ويلمينغتون -إنه الحكم الأخير على حياة سياسية حافلة بالنسبة لجو بايدن الثلاثاء المقبل.

بعد مآس عائلية ومحاولتين خائبتين للوصول الى الرئاسة الأميركية وحملة انتخابية طغى عليها وباء كوفيد-19، يأمل هذا المخضرم في السياسة (77 عاما) أن يكون أقنع الأميركيين بانه شخصية ستوحد صفوف البلاد في مواجهة دونالد ترامب الذي أثار انقساما بين الأميركيين.

ووعد نائب الرئيس الأميركي السابق بانه “يمكننا طي صفحة السياسة القاتمة والغاضبة التي سادت في السنوات الأربع الماضية” مضيفا “آن الأوان لجمع البلاد والالتقاء مجددا كأمة. لكن لا يمكنني القيام بذلك بدونكم”.

وفي واحدة من تلك اللحظات الصريحة التي تميزه، قال جو بايدن في الآونة الأخيرة إن خسارة أمام الملياردير الجمهوري الذي لا يحظى بشعبية، ستعني أنه “مرشح مثير للشفقة”.

لكن ذلك سيشكل الضربة القاضية لمسيرة وطنية بدأها وهو في سن 29 عاما، شهدت انتقالا مفاجئا من الانتصار الى الألم.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1972 احتفل السناتور الشاب المنتخب عن ولايته ديلاوير محاطا بأسرته المشرقة بفوزه في الانتخابات. وبعد شهر توفيت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.

هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر عام 2015، زادت من مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له. وهذا التعاطف جعل منه بايدن أحد سمات مسيرته السياسية.

في 2020، لا تزال بداياته الفخورة موجودة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده كنائب للرئيس باراك اوباما.

فحين يكون واقفا بات يبدو ضعيفا والشيب يغطي شعره. ويتخوف البعض حتى من صفوف داعميه بان يتعثر او حتى ينهار خلال معركته الطويلة ضد دونالد ترامب (74 عاما) الذي يعتمد اسلوبا اكثر عدائية.

وقد حرمه وباء كوفيد-19 الذي ادى الى شل الحملة الانتخابية فجاة في آذار/مارس من أحد أهم أوراقه الرابحة: التواصل المباشر مع الناخبين.

ورغم أنه استأنف في نهاية آب/اغسطس وتيرة اكبر لرحلاته، إلا ان امتثاله الصارم للتعليمات الصحية ألقى بثقله على تواجده على الأرض.

ويرى منتقدوه ان ذلك سمح له بالقيام بحملة انتخابية بعيدا عن الناخبين ومتجنبا في غالب الأحيان الصحافة.

ويطلق عليه دونالد ترامب ساخرا اسم “جو الناعس” وينتقد بشدة الاسئلة التي توجهها اليه الصحافة معتبرا انها “موجهة لأطفال” ولا يوفر هجماته على شكله.

تلعثم جو بايدن يرد تكرارا على حسابات تويتر التابعة لانصار ترامب، كما ان فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بانه رجل عجوز خرف.

يمكن للنائب السابق لباراك اوباما الرد على ذلك عبر فوزه في الانتخابات التمهيدية للديموقراطيين بعد تحول تاريخي في السياسة الأميركية.

بعدما اعتبره البعض متقدما في السن ووسطيا كثيرا، مني جو بايدن بثلاث نكسات انتخابية في وقت سابق قبل ان يفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين المتحدرين من اصول افريقية، حجر الزاوية لكل ديموقراطي مرشح الى البيت الابيض.

متسلحا بهذا الانتصار، حشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.

خلافا للمعركة المريرة والطويلة في عام 2016 بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون، تمكن بايدن سريعا من جمع التيار اليساري في الحزب مركزا على هدف واحد وهو هزم دونالد ترامب.

ويبقى معرفة ما إذا كان بايدن “الموحد” المعتدل سينجح في ابقاء الوحدة في حال فوزه في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.

وقال باراك اوباما انه حتى لو تقدم بايدن بالبرنامج “الاكثر تقدمية” في تاريخ الانتخابات الرئاسية الاميركية، فان البعض من اليسار سيعتبرونه فاترا للغاية.

كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية للديموقراطيين في 1988 و 2008.

وخلال أول محاولة، اضطر سريعا للانسحاب بعدما تبين ان خطابه تضمن عبارات مسروقة.

شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاما (1973-2009) ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017 ليسلك بذلك على مدى عقود أروقة السلطة في واشنطن.

حياة سياسية طويلة تخللتها فصول مثيرة للجدل، لكن أيضا نجاحات يبرزها اليوم.

في السبعينيات وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما يسمى بسياسة “الحافلات” التي تهدف إلى نقل الأطفال السود بالحافلات إلى المدارس ذات الغالبية البيضاء لتشجيع التعليم المختلط.

أرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما انتقدته السناتور السوداء كامالا هاريس التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية انذاك، عليه في خضم مناظرة تلفزيونية.

ولكي يثبت انه “غير حاقد” اختار بايدن كامالا هاريس مرشحة لمنصب نائب الرئيس، لتكون أول مرشحة سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.

يحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأميركيين من أصل إفريقي، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائبا محليا في ويلمنغتون إلى تطوير الإسكان الاجتماعي، مما أثار استياء السكان البيض. وغالبا ما يروي كيف أسست تجربته كحارس إنقاذ في السباحة في حي تقطنه أغلبية من السود لعمله السياسي.

لكن هناك فصول أخرى تلقي بثقلها على حملته للبيت الابيض، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق عام 2003 أو جلسة الاستماع العاصفة في مجلس الشيوخ عام 1991 ، برئاسته لانيتا هيل التي كانت تتهم المرشح للمحكمة العليا كلارنس توماس بالتحرش الجنسي.

يضاف إلى ذلك تأييده القوي ل”قانون الجريمة” لعام 1994 الذي اعتبر مسؤولاً عن ارتفاع كبير لعدد المعتقلين بينهم نسبة كبيرة من الأميركيين المتحدرين من أصول افريقية.

ويعترف جو بايدن اليوم بانه كان “خطأ” مشددا على شق آخر من هذا الاصلاح الواسع النطاق: قانون ضد العنف بحق النساء والذي يقول إنه “الأكثر فخرا به”.

فور وصوله الى البيت الأبيض نائبا للرئيس باراك اوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة انعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.

وغالبا ما يذكر هذا الامر لكي يثبت انه بامكانه انعاش الاقتصاد مجددا، بعدما تضرر كثير بسبب تداعيات الوباء.

“يعمل في السياسة منذ 47 عاما، ولم يقم بشيء إلا في عام 1994، عندما تسبب في الكثير من الأذى لمجتمع السود”، يسعى دونالد ترامب إلى انتقاد بايدن باستمرار.

يرد بايدن بان هذه الانتخابات تمثل اختيارا بين الطبقة العاملة والطبقة الوسطى التي يدافع عنها، و”بارك أفينيو” الشارع النيويوركي الذي يشكل رمزا للوريث الثري.

ويؤكد باستمرار على أصوله المتواضعة. ولد جوزف روبينيت بايدن الابن في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.

في الخمسينيات من القرن الماضي شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة. بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد عدة زيارات نقل العائلة الى ويلمنغتون وكان جو بايدن في سن العاشرة. وجعل منها معقله.

وقال بايدن “كان والدي يقول دائما: +بطل+ ننظر الى الرجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها وانما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض”.

لكن عدة نساء استنكرن سلوكياته التي تستند الى اللمس واعتبرن انها غير مناسبة.

ووعد بالانتباه من الان وصاعدا “للمساحة الشخصية” للاخرين، واعتذر الديموقراطي في نيسان/ابريل 2019.
اما دونالد ترامب المتهم من قبل اكثر من عشر نساء بالاعتداء الجنسي او التحرش فلم يعلق كثيرا على الاتهامات الخطيرة من امراة تدعى تارا ريد وتقول ان جو بايدن اعتدى عليها في التسعينيات.

وهو ما رفضه بشكل قاطع.

وبقيت زوجته جيل بايدن (69 عاما) التي قامت بحملة من اجله في جميع انحاء البلاد، متكتمة حيال هذا الاتهام.

وجيل بايدن المعلمة الديناميكية، تشكل أحدى الاوراق الرابحة في حملة بايدن. وقد تزوجا عام 1977 ولهما ابنة تدعى آشلي.

وروى بايدن في مذكراته أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين بالزواج من جيل. ويقول عنها “لقد منحتني الحياة مجددا”.

غالبا ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ عام 2015 قائلا “هذا لا يختفي أبدا”. وفقدان نجله حال دون خوضه الانتخابات الرئاسية عام 2016.

تولى جو بايدن الذي أصبح أرملًا بعد حادث السيارة المأساوي مهامه كسناتور في كانون الثاني/يناير 1973 وكان الى جانب ابنيه في المستشفى اللذين اصيبا في حادث السير.

حتى اليوم، يتوقف لتحية رجال الاطفاء مذكرا بانهم هم من “انقذ حياة” ولديه وحياته أيضا.

ففي العام 1988، نقله رجال الإطفاء إلى المستشفى بشكل طارئ اثر تمدد الأوعية الدموية.

اعتبرت حالته خطيرة لدرجة أنه تم استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.

كاثوليكي فخور بأصوله الأيرلندية، يذهب جو بايدن كل يوم أحد تقريبا الى كنيسة القديس يوسف الصغيرة في برانديواين في حيه الراقي في ويلمنغتون.

هناك في المقبرة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين باعلام اميركية.
في كانون الثاني/يناير، قال جو بايدن عن ابنه “كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: + هل هو فخور بي؟ +”.(أ ف ب)

الوسوم

الانتخابات الاميركية 2020 البيت الابيض جو بادين دونالد ترامب واشنطن