سلامة الدرعاوي

طالما أن الحكومة تسير بالاتجاه الإصلاحي الحقيقي للاقتصاد، لماذا إذن لا ينعكس على مؤشرات الاقتصاد ويحد من البطالة والعجز والمديونية ويزيد الصادرات والتوظيف الجديد والمشاريع الاستثمارية والبنية التحتية؟

الإجابة تكمن بأن ما يدور بالاقتصاد بالوطني هو إصلاح جزئي بالقطعة، بعيد كل البعد عن التنمية الشاملة، وهو نموّ لا تنمية، تستفيد من عوائدها قطاعات محدودة للغاية، بدليل ان جميع المؤشرات الكلية الاقتصاديّة في تراجع رغم مظلة الإصلاح الموجودة ضمن اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي، فالمديونية والعجز والبطالة والفقر في ارتفاع مستمر.

حتى النموّ الاستثنائي الحاصل في التحصيلات الضريبية والذي أنقذ العام المالي الحالي للخزينة بعد ان حققت لأول مرة في تاريخ الضريبة ما هو مقدر في الموازنة قبل نهاية العام لم يكن له هو الآخر انعكاس اقتصادي تنموي على الاقتصاد الكلي.

فكل الزيادات في التحصيلات الضريبية والتي من المتوقع ان تزيد بحدود الـ200 مليون دينار على ما هو مقدر، ستذهب لسداد تمويل نفقات الحكومة المتزايدة بدلا من ان توجه لمشاريع استثماريّة كبرى او تطوير للبنية التحتية او غيرها من الأفكار والمشاريع التي من الممكن ان يكون لها مردود اقتصادي إيجابي على الأجيال في المستقبل.

والأمر لا يتعلق بالتشوّهات والجمود الاقتصادي الحاصل في القطاع العام، فالقطاع الخاص بات شبيها في تحدياته وسلوكياته للقطاع العام.

فماذا يعني ان تحقق الشركات أرباحا في الربع الثالث بزيادة على الفترة نفسها من العام 2019 بنسبة تفوق الـ60 %؟
نظريا، من المفترض ان تنعكس هذه الزيادات في الأرباح على توسعة الأعمال والأنشطة الاستثماريّة للشركات وزيادة قدرتها التوظيفية.

لكن واقعيا الأمر مختلف، فكل الزيادات الماليّة للشركات تعود لمالكي أسهمها وإدارتها بالدرجة الأولى، فالتوظيف شبه معدوم وتوسعة الاعمال ايضا محدودة للغاية، على العكس تماما كل الشركات تحاول الاستفادة من أتمتة أعمالها الكترونيا والتي تغنيها عن الاستعانة بموظفين جدد.

المشكلة الرئيسة التي باتت تشكّل سمة مهمة في الاقتصاد الوطنيّ، ان الاقتصاد لم ينمُ خلال السنوات الماضية افقيا، وكل النمو الظاهر كان عموديا، ويكون إما لتغطية نفقات حكومية وسداد عجز مزمن بالنسبة للقطاع العام، وإما استثمار آليات العمل والإنتاج بشكله الجديد وإعادة الهيكلة بالنسبة للقطاع الخاص.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية، بأن الاقتصاد الوطنيّ بشقيه العام والخاص لم يعد قادرا على خلق فرص عمل جديدة، علما ان هناك ما يزيد على الـ156 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنويا، منهم 88 ألف خريج من الجامعات يحملون درجات البكالوريس والماجستير.

تضاف إلى ذلك المحدودية الكبيرة التي تواجه هؤلاء الخريجين في الأسواق الخارجيّة وتحديدا في منطقة الخليج العربي التي بدأت منذ سنوات قليلة بتطبيق سياسات تشغيليّة خاصة لمواطنيها، ناهيك عن تراجع الأوضاع الاقتصاديّة في بعض دولها نتيجة تداعيات كورونا وتقلبات أسعار النفط.

كل النموّ الحاصل في الاقتصاد يذهب لاستحقاقات مؤجلة منذ سنين، ولا يمكن لهذه الحالة ان تتغير طالما بقيت الحكومة تفكر في مشاكل القطاع الخاص دون التدخل الفاعل لحلها وإحداث اختراق إيجابي بهذا الشأن باتجاه دفعه- اي القطاع الخاص- للانخراط بالعملية الاستثماريّة بشكل توسعي أكبر مصحوبا بحزمة تسهيلات رسمية لذلك.

 

المقال السابق للكاتب 

عملنا الصعب وتركنا السهل

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا