
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ماندي أوكلاندر – (مجلة تايم) 27/5/2020
لطالما كره الدكتور مارك سكلانسكي المصافحة. ويمكنه التفكير في أكثر من اثنتي عشرة طريقة أفضل لتحية المرضى من هذا التبادل الرديء. ويقول سكلانسكي، رئيس قسم أمراض القلب للأطفال في مستشفى “يو. سي. أل. إيه ميتال” للأطفال: “الأيدي دافئة، وهي رطبة، ونعلم أنها تنقل المرض جيدًا. إنها ناقل هائل للأمراض”. وقد حاول أيضًا تجنب هذا النوع من التحية لأنه يعلم أن بعض المرضى لا يريدون المصافحة لأسباب دينية أو ثقافية، ولكنهم يشعرون بأنهم مضطرون إليها عندما يمد طبيبهم إليهم يداً. ومع ذلك، رواح عدم المصافحة لفترة طويلة في منطقة التفكير الهامشي. وظلت المصافحة ذلك الجزء المتأصل من العلاقة بين الطبيب والمريض لدرجة أنها تحدث 83 في المائة من الوقت، وفقًا لتحليل أجري في العام 2007 لأكثر من 100 زيارة مكتب مسجلة بالفيديو.
كان سكلانسكي ذات مرة متردداً إزاء إعلان موقف ضد هذه الإيماءة الشعبية. ويقول: “بصراحة، لم أرغب في الاعتراف بهذا لأي شخص لأطول وقت ممكن”. لكن سكلانسكي وزملاءه جادلوا، في ورقة بحثية في العام 2014، بأن المصافحة في أماكن الرعاية الصحية يمكن أن تنشر مسببات الأمراض والفيروسات، وأن العاملين في مجال الرعاية الصحية يمكن أن يساعدوا على الحفاظ على سلامة المرضى من خلال إبقاء أيديهم لأنفسهم.
وكانت الضربة الارتدادية سريعة. فسرعان ما استنكر الأطباء هذا الاقتراح، قائلين إن التخلص من المصافحة يمكن أن يقوض الرابطة الهشة مُسبقاً بين الطبيب والمريض، وإن هذه التحية لا يمكن تعويضها، وإنهم يستطيعون تدبر أمر المصافحة بالأيدي وغسلها بعد ذلك من دون نشر المرض، شكرًا جزيلاً لكم. ويقول سكلانسكي: “سخر الكثير من الناس من الفكرة. أما الآن، فالناس لا يضحكون”.
والمصافحة مجرد شكل واحد من أشكال اللمس التي تبخرت أثناء تفشي فيروس كورونا العالمي. فكذلك فعل العناق، وضرب الأكف على طريقة “كفّك”، وتصادم القبضات، والتربيت على الظهر، والشد على الكتفين، وجميع نقاط الاتصال الصغيرة التي نصنعها عندما نقف على مسافة أقل من ست أقدام من الآخرين. وبينما يخرج الأميركيون الآن من منازلهم ويقتربون من بعضهم بعضا لإعادة بناء حياتهم الاجتماعية، يراهن الخبراء على أن درجة معينة من اللمسة الاجتماعية سوف تختفي بشكل دائم، حتى بعد انتهاء الوباء. وقال الدكتور أنتوني فوشي في مقابلة في نيسان (أبريل) مع تلفزيون صحيفة “وول ستريت جورنال”: “لا أعتقد أننا يجب أن نتصافح مرة أخرى أبدًا، لأكون صادقًا معك”.
إذا كان اختفاء هذه اللمسة الاجتماعية دائماً أكثر من كونه مؤقتاً، فليس ثمة إجماعاً على ما سيحل محلها. لكن هناك شيئًا واحدًا يبدو غير متنازع عليه: أن التفاعلات الاجتماعية على وشك أن تبدأ في أن تبدو غريبة حقًا.
“مع خروجنا من الحجر الصحي والعزلة، أعتقد أننا سنرى بعض الأشخاص يريدون المصافحة وبعض الآخرين الذين لا يريدون لمسهم حتى بعصا طولها 10 أقدام”، يقول آرون سميث، المعالج النفسي والمدرِّس في مدرسة العمل الاجتماعي في كلية رينيسون الجامعية في كندا، الذي استكشف إيجابيات ومخاطر المصافحة في مقال صحفي نُشر في آذار (مارس).
ويقول سميث: “سيكون هناك الكثير من الإحراج عندما يحاول الناس تخمين كيفية تحية شخص ما، وكيفية الترحيب بشخص ما بطريقة احترافية، كيف تقابل صديق ابنتك للمرة الأولى”. ويمكن أن يؤثر هذا الغياب لليقين على تلك العلاقات. ويتوقع سميث: “سنبدأ في رؤية الكثير من أنواع الأزمات في العلاقات بين الأشخاص وفي العائلة”. إذا حاول أحد زملائك في العمل أن يمد يده ليصافحك، أو اقتربت منك والدتك من أجل عناق، وابتعدت عنهم، “ستكون هناك بعض التداعيات من حيث الديناميات العلائقية التي نراها”.
