“المخطوبون” بين إيطاليا وأميركا.. قراء الإنجليزية يسكتشفون معاني العشق والوباء في درة الأدب الإيطالي

0

الأديب الإيطالي ألساندرو مانزوني مؤلف رواية المخطوبون (ويكي ميديا)

مع تفشي جائحة كورونا في إيطاليا، يستدعي الإيطاليون مشاهد واقتباسات من رواية “المخطوبون” (نشرت أول مرة سنة 1827) التي درسوها في مدارسهم وتوصف بأنها العمل الأدبي “الأكثر قراءة في اللغة الإيطالية” على مر العصور، وتقارن في أهميتها في الثقافة الإيطالية بملحمة “الكوميديا الإلهية” التي ألفها الشاعر الكبير دانتي في القرن 14.

وفي زمن كتابة الرواية لم يكن هناك الكثير مما يجمع إيطاليا التي كانت غير موحدة سياسيا وتتحدث لغات ولهجات مختلفة، لكن شيئا واحدا شاركه الإيطاليون لأكثر من 150 عاما، قبل منع موسوليني اللهجات الإقليمية في الأماكن العامة وأمر المدارس ووسائل الإعلام والمكاتب الحكومية باستخدام لغة مشتركة، ذلك الشغف المشترك هو الإعجاب برواية الشاعر والأديب الكبير أليساندرو مانزوني.

ورغم ذلك، يعتقد العديد من الإيطاليين أن الرواية لا تحظى بتقدير كبير خارج إيطاليا، رغم تناولها مجموعة كبيرة من المواضيع مثل الحب والسلطة، وأسئلة الشر الكبرى، ومعاناة الأبرياء، والمجاعة والطاعون، والطبيعة الوهمية للسلطة السياسية، والظلم المتأصل في أي نظام قانوني، وتحكي عن جبن ونفاق أحد الأساقفة في مقابل بطولة وشجاعة الآخرين، وأخيرا قوة الحب الثابتة في العلاقة بين بطلي الرواية من الفلاحين الفقراء رينزو ولوتشيا، ونضالهم للقاء مرة أخرى والزواج، بعد العقبات التي وضعها أمامهم حاكم الاحتلال الإسباني الذي تواطأ معه أحد الأساقفة.

وبالتزامن مع انتقال الجائحة عبر المحيط الأطلسي للولايات المتحدة، نشرت ترجمة إنجليزية حديثة للفصول الأولى من الرواية التي تتحدث عن طاعون ميلانو عام 1630م الذي أودى بحياة الآلاف، ويبرز بها المعنى الإنساني العظيم في الرواية عبر مجموعة من الأحداث والتناقضات التي تظهر السلوك البشري عاريا عن التجمل والتصنع، وأنتج جملة من المواقف المؤثرة التي تتراوح بين الأنانية والإيثار.

وفي عظته الأسبوعية منتصف مارس/آذار الماضي قال بابا الفاتيكان فرانسيس بمناسبة تفشي جائحة كورونا إن الكهنة يجب ألا يكونوا دون أبونديو، في إشارة إلى الكاهن الجبان في أحداث الرواية الإيطالية الذي ينحاز لنزوات الأغنياء والأقوياء، بينما يقف كهنة آخرون بشجاعة مع المرضى والمستضعفين في مواجهة السلطة الظالمة.

وتدور أحداث الرواية في زمن الطاعون بميلانو ولومبارديا، والاحتلال الإسباني لشمال إيطاليا بالقرن الـ17، وتقرأ الرواية أحيانا باعتبارها نقدا للإمبراطورية النمساوية الهنغارية التي سيطرت على المنطقة في زمن كتابة الرواية بالقرن الـ19.

تعد رواية “المخطوبون” درة الروايات الإيطالية على مر العصور (الجزيرة)

المخطوبون في أميركا
وفي الأيام الأولى من الجائحة، تكتشف أميركا مانزوني (1785-1873)؛ فقد نشر موقع ليتهاب أول ترجمة إنجليزية خلال آخر نصف قرن للفصول المتعلقة بالطاعون في الرواية، وجدير بالذكر أن الرواية ترجمت عدة مرات إلى الإنجليزية منذ تأليفها ومع ذلك اشتكى القراء من أخطاء الترجمة. 

وتردد صدى ذلك الحدث بقوة في الحوار الافتراضي بين ستيفانو ألبيرتيني، مدير دار النشر الإيطالية زيريللي ماريمو التابعة لجامعة نيويورك، والأكاديمي والمترجم مايكل مور، الذي يشتغل منذ سنوات على العمل العظيم للكاتب الإيطالي.

وتواصل على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك كل من ألبيرتيني، العالق في بلدة بوزولو بمدينة كريمونا (شمال إيطاليا) حيث يمضي هناك إجازة عام كامل، ومور الذي يتحدث من داخل مطبخ شقته بنيويورك، وذلك في إطار سلسلة “كلنا في البيت” التي تنظمها دار النشر الإيطالية بعد إغلاق مقرها بسبب أزمة كورونا.

