التعاون غير المستقر بين موسكو وأنقرة مرشح للاستمرار
آنا بورشفسكايا* – (معهد الشرق الأوسط) 6/8/2020 في الوقت الذي تعيد فيه روسيا جزئياً فتح مجالها الجوي للطيران الدولي وسط استمرار الوباء العالمي، أصبحت تركيا من بين البلدان الثلاثة الأولى المعنية باستئناف الرحلات الجوية الروسية. وتروّج موسكو أيضاً لـ”التعاون الفضائي” المحتمل مع تركيا وسط توترات مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضية. وعلى الرغم من الخلافات …
Share your love

آنا بورشفسكايا* – (معهد الشرق الأوسط) 6/8/2020
في الوقت الذي تعيد فيه روسيا جزئياً فتح مجالها الجوي للطيران الدولي وسط استمرار الوباء العالمي، أصبحت تركيا من بين البلدان الثلاثة الأولى المعنية باستئناف الرحلات الجوية الروسية. وتروّج موسكو أيضاً لـ”التعاون الفضائي” المحتمل مع تركيا وسط توترات مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضية. وعلى الرغم من الخلافات بين موسكو وأنقرة حول سورية وليبيا ومنطقة البحر الأسود عموماً، إلّا أن روسيا وتركيا ما تزالان مصممتين على التعاون. لكن هذه العلاقة تبقى غير متكافئة. فبدءا من الطاقة والدفاع إلى مجال المعلومات واستخدام تركيا لإحداث انقسامات داخل حلف “الناتو”، يتمتع الرئيس فلاديمير بوتين بنفوذٍ على الرئيس رجب طيب أردوغان أكبر من ذلك الذي يتمتع به الأخير عليه.
يسعى كلا البلدين إلى تعميق علاقاتهما الاقتصادية؛ فعلى مر السنين أعلنا مراراً وتكراراً عن هدفهما المتمثل في الوصول إلى تجارة ثنائية حجمها 100 مليار دولار -وهو هدف طموح لأن حجم التجارة الحقيقي أقل من ثلث هذا الهدف. ومع ذلك، في عهد بوتين، تطوّرت العلاقات التجارية لروسيا مع تركيا بشكل كبير، ورجحت كفّتها لصالح موسكو. وفي المقابل، أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على السيّاح الروس. ولذلك، فإن من المهم أن يمنح هؤلاء السياح الأولوية اليوم للعودة إلى تركيا.
وفقاً لإحصاءات “وجهة التجارة” الصادرة عن صندوق النقد الدولي، تراوحت الصادرات التركية إلى روسيا خلال الأعوام الأخيرة في نطاق 3-4 مليارات دولار، بينما بلغت الواردات بين 20 و23 مليار دولار. وبعد أن أسقطت أنقرة طائرةً روسية في أواخر العام 2015 عندما دخلت الأجواء التركية لفترة وجيزة، قادمةً من سورية، أسهم الضغط الاقتصادي الروسي في حمل أردوغان على الاعتذار عن الحادثة في نهاية المطاف. وفي هذا السياق، ربما كان بوتين قد انتزع وعداً من أردوغان بشراء منظومة “أس-400” من روسيا. وبعد ذلك بفترة قصيرة، خلال الانقلاب الفاشل ضد أردوغان في صيف 2016، سارع بوتين إلى توجيه رسالة دعم له، ما أدى إلى اقتراب أردوغان أكثر من الكرملين. وما تزال صفقة شراء منظومة “أس-400” سبباً مهماً للتوتر الحاصل بين تركيا والغرب، وهو أمر لا يسع بوتين إلا الترحيب به.
وتعمل موسكو على بناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا، وهو مشروعٌ تمتلك فيه شركة “روساتوم” الحكومية الروسية حصة تبلغ 99.2 في المائة، بينما ما تزال تركيا تعتمد أيضاً على الغاز الروسي. وفي كانون الثاني (يناير) الماضي، أطلق بوتين وأردوغان خط الأنابيب الجديد “ترك ستريم” (TurkStream)، وهو خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي يعبر البحر الأسود إلى اسطنبول ويرسل الغاز الروسي إلى تركيا وجنوب شرق أوروبا متجاوزاً أوكرانيا. واحتلت روسيا العام الماضي المرتبة الأولى في توريد الغاز إلى تركيا.
ومن المؤكد أن أنقرة عملت على الحد من درجة اعتمادها على الغاز الروسي، حيث تراجعت روسيا هذا العام إلى المركز الرابع. وفي الواقع، دفعت الرغبة في الاستقلال في مجال الطاقة أردوغان إلى التحالف مع “حكومة الوفاق الوطني” في ليبيا من أجل تعزيز موقف تركيا التفاوضي بشأن شرق البحر المتوسط، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق المياه القبرصية. ومع ذلك، ما تزال تركيا بعيدة كل البعد عن تحقيق الاستقلالية في قطاع الطاقة، في حين يعرض بوتين حالياً الوساطة الروسية “لتخفيف التوترات” بشأن التنقيب التركي عن النفط والغاز في هذه المنطقة.
وتنفّذ موسكو أيضاً عمليات إعلامية في تركيا، وبشكل رئيسي من خلال وكالة أنباء “سبوتنيك”، وهو أمر لا يستطيع أردوغان تكراره في روسيا. ومن المفارقات أن البرامج الروسية ظهرت كواحدة من المصادر القليلة التي يعتبرها الكثيرون في تركيا مستقلةً -كبديل عن وسائل الإعلام التركية التي تسيطر عليها الدولة- وكواحدة يمكن أن تنتقد أردوغان. وقد ذهب بعضٌ من أفضل الصحفيين الأتراك للعمل لصالح “سبوتنيك” لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على وظيفة في أي مكان آخر في بلدهم نظراً لقمع الدولة لحرية الإعلام، الأمر الذي رفع من جودة البرامج بشكل عام وساعد موسكو على نشر وجهات نظرها في تركيا.
لعل الأهم من ذلك هو استخدام بوتين باستمرار البطاقة الكردية ضد أردوغان في سورية. فللقومية الكردية مكانة جوهرية بالنسبة لأردوغان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواجهته مع حزب العمال الكردستاني الذي نشأ في حقبة الحرب الباردة برعاية الكرملين. ويصرّ أردوغان على أن الأكراد السوريين إرهابيون، بينما تقيم موسكو روابط عميقة وطويلة الأمد مع الأكراد. وفي سورية، أتاح التقارب مع بوتين إلى تمكين أردوغان من التصدّي لمنطقة حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب في سورية. وبقدر ما كان أردوغان يرغب في رحيل الأسد، فقد كان اهتمامه بصدّ الأكراد السوريين أكبر من ذلك، وهنا كان بحاجة إلى موسكو.
وفقًا للكاتب ه.آي. ساتن من “المعهد البحري الأميركي”، فإنه نظراً لمكانة روسيا المعززة في سورية وشبه جزيرة القرم، أصبحت موسكو تملك الآن “قوة غواصات دائمة في البحر المتوسط تعمل بالديزل والكهرباء اللذين يوفّرهما “أسطول البحر الأسود”، فإن موسكو تستغل الثغرات الموجودة في “اتفاقية مونترو” للعام 1936 “من أجل إقامة وجود دائم لها في البحر المتوسط”، ما يؤثر مباشرةً على تركيا وحلف “الناتو”، حيث تنظّم الاتفاقية المرور البحري عبر المضائق التركية.
من المؤكد أن الموقف العسكري الروسي في سورية الآن أضعف مما كان عليه في زمن الاتحاد السوفياتي السابق. وتتمتع تركيا بعدة مزايا عسكرية في سورية، لكن أردوغان ما يزال عرضةً لموجات من اللاجئين الإضافيين الوافدين من إدلب، وهو أمر يفهمه بوتين جيداً. ومع تصاعد التوترات في العام الماضي بين روسيا وتركيا بشأن ليبيا، أشارت موسكو إلى قدرتها على ممارسة الضغط على أردوغان من خلال إدلب. وبالتالي أصبحت سياسة روسيا في سورية مرتبطة بشكل متزايد بسياستها في ليبيا.
ولكن، وربما الأهم من ذلك، أن كلاً من بوتين وأردوغان لا يريدان حل خلافاتهما من خلال مواجهة عسكرية مباشرة. فبعد أن قتلت القوات الروسية 36 جندياً تركياً في شمال سورية خلال شباط (فبراير) من هذا العام، كان أردوغان يأمل في تخفيف حدة التوتر، وبدلاً من مواجهة بوتين، سافر إلى موسكو. لكن بوتين جعله ينتظر قبل استقباله، وعُرض هذا المشهد المهين على شاشات التلفزيون الروسية. وفي النهاية، عاد أردوغان إلى بلاده من دون تحقيقه الكثير من النجاح في تلك الزيارة. وفي غضون ذلك، تواصل القوات الروسية والتركية القيام بدوريات مشتركة على الطريق السريع الاستراتيجي “أم-4” في سورية في سياق التوترات الأوسع بين روسيا وتركيا والأسد.
