
صوفي ماكبين – (ذا نيو ستيتسمان) 9/12/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
لم يكتفِ الوباء بإبقائنا متباعدين جسديًا عن بعضنا البعض فحسب، بل خلق فجوات جديدة بين الأصدقاء القدامى.
- * *
في الليلة الأخيرة قبل الإغلاق الثاني، جلست في الخارج لتناول العشاء مع واحدة من أقدم صديقاتي وتلقيت منها توبيخاً كبيراً. قالت لي صديقتي أنني كنت عديمة الفائدة مع هاتفي، وأنني بحاجة إلى تحسين نفسي في الرد على الرسائل النصية. واعتقدَت أنني بحاجة لأن أكون أكثر انفتاحًا معها. وشعرتُ بالحرج والعصبية بشكل غريزي. وأدركت أن المحادثة يمكن أن تتصاعد إلى خصام كبير، والذي لا يتعلق بتفاصيل صداقتنا بقدر ما يتعلق بالتوتر العام الذي أشاعه الوباء. كنا نشعر كلانا بالظلم والاضطهاد. كنا متوترتين، متحفزتين للهجوم وسريعتين في الشعور بالإساءة. وقد أصبحنا جميعًا، كما شخّصت الأمر صديقة أخرى لاحقًا، “مجانين كوفيد” بعض الشيء في هذه المرحلة.
“السبب في وجود الصداقة، وما تدور حوله من وجهة نظر تطورية، هو أن نكون هناك لمساندة بعضنا البعض في الأوقات الصعبة”، كما قالت لي ليديا دينورث، مؤلفة كتاب “الصداقة، التطور، البيولوجيا والقوة غير العادية لرابطة الحياة الأساسية”. ومع ذلك، ولأن الصداقة كانت حتى وقت قريب مهملة نسبيًا من قبل الباحثين، فإننا لا نعرف سوى القليل عن كيفية أداء هذه الروابط الاجتماعية خلال فترات الشدة؛ متى تقرِّب الأزمة الأصدقاء من بعضهم البعض ومتى تدق إسفينًا بينهم.
لم يبقنا الوباء بعيدين جسديًا فحسب، بل خلق فجوات جديدة بين الأصدقاء القدامى. تضخمت الاختلافات الصغيرة في نمط الحياة: بين أولئك الذين يعيشون وحدهم وأولئك الذين لديهم مسؤوليات رعاية؛ أولئك الذين فقدوا وظائفهم وأولئك الذين أصبحوا أكثر انشغالًا الآن من أي وقت مضى؛ وأولئك الذين قضوا فترات الإغلاق في وضع مكتظ وغير مريح وأولئك الذين نشروا إرسالياتهم على “إنستغرام” من البيوت الريفية الفسيحة. والاختلافات في المزاج التي بالكاد كانت تهم في السابق يمكن أن تبدو الآن حواجز لا يمكن التغلب عليها: بين أولئك الخائفين من الإصابة بالفيروس ويتبعون إجراءات صارمة للتباعد الاجتماعي، وأولئك الذين يعتقدون أن الأمر برمته مبالغ فيه ويتمنون أن يسترخي الجميع ويتخففوا من الإجراءات.
في الشهر الماضي كتب مئات الأشخاص إلى موقع “بَز-فيد” ليصفوا كيف أن صداقات وعلاقات أسرية كانت وثيقة للغاية في السابق تمزقت أثناء الوباء. وتشير إرشادات “كوفيد- 19” غير المتسقة والمعلومات المضللة المتفشية إلى أن معظم الناس “يتأملون الأمر، ويختارون القيام بما يشعرون أنه أكثر أمانًا لهم شخصيًا”، كما لاحظ “بَز-فيد”، وهو السبب في أننا أصبحنا نعايش هذا الخلاف.
تقول دنوورث: “النكتة في الأمر هي أنه يجب عليكِ التعامل مع الصداقة بنفس الطريقة التي تتعاملين بها مع التوافق في العلاقة الحميمة. يجب أن تجري محادثة مفتوحة وصادقة حول تحمل المخاطر وكيف تريدين التعامل مع الأمور. بعض الناس يتعاملون مع ذلك أفضل من غيرهم. وأسمع الكثير من الناس يقولون إنهم يرون الآن الألوان الحقيقية لأصدقائهم”.
يمكن أن تتفجر خلافات أخرى غير متعلقة بـ”كوفيد” بسهولة إلى مشاكل أكبر، أو أن تستمر على الأقل في التسبب بالقلق، عندما يكون لدينا القليل جدًا من عوامل التشتيت الأخرى، وهي ظاهرة التقطتها “مجلة نيويورك” مؤخرًا في مقالة بعنوان “هل جميع أصدقائي غاضبون مني”؟ ثمة حالات سوء الفهم الصغيرة، مثل الرسائل النصية التي أسيء تفسيرها، والتي كان يمكن توضيحها بسهولة وجهاً لوجه، والتي تُترك الآن لتتفاقم. وقد أظهرت الأبحاث أننا عندما نشعر بالوحدة -كما هو حال الكثير منا الآن- يكون من المرجح أن نفسر التفاعلات مع الأصدقاء بشكل سلبي، وبالتالي فإن الوحدة غالبًا ما تولد المزيد من الوحدة.
