دين حكيم عنكر
[wpcc-script type=”a33b85f2aa025b8fe75fcd72-text/javascript”]

اختطف فيروس كوفيد ـ19 صديقنا وزميلنا الشاعر والصحافي المغربي حكيم عنكر (1968ـ2020)، وأجدني ملزماً أخلاقياً ومهنياً باستذكاره عبر تلويحة وداع هي أقرب إلى ردّ جميل قديم في ذمتي؛ حفظته له منذ 15 سنة، وأجد في استعادته اليوم مزيجاً من أضعف الإيمان والحدّ الأدنى من الإقرار بعلوّ كعب الراحل في مهنة الصحافة.
المكرمة تلك هي الحوار الذي أجراه الراحل معي، ونُشر في الملحق الثقافي لصحيفة «الخليج» أواسط شباط (فبراير) 2005 إثر مشاركتي في ملتقى الشعر الإماراتي؛ ولست أتوقف عند ذلك الحوار اليوم إلا لأنه كان بين الأعمق والأكثر جدية وإحاطة، ليس بتجربتي النقدية المتواضعة فحسب، بل لنجاح عنكر في إثارة جملة من القضايا غير التقليدية حول الأدب وظواهره وإشكالية موقع المثقف وحال النظرية؛ وكلّ هذا بروحية عالية من السؤال والتساؤل والمساءلة، أدهشتني بقدر ما منحتني فرصة ثمينة لمجاراته في الذهاب نحو الأعمق.
وعلى سبيل المثال الأوّل، سألني عنكر: «تصرّ على تقديم نفسك باعتبارك ناقداً مستقلاً، بمعنى أنك تحاول عبر منجزك النقدي أن تؤسس لنفسك طريقاً نقدياً بعيداً عن التأثيرات التي يمكن أن تمارسها هذه المؤسسة الثقافية أو تلك»؛ وكان يقصد الإطراء في مستوى أوّل، ثمّ المساءلة عن إمكانية أن يكون الناقد مستقلاً على تلك الشاكلة. ولقد أجبت هكذا: في الحقيقة، لا أعتقد أنني أقوم بذلك تماماً كما تصف، ولكن إذا أفلحت فإنّ ذلك سيكون شيئاً باهراً. أعترف بأنّ الأمر صعب المنال، وأعترف بأنني ربما لم أبلغه. وكلامك صحيح في جانب آخر، بمعنى أنني لا أتكئ على منهج نقدي بعينه، ولا أبدأ منه في دراسة النص، وسأعبر بطريقة أكثر إنصافا للنصّ فأقول إنني لا أقحم النصّ على النظرية الأدبية، ولا أقحم النظرية الأدبية على النصّ، فأنا أبدأ فعلاً من النصّ وأحاول قدر الإمكان أن أجد ما يتيحه لي المنهج الدراسي الأفضل كي يتجلى هذا النصّ، وليس كي أتجلى أنا كدارس للنصّ.
ذلك الحوار دين في ذمتي لصديقي الراحل، أستعيده هنا تكريماً له في مناسبة رحيله، ومثالاً على صحافة ثقافية جديرة باسمها وبعصرها؛ تُفتقد للأسف في ظلّ شيوع عامّ لمظاهر التسطّح والتسطيح
ولقد توجّب أن أذهب أبعد في متابعة الإجابة عن سؤال إشكالي، فأضيف بأنني لا أزعم التحرّر من النظرية، مثل كل الذين يشتغلون بدراسة النصوص على نحو جاد. أنا أبدأ من الماركسية ولا أنظر إلى النص الأدبي كظاهرة اجتماعية فقط، ولكن كظاهرة فنية لها خصوصية عالية جداً، ليست كما في التنظير الماركسي التقليدي محض بنية فوقية لها قوانينها العشوائية. كذلك أضفت بأني أستفيد من مدرسة في النقد هي المدرسة الهندية، ومعظم نصوصها غير مترجم إلى اللغة العربية مع الأسف، ولكني أراها واحدة من أعمق مدارس النقد القائمة الآن في العالم؛ وهي تعادل إلى حد كبير انجازات النصف الثاني من القرن الماضي في فرنسا، وقريبة من الإنجازات الأنجلوساكسونية.
وفي مثال ثانٍ سألني عنكر إنْ كان النقد العربي قد واكب تحولات كبيرة على «جينيالوجيا النص الأدبي العربي» منذ السبعينات إلى الآن، وهل استوعبها وارتقى إلى الرهانات الجديدة لنظريات تلقي النصّ وتداوله؟ وكان يقيني، وما زال في الواقع، أنّ الحياة نفسها حسمت مسألة التطور، فكيف بالنصّ الأدبي أو النظرية النقدية. قبل ثلاثة عقود أو أربعة عقود كان لدينا الناقد/ المدرسة أو ما يمكن تسميته بالناقد/ المؤسسة والعَلَم، كأن تقول إنّ شوقي ضيف هو أبو الحكمة في الشعر العباسي مثلاً، أو تقول هذا الكتاب من محمد مندور مؤسسة مستقلة بذاتها؛ أما الآن فإنّ افضل ما يمكن أن ينجزه النقد العربي المعاصر قائم على أكتاف مجموعة وليس على نقاد أفراد، إذ ينبغي أن يكون هناك اشتغال متعدد التيارات ومتعدد المناهج تقوم به مجموعة من الأفراد حول مجموعة من الظواهر، كي يتمّ التوصل إلى مشهد نقدي يخصّ النصوص، ويخصّ التنظير للنصوص، ولكنه ليس مشهدا متماثلاً وليس مشهدا له طابع التقارب النظري أو حتى «التطبيع» بين مدرسة وأخرى. الحياة حسمت مسألة عُدَّة الناقد، والنقاد التقليديون بدأوا يشعرون أنّ مكانهم ليس في النصّ الجديد، وهذا أمر مؤسف، إذْ ينبغي على الدارس التقليدي أن يؤهل نفسه كي يُكسب العمل النقدي خبرته في التراث.
وعند هذه المرحلة من الحوار، كان محتماً أن يطرح عنكر سؤال «النقد غير المؤسساتي»، أو النقد الأكاديمي الذي يقوم به أساتذة الجامعة والمدرسون، والذي «يكتسي في أغلبه طابعاً حجرياً»، ويخلق «تشويشاً مفاهيمياً ومنهجياً في الساحة النقدية العربية»، وقد يصل إلى «نوع من التسيّب المفاهيمي وفوضى الترجمات والترجمات المضادة». إجابتي أفادت بأنه من حيث المبدأ لا غنى على الإطلاق عن النقد الأكاديمي، إنْ لم يكن بسبب الحرص على التعددية والتنوّع فعلى الأقل على هذا الجانب الدراسي المدرسي الذي لا نستطيع أن نتخلى عنه. ولا يُنسى وجود نقد أكاديمي يدرس التراث ويدرس نصوصاً أدبية قديمة على ضوء مناهج معاصرة، أو على ضوء مناهج تقليدية تعكس الذائقة الجمالية للنص العربي القديم.
ذلك الحوار دين في ذمتي لصديقي الراحل، أستعيده هنا تكريماً له في مناسبة رحيله، ومثالاً على صحافة ثقافية جديرة باسمها وبعصرها؛ تُفتقد للأسف في ظلّ شيوع عامّ لمظاهر التسطّح والتسطيح.


