نادية سعد الدين

عمان- انتقلت المبادرة الفلسطينية لعقد مؤتمر دولي للسلام إلى منبر المنظمة الأممية للنقاش حولها؛ وذلك في خطوة حيوية وازنة لا تخلو من العقبات التي قد تؤجل نفاذها، على أبعد تقدير، نظير الرفض الأميركي للتخلي عن الإمساك المنفرد بملف التسوية السلمية وسط غياب استراتيجية أميركية واضحة لحل الصراع العربي- الإسرائيلي.
ويركز الفلسطينيون في حراكهم السياسي الراهن على الدفع بالمؤتمر الدولي إلى حيز التنفيذ، من أجل التفلت، إلى حد ما، من الرعاية الأميركية المنفردة لعملية السلام، إزاء انحيازها المطلق للكيان الإسرائيلي، مما قد يفتح آفاقاً أكثر رحابة وقرباً من هدف تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية وفق حدود العام 1967 وعاصمتها القدس المحتلة وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين بموجب القرار الدولي 194.
ولم تكن المبادرة الفلسطينية بالجديدة؛ والتي تستند إلى طلب الرئيس محمود عباس من أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، للدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام مطلع 2021، والذي كان قد تقدم به خلال كلمته أمام الدورة 75 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سبق وأن أكدت القيادة الفلسطينية في أكثر من مناسبة ضرورة التوجه لعقد مؤتمر دولي للسلام تحت المظلة والرعاية الأممية بهدف إحلال السلام والأمن في المنطقة.
بيد أن المطلب الفلسطيني هذه المرة وجد مساحة أممية معتبرة لطرحه؛ من خلال عقد اجتماع، مؤخراً، في نيويورك للتشاور بشأنه، ضم كتلة دول عدم الانحياز في الأمم المتحدة المكونة من 7 دول، إضافة إلى كينيا والهند اللتين ستدخلان مجلس الأمن العام المقبل، وفق مندوب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور.
وقد تم في الاجتماع التشاور في تفاصيل المبادرة الفلسطينية لعقد المؤتمر الدولي للسلام على قاعدة إشراك جميع الأطراف الدولية في رعاية المفاوضات بعيداً عن الاحتكار الأميركي.
ويندرج الاجتماع في إطار البدء بخطوات عملية للتحضير لعقد المؤتمر الدولي للسلام لحل القضية الفلسطينية برعاية الأمم المتحدة ومشاركة دولية واسعة، حيث تجري حالياً اتصالات مكثفة مع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي والأطراف الدولية لدفع الفكرة إلى حيز النفاذ مطلع العام المقبل.
وبحسب منصور؛ فإن “خيار القيادة الفلسطينية يتمثل في الإجماع الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة الداعمة لإنجاز “حل الدولتين” على الأرض، بينما لا تحظى ما يسمى “صفقة القرن” الأميركية بأي إجماع دولي”.
ورأى أن “ثمة اهتماماً دولياً متزايداً بالمبادرة الفلسطينية لعقد المؤتمر الدولي للسلام على أن يتم بحث تفاصيل الأمر خلال جلسة عامة سيعقدها مجلس الأمن حول القضية الفلسطينية نهاية الشهر الجاري”.
تحديات أميركية وإسرائيلية للرعاية الدولية
تأتي تلك الدعوة في ظل الرفض الفلسطيني القبول برعاية الإدارة الأميركية لأي مفاوضات منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نهاية عام 2017، “الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي”، ومن ثم نقل سفارة بلاده إليها، بحيث يعد المطلب الفلسطيني بديلاً للاحتكار الأميركي لعملية السلام، إزاء رفض التعامل مع الإدارة الأميركية الحالية.بيد أن الرفض الأميركي والإسرائيلي لفكرة المؤتمر الدولي للسلام، وسط حالة الضعف في المشهد العربي الإقليمي، قد يعيق من نفاذ إشراك الأطراف الدولية المعنية في عقد المؤتمر بهدف الإنخراط في عملية سلام حقيقية على أساس الشرعية الدولية والمرجعيات المحددة، بما يؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967.
وأمام تنصل إدارة الرئيس ترامب عن مواقف واشنطن التقليدية في مسار القضية الفلسطينية؛ فقد لجأت القيادة الفلسطينية إلى مسعى التسلح بالموقف الدولي الجمعي المتمسك “بحل الدولتين” كأساس لحل الصراع، عبر طرح مبادرة عقد مؤتمر دولي للسلام في ظل ظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد، وانسداد الأفق السياسي للتوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ولا يقل الرفض الإسرائيلي عنوة؛ إذ لطالما دفعت سلطات الاحتلال نحو الترحيب بالتفرد الأميركي بملف عملية السلام، مقابل تهميش الأطراف الدولية الأخرى، لاسيما الاتحاد الأوروبي الذي تقترب مواقف بعض دوله من عدالة القضية الفلسطينية، الأمر الذي شهد تحركاً إسرائيلياً لحصر الدور الأوروبي بالجانب الاقتصادي فقط من دون السياسي، مع تغييب دور الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق تبرز رؤية مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية، هاني المصري، الذي يرى أهمية عقد مؤتمر دولي، شريطة أن لا يكون منصة لبداية المفاوضات، والعودة إليها تحت رحمة الاحتلال، لافتاً إلى ضرورة عقد “مؤتمر مستمر كامل الصلاحيات، وملتزم بقرارات الأمم المتحدة، وهو أمر بعيد عن التحقيق، في ظل عقبة كسر الرعاية الأميركية”.
واعتبر أن “الوقت لا يسمح بعقد مثل هذا المؤتمر، لأن سلطات الاحتلال تفضل المفاوضات الثنائية حتى تتمكن من فرض حلها على الفلسطينيين بالاستناد إلى قوتها وتفوقها العسكري والدعم الأميركي المطلق لها، وبسبب غياب منافسة حقيقية دولية للدور الأميركي إزاء منطقة الشرق الأوسط في ظل الهيمنة الأميركية الانفرادية على المنطقة والعالم بأسره”، وفق رأيه.
وأمام ذلك؛ تقف جملة متطلبات فلسطينية أساسية نحو وضع استراتيجية وطنية موحدة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، الممتد منذ العام 2007، وتحقيق المصالحة الوطنية، وترتيب البيت الداخلي، وإعادة تفعيل منظمة التحرير، وذلك لمواجهة التحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية.ويرى المصري ضرورة “وضع رؤية وخريطة طريق، تجمع الشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده، وتصب في اتجاه واحد، وهو دحر الاحتلال، والعودة، وإنجاز الاستقلال، والمساواة”، داعياً إلى المراهنة على العامل الفلسطيني، وإقامة جبهة عالمية تجعل إمكانية تطبيق رؤية ترامب والتطبيع والضم فاشلة”.ويستقيم ذلك مع ضرورة إزالة العقبات التي منعت تحقيق اتفاقيات الوحدة الوطنية، مثل الاتفاق على البرنامج الوطني وأسس الشراكة، وغلبة المصالح الفئوية على المصالح العامة، نحو تجسيد التعددية.