جادل عالم الأنثروبولوجيا بجامعة أكسفورد، روبن دنبار، في ورقة نشرتها الجمعية الملكية في آب (أغسطس)، بأنه مع استمرار الوباء، قد يتم إعادة تشكيل دوائر صداقتنا بشكل دائم. ويُعرَف دنبار بما يُسمى “رقم دنبار”، وهو ادعاؤه بأن أدمغة البشر تحد من عدد الأصدقاء والمعارف الذين يمكننا الحفاظ على علاقات معهم إلى 150. ولاحظ في الورقة أنه خارج دائرتنا الأكثر حميمية المكونة من خمسة إلى 15 من الأصدقاء والأقارب المقربين، تموت معظم علاقاتنا في غضون أشهر إذا لم نتفاعل بشكل متكرر. وكلما طالت مدة ممارستنا للتباعد الاجتماعي، كان من الصعب إعادة إحياء علاقاتنا مع الأصدقاء من الطبقة الدنيا: الأشخاص الذين نراهم فقط في الحفلات، والزميل الذي نتعامل معه بصداقة غامضة، ورفاق الصالة الرياضية وأصدقاء جوقة الأناشيد. وقد يجد كبار السن، الذين يجدون صعوبة في تكوين صداقات جديدة، أن شبكاتهم الاجتماعية تتقلص بشكل دائم. وبشكل محبط، حتى قبل الوباء، وجد استطلاع أجرته YouGov في العام 2019 أن 15 في المائة من البريطانيين قالوا إنهم ليس لديهم أصدقاء مقربون، وقال 8 في المائة إنه ليس لديهم أصدقاء على الإطلاق.
عندما يفقد الناس الأصدقاء، تكون هناك عواقب صحية عامة. وقد أصبح من المعترف به الآن بشكل متزايد أن الروابط الاجتماعية ضرورية لرفاهيتنا الجسدية بقدر ما هي مهمة لسويتنا العاطفية: يقال إن الوحدة تضر بصحة الفرد مثل تدخين 15 سيجارة في اليوم. لكن ما لا يُعترف به بنفس المقدار هو أن نوعية صداقاتنا مهمة أيضًا.
وفقًا لجوليان هولت-لونستاد، أستاذة علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة بريغهام يونغ، تكون حوالي نصف صداقات الناس أو روابطهم العائلية في المتوسط متناقضة، أي أنها تتميز بجمع العواطف الإيجابية والسلبية على حد سواء. وقد يكون صديقك المتناقض مضحكًا ودافئًا ولكنه أيضًا غير حساس وغير موثوق. وأنت تحب هؤلاء الناس، لكنك تكون مستاءً منهم أيضًا.
ووجد بحثها أنه في حين أن العلاقات الداعمة يمكن أن تحمينا من التوتر، فإن العلاقات المتناقضة تزيده. وعلى سبيل المثال: يبدو أن التفاعلات مع العلاقات المتناقضة تزيد من ضغط الدم أكثر بكثير من التفاعلات مع الأشخاص الذين لا نحبهم على الإطلاق. وتشير نفس الورقة البحثية إلى أنه من غير المرجح أن نتجه إلى أصدقائنا المتناقضين في أوقات التوتر، وعندما نفعل ذلك، فإننا نميل إلى أن نجدهم أقل دعمًا. وقالت لي هولت لونستاد: “لقد وجدنا أن وجود مشاعر مختلطة تجاه الأصدقاء ليس غير مفيد فحسب، بل إنه قد يكون في الواقع مصدرًا للتوتر في حياتنا. وهذا يمثل تحديًا، لأننا نهتم بهؤلاء الأشخاص على مستوى ما، ولذلك، نحافظ على هذه العلاقات”.
قد يكون الرد القاسي هو إعدام الصداقة. إلى حد ما، ربما نكون بصدد فعل ذلك بشكل طبيعي حيث أننا نركز اهتمامنا، الآن بعد أن أصبحت حياتنا الاجتماعية محدودة بشكل مصطنع، على أولئك الذين نشعر بأننا أقرب إليهم والأصدقاء الذين يجعلوننا نشعر بتحسن، وليس الذين يجعلوننا أسوأ. وكما قالت لي دنوورث: “أجد نفسي أميل إلى الاعتقاد، كما تعلمين، بأن الجانب الإيجابي في كل هذا ريما يكون أنه ساعدنا على فصل القمح عن القشور”.
إن الاستجابة التي تأتي بشكل طبيعي بالنسبة لي هي محاولة تحسين -بدلاً من التخلي عن- الصداقات التي تعرضت للتوتر. ولا يعرف الباحثون حتى الآن بالضبط سبب وجود علاقات متناقضة لدى بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، أو كيفية تحويل “الأصدقاء الأعداء” إلى أصدقاء، لكن هولت لونستاد توقعت أن ذلك قد يتعلق بعمل الأشياء التي تساعدنا في تكوين صداقات في المقام الأول: تقديم الدعم للآخرين، والتعبير عن الامتنان، وممارسة التعاطف والتضامن. وبعد كل شيء، لا يمكن لمزيد من الكرم والرحمة أن يلحق أي ضرر على الإطلاق. وهكذا، على الرغم من أنني كنت بحاجة إلى أن أهدأ قبل أن أتمكن من الاعتراف بذلك، فإن صديقتي كانت محقة في أنني كان ينبعي أن أتفقدها وأتواصل معها أكثر.
*Sophie McBai: مراسلة خاصة لمجلة “نيو ستيتسمان”. كانت سابقًا محررة مساعدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Covid-19 is breaking up friendships
Source: alghad.com