غالباً ما يتردّد صدى التوترات الشرق الأوسطية في القوقاز. ولذلك تصاعدت التوترات بين أرمينيا وأذربيجان لفترة وجيزة في تموز(يوليو) الماضي في المناوشة الأكثر دمويةً منذ العام 2016 بسبب ما يسمّى بـ”الصراع المجمّد” في “ناغورنو- قرة باغ”- ذلك الصراع الذي تديمه موسكو لإبقاء جميع الأطراف المعنية معتمدةً على الكرملين. وقد أقسم أردوغان على “الوقوف في وجه أي هجوم” على أذربيجان، بينما رفع كبار المسؤولين الأتراك الآخرين صوتهم ضد أرمينيا لصالح أذربيجان. وفي المقابل، دعت موسكو إلى وقف إطلاق النار، وأعربت عن استعدادها للتوسّط بين أرمينيا وأذربيجان، وأجرت تدريبات عسكرية مكثفة في اللحظة الأخيرة على الحدود الجنوبية الغربية لروسيا، بينما كانت البحرية الأميركية تجري مناوراتها في البحر الأسود.
ومرة أخرى، أدّى الوضع إلى وقوف تركيا وروسيا على طرفَي نقيض، ولكن هنا أيضاً كانت الأفضلية لموسكو بالمقارنة مع تركيا. وربما لهذا السبب، لم تتجاوز أنقرة حدود الدعم الخطابي لأذربيجان إلى حدٍّ كبير، على الرغم من أنها قامت، من جملة أمور أخرى، بإرسال مروحيات للتدريبات العسكرية. ويجدر ذكر أن المناورات العسكرية المشتركة بين تركيا وأذربيجان ليست جديدةً بحد ذاتها، ولكن من المستحيل فصل السياق الراهن عن تدريبات هذا العام. ومع ذلك، فلموسكو علاقاتٌ مع كلٍّ من أرمينيا وأذربيجان، في حين ليس لتركيا علاقات مع أرمينيا. ومن شأن اندلاع تصعيد عسكري أن يمنح موسكو فرصةً لزيادة ترسيخ وجودها العسكري تحت غطاء حفظ السلام، وهذا أمرٌ لا يمكن لأحد في جنوب القوقاز أو تركيا إيقافه.
وليس سراً أن بوتين يهدف إلى تقسيم حلف “الناتو”. فبينما ازدادت التوترات في علاقة الغرب مع تركيا على مر السنين، تساءل المحللون في كثير من الأحيان عمّا إذا كانت تركيا ستنسحب من “الحلف”. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا قد يرغب أردوغان، أو حتى بوتين، في حدوث ذلك؟ لقد نصب بوتين فخاً لأردوغان منذ فترة طويلة، وأدرك هذا الأخير حقيقة الأول بعد فوات الأوان، ولم يتبقَّ أمامه الآن سوى خيارات محدودة. ومن جانبه، يفضّل بوتين وجود تركيا في حلف “الناتو” لإحداث انقسامات أعمق داخل “الحلف”. ومن المرجح أن تواصل موسكو وأنقرة العمل في ظل الوضع الراهن غير المستقر، حيث تعقدان صفقات ظرفية وتشنّان حروباً بالوكالة بدلاً من انخراطهما في مواجهة عسكرية مباشرة، في حين يبقى ميزان القوى الإجمالي لصالح موسكو في المستقبل المنظور. غير أن هذا الوضع في حد ذاته ليس خبراً ساراً لصانعي السياسات في الغرب. وأحد أسباب ذلك هو أنه يترك روسيا وتركيا كمقررين في مناطق حيوية استراتيجياً في العالم، مثل ليبيا وسورية، حيث لا يتصرّف أيٌّ منهما بدافع تحقيق سلام فعلي. وبدلاً من ذلك، يجب أن يركز صانعو السياسات على بناء النفوذ وتأكيد موقفهم القيادي الخاص بهم، فيما يتخطى فرض المزيد من العقوبات ومشاهدة روسيا وتركيا وهما تبرمان صفقاتٍ لن تؤدي في النهاية إلا إلى ترسيخ مواقفهما، لكنها لن تجلب حلاً حقيقياً للصراع في تلك البلدان. ولن يتسبب ذلك إلا بالضرر للمصالح الأميركية، والمصالح الغربية على نطاق أوسع.
*زميلة رفيعة في معهد واشنطن.
*نشر هذا المقال بعنوان: Moscow and Ankara Will Continue Uneasy Cooperation