يخدم لمس المعارف والغرباء غرضًا تطوريًا. ومع أن اللغة هي الطريقة الأكثر وضوحًا التي يعزز بها البشر الروابط الاجتماعية مع بعضهم بعضا، فإن اللمس يفعل شيئًا مشابهًا أيضاً. وتقول جوليا سوفيليتو، عالِمة الأعصاب والهندسة الحيوية في جامعة ألتو، فنلندا: “نحن نعلم أن الرئيسيات غير البشرية تستخدم اللمس الاجتماعي كثيرًا من خلال الاستمالة. وكلما كبرت المجموعة، زاد الوقت الذي تقضيه فيه. إنه طريقة لتكوين الحلفاء والحفاظ على العلاقات”. ويساعد اللمس أيضًا على تقليل العدوانية بين الناس، كما تقول تيفاني فيلد، مديرة معهد أبحاث اللمس في كلية الطب بجامعة ميامي. “عندما تلمس شخصًا ما، اجتماعيًا، من الصعب جدًا أن تكون عدوانيًا تجاهه”. وعلى العكس من ذلك، “إذا فصلت قردين بحيث يمكنهما رؤية وسماع وشم بعضهما بعضا، لكنهما لا يستطيعان لمس بعضهما بعضا، فإنهما سيقتلان بعضهما بعضا عمليًا بمجرد إزالة الزجاج الشبكي بينهما”.
تقول فيلد إنها شاهدت خلال مسيرتها المهنية اللمس يتراجع بشكل حاد في المجتمع الأميركي، لدرجة أنها تعتقد أنها ستضطر إلى إيجاد شيء آخر لتدرسه. فقد تم تهميش العناق الاجتماعي إلى حد كبير بواسطة حركة “أنا أيضاً” Me Too، وتولت الهواتف الذكية الباقي. وقبل نحو حوالي عام، راقبت هي وطلابها الناس بينما يجلسون عند بوابات المغادرة في المطار وسجلوا عدد المرات التي لامسوا فيها بعضهم بعضا. وقد توقعت أن ترى أشخاصًا يمسكون بأيدي رفقائهم الحميمين في السفر ويقذفون أذرعهم حول بعضهم بعضا. وتقول فيلد: “لم نكن نشاهد أي تلامس، حتى بين الأزواج والعائلات الذين كانوا يسافرون معًا. كان الجميع منكبّين على هواتفهم المحمولة… يتصفحون فقط أو يرسلون الرسائل النصية أو يلعبون”.
ولا تعتقد فيلد أن اللمس سوف يرتد عائداً اجتماعيًا -وهي تعتقد بأن تلامس الأكواع سيقضي على المصافحة- لكنها تأمل بأن يعود اللمس بين العائلات التي تقضي وقتًا أطول معًا في الحجر الصحي. سوف تكون لمسة الترحيب مفيدة لصحتك؛ وقد يثبُت أنها تقلل من التوتر وتنشط إفراز الأوكسيتوسين، الملقب بـ”هرمون الحب”، وتساعد على تعزيز الترابط والتقارب.
تشرفت بمقابلتك؟
ربما تكون المصافحة هي الشكل الأكثر شيوعًا للمسة الاجتماعية في الولايات المتحدة، ويُعتقد أنها نشأت منذ قرون عدة كتأكيد أن أيًا من الطرفين لم يكن يحمل سلاحًا. وتقول ساندا دولكوس، التي تدير مختبرًا لأبحاث علم الأعصاب في جامعة إلينوي مع زوجها فلورين دولكوس: “إنها إشارة إلى الثقة والتعاون”. في دراسات التصوير العصبي التي يجريها الفريق، “يمكنك حقًا أن ترى في الدماغ أن المناطق التي تشارك في معالجة المكافآت يتم تنشيطها عندما يتصافح الناس”. وأظهرت أبحاثهم أنه حتى مشاهدة الناس وهم يتصافحون تكفي لزيادة التنشيط في مراكز المكافأة في الدماغ.
يقول فلورين: “التوقعات التي تأتي من حيث التفاعلات الاجتماعية أو الجسدية راسخة للغاية”، لدرجة أنه لا يتوقع أن تختفي المصافحة نهائيًا بعد أن يصبح الوباء تحت السيطرة. وكذلك يرى سميث أيضاً، الذي يقول: “سوف أندهش إذا وجدتُ بعد عام من الآن أنها اختفت. سوف أصاب بالصدمة حتماً بسبب مدى شيوعها وعالميتها. لا أرى أنها تختفي بين عشية وضحاها”.
ولكن، حتى هما يعتقدان أن المصافحة ستتغير بطريقة ما. قد يدّخر الناس المصافحة والعناق لأولئك الأقرب إليهم والذين يثقون بهم أكثر، ويطورون تحيات جديدة لا تتضمن اتصالًا مباشرًا من الجلد إلى الجلد لمن هم خارج دائرتهم الاجتماعية. وهناك العديد من البدائل: ملامسة بالكوع، نقرة بالقدم، انحناءة، إيماءة بضم الراحتين، حركة قصيرة أو إمالة للرأس، وضْع يد على قلبك. وليس من الواضح أي من هذه الأشكال ستسود -إذا حدث وأن ساد أي منها. يقول سميث: “إنك ترى مثل هذا النطاق الواسع من القيم والمعتقدات ووجهات النظر السياسية حول كل هذه الأشياء. وتحت كل هذه الطبقات ثمة طبقة فوق أخرى من المعتقدات والقيم المهنية والشخصية النابعة من طفولتنا، ومن توجهنا الديني، ومن الرسائل التي تعلمناها في المدرسة”. إننا لن نتوصل كلُّنا إلى الحل نفسه.
لكن الأبحاث تقترح أن من الممكن -إلى حد ما- تبني بدائل خالية من اللمس. وقد أجرى سكلانسكي، طبيب قلب الأطفال والمشارك في الحملة المضادة للمصافحة، تجربة لمعرفة ما إذا كان بإمكانه القضاء على المصافحة في اثنتين من وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة في جامعة كاليفورنيا؛ حيث يتم علاج بعض المرضى الأكثر ضعفًا. في دراسة أجريت في العام 2017، وصف إنشاء مناطق خالية من المصافحة من خلال نشر لافتات تصور يدين متشابكتين، مشطوبتين بعلامة X، وتشجيع الأطباء والممرضات والمقيمين على تجربة تحيات غير لفظية مختلفة. وفي حين أن حوالي ثلث مقدمي الخدمة كانوا معارضين -خاصة الأطباء، وخاصة الرجال- كانت جميع أسر المرضى تقريبًا تحبذ عدم لمسهم من قبل طبيبهم. وقال أقل من 10 في المائة إنهم يريدون أن يتم الترحيب بهم بمصافحة. وفضلت الغالبية العظمى بدلاً من ذلك أن ينظر إليهم مقدمو الرعاية الصحية في العين أو يبتسمون أو يخاطبونهم بالاسم أو يسألون عن صحتهم.
لطالما كانت المصافحة وسيلة للأطباء لإقامة علاقة سريعة مع مرضاهم، ولكن أصبح من الضروري الآن وجود شيء بلا تلامس -ليس فقط بسبب الوباء، ولكن أيضًا بسبب انتشار التطبيب عن بعد. ويقول غريغوري ماكول، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “مريض الحكمة”، وهي شركة تساعد المؤسسات الصحية على تحسين انخراط المرضى والتواصل معهم: “لن يكون لدينا نوع من المصافحة الرقمية”. وشارك ماكول في تأليف دراسة في العام 2007 حول مدى انتشار المصافحة في الرعاية الصحية، لكنه يعتقد أن الكلمات يمكن أيضًا أن تبني رابطة: “إنك بحاجة إلى إقامة نوع المحادثة التي تصنع هذه الصلة”.
مستقبل اللمسة الاجتماعية ماثل الآن
إذا كنت تشعر أن من الصعب تكوين روابط شخصية عند التحدث إلى شخص ما على بعد ست أقدام أو من خلال شاشة على “زووم”، فأنت لست وحدك في ذلك. تقول سوفيليتو: “الآن، يصبح عليك أن تعبر لفظيًا عن الكثير من الأشياء التي عادة ما تعبر عنها باللمس”. غالبًا ما تكون معانقة شخص يحتاج إلى المواساة أو وضع يد على كتفه أسهل وأكثر طبيعية من العثور على الكلمات الصحيحة.
وقد يؤدي إجبارنا على التعبير عن هذه المشاعر إلى تحويلنا إلى متصلين أفضل. “لكن الخيار الآخر”، كما تقول سوفيليتو، “هو أن يتوقف الناس عن التواصل بشأن العواطف”.
تماماً مثلما يمكن أن تكون اللمسة الاجتماعية بديلاً للغة، فإنك قد تضطر إلى الإفراط في أن توصل بالكلمات تلك المشاعر التي كنت ستمررها من خلال الاتصال الجسدي. مرحبًا بكم في عالم سكلانسكي، الذي كان يسلك طريقًا طويلًا ووعراً حول المصافحة لسنوات. ويقول: “عندما يمد لي الناس أيديهم، أقول فقط: ‘اسمع، أنا أفضل عدم المصافحة بالأيدي. لا أعتقد أنها فكرة جيدة لأسباب مختلفة’. وأشرح السبب، وأتحدث عن ورقة البحث”. ويختار بدلاً من ذلك لفتة ضم الراحتين والانحناء. ويقول: “يبتسم الناس ويعتقدون أنه شيء مضحك، لكنني أعتقد أنه شيء يمكن للناس أن يعتادوا عليه بمرور الوقت”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Coronavirus Killed the Handshake and the Hug. What Will Replace Them?