وقرأ مور مقتطفات من فصول الرواية التي ستصدر ترجمتها في عام 2021 ضمن سلسلة “المكتبة الحديثة” التي تأسست في عشرينيات القرن الماضي لتزويد القراء الأميركيين بمجموعة مختارة من أفضل العناوين من الأدب الأوروبي، ومن الأمور التي طرحت في ذلك النقاش هو سبب تجاهل الأميركيين في ظل أزمة كورونا الكاتب مانزوني بينما انصب اهتمامهم على رواية “الطاعون” للكاتب الفرنسي ألبير كامو.

ويعزو مورو، وهو مترجم لدى منظمة الأمم المتحدة وسبق له ترجمة أعمال كتاب إيطاليين آخرين، ذلك التباين لأسباب عدة، منها الخلفية الدينية وخاصة الكاثوليكية في رواية “المخطوبون”، كما أن الأدب الفرنسي يحظى بالأفضلية في الولايات المتحدة لأن فرنسا أصبحت أمة قبل إيطاليا، وقبل فترة طويلة من أن تكون لإيطاليا لغة موحدة.

ثم سلط مور الضوء على مدى دقة مانزوني في وصف الطاعون الذي حصل عام 1630 وهو يكتب عنه بعد نحو قرنين وقال “لا يمكنك العثور على أوصاف وبائية أكثر دقة، ليس فقط لانتشار العدوى ولكن أيضا لردود فعل الناس العاديين والقادة السياسيين ورجال الدين”.

وأضاف مور أنه في الرواية، كما هو الحال اليوم “يجري البحث عن العديد من أكباش فداء لأن الجهود المبذولة لتحديد “المريض صفر” (المصاب الأول) تتحول إلى تصور مفاده أن الفيروس مستورد وصل مع الأجانب”.

أديب إيطاليا
وكان مانزوني أرستقراطيا إيطاليا قضى سنوات من شبابه خلال الأعوام 1805–1810 في باريس، وكتب روايته في الأصل باللهجة اللومباردية بين عامي 1825-1827، بمعدل مجلد سنويا، لكنه ترجمها إلى اللغة الإيطالية التوسكانية (لغة دانتي) ونشر الطبعة الجديدة في عام 1840، وهو الأمر الذي ساعد على جعل التوسكانية لغة إيطاليا الموحدة الحديثة في القرن العشرين في وقت لاحق. 

وابتكر مانزوني روايته العبقرية التي مدح النقاد فيها قوة السرد وعمق الشخصيات ومشاعرها الجياشة، وعبر فيها عن مساوئ حكم ميلانو الإسباني الذي يهمش السكان الإيطاليين، وفيها إسقاطات واقعية كذلك على زمن كتابة الرواية، بما في ذلك التواطؤ الكنسي مع الظلم.

ومع ذلك لا تشبه “المخطوبون” روايات السخرية “العبثية” المعاصرة، فالحياة بالنسبة لمانزوني ذات غاية ومعنى وليست حكاية حمقاء مليئة بالسخط والغضب فحسب من دون معنى أكبر، ويستهزئ الأديب الإيطالي في الرواية بالقوة العارية عن الأخلاق وينتقد بشدة الحمقى والجاهلين بينما يمتدح شخصيات الرواية التي غلبت الحب وقيم الإيثار والتضامن على مصالحها الخاصة، ما اعتبر أدبا عظيما ذا غاية أخلاقية نبيلة. 

إسقاطات معاصرة
وفي مقال للفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، قال إن الإيطاليين أبدوا استعدادا للتضحية بكل شيء بما في ذلك الحياة العادية وعلاقاتهم الاجتماعية والعمل والصداقات والمعتقدات الدينية والسياسية لتلافي خطر الإصابة بعدوى كورونا، واعتبر أغامبين أن هذا الخطر المشترك لا يوحد الناس وإنما يعميهم ويعزلهم عن بعضهم بعضا، إذ ينظر للبشر حاليا على أنهم مصدر عدوى وخطر محتمل لا أكثر، ويجب تجنبهم بأي ثمن.

واستشهد أغامبين برواية “المخطوبون” التي تجري أحداثها في زمن وباء الطاعون، معتبرا أن الموتى لم يعد لهم الحق في الجنازة وليس واضحا ما الذي سيجري مع الجثث أيضا، واستنكر صمت الكنائس عما يجري، وتساءل: كيف ستتحول العلاقات البشرية في مجتمع لا قيمة له غير البقاء؟

وقال أغامبين إن “حالة الاستثناء” التي عوّدتنا عليها الحكومات مؤقتا أصبحت حالة طبيعية ودائمة حقا، معتبرا أن البشر اعتادوا العيش في ظروف الأزمات الطويلة والطوارئ، لكن ما يجري حاليا من إعلان طوارئ غير مسبوق على الإطلاق.

وأضاف أن البشر تحولوا إلى حالة “بيولوجية بحتة”، وفقدوا البعدين الاجتماعي والسياسي، وكذلك الأبعاد الإنسانية والعاطفية. 

 
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد