددون في إطلاق زغاريد وتصفيقات بمجرد مغادرة المصابين أروقة المستشفى، ثم يعودون إلى المعترك يواجهون العدوى كل يوم.
وهو ما أظهره فيديو على منصات التواصل الاجتماعي مؤخرا، محدثا أملا في نفوس الجزائريين المثقلين بهموم المخاوف والأجواء الجنائزية التي تخيم على العائلات التي فقدت أقاربها بفعل هذا الوباء الخبيث.
وليس في الجزائر فقط انتشرت هذه المبادرات، وإنما سبقتها جمهورية إيران الإسلامية، عندما قام أطباء بالرقص في احدى الغرف الجماعية للمرضى ترفيها عليهم من قساوة العزلة والحجر الصحي، وقبل هذه الأخيرة الصين، التي لجأ المشرفين على إدارة العلاج بمستشفياتها، إلى تنظيم احتفاليات وأمسيات ترفيهية للتقليل من ضغط الحجر الصحي على المرضى.

