منذ تلك الفترة والعالم الآخر،عالم القوة والسيطرة والبطشينظر لنا وكأننا فيعالم مهمش حضارياً،حيث النظرة الاستعلائية والدونية والتقزز فيالعديد من المرات،والتقرب منا فيمرات أقل حين تتفق المصالح،لذلك بقينا محصورين بين نظرة الآخر إلى إنسانيتنا وحياتنا وتركيبتنا الذهنية،ومخيالنا الذيسطرنا به ملاحم شعرنا،وبين عدم استطاعتنا نقد ذواتنا،والخروج من أزماتنا .
لقد عاش الإنسان العربيفيالشرق والغرب أزمات متعددة ومتنوعة،تختلف فيحجمها وقوتها وطرائق التغلب عليها،ولكن كلما حاولنا التفكير فيحل أزمة ما،تبرز لنا أزمة جديدة،وكأننا خلقنا لأجل الأزمات . فالعربيمأزوم فيبنيته العقلية التيأوجدت الحروب فيالعصور التيسبقت الإسلام،أليس حرب داحس والغبراء،وحرب البسوس هيأزمة فيالعقلية المتحكمة فيمصائر الشعوب آنذاك ؟ أليس العلاقات التيبنتها الغساسنة والمناذرة مع الفرس والروم هيأزمة فيالتكوين العربيتجاه تحديد المصير والدفاع عن المصالح الخاصة به ؟ ! أليست السقيفة التيغيّرت الكثير من أحداث التاريخ خلقت أزمة حقيقية فيالبناء العقليوالعاطفيللعرب جميعاً؟ أليس سقوط بغداد علىيد التتار هيإحدى الفواصل التيبنت أزمات العرب والمسلمين فيالعصر العباسي؟ هكذا كانت الأزمات السياسية والعسكرية قد أثرت بشكل مباشر على الإنسان العربيحتى اغتصاب فلسطين وحرب لبنان الأهلية،وما نحن فيه الآن بعد حرب الخليج الأولى والثانية،أليس كل عربييقفيتأمل العجز العربيتجاه القوات المتمركزة فيالخليج لضرب العراق ؟
إننا دائماًنعترف بأزمتنا،ونعلن عبر الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة عن أزمتنا،عن أزمة الهوية العربية،أزمة التفكير فيالخروج من الزجاجة الأمريكية،أزمة البحث عن الحلول،عن العلاج والوقاية ،ولكن كل هذا لا نقدر عليه البتة لأننا منغمسون فيأزمة التنمية البشرية فيعالمنا العربي،منغمسون فيأزمة نسج العلاقات المتبادلة بيننا،منغمسون فيأزمة الانقاض على بعضنا بعضا،منغمسون فيعجزنا مَنْفقد شهية تحرير قلب الأمة العربية فلسطين .
بهذه الأزمات المتعددة المتنوعة التيجاءت فيالصورة المباشرة أوغير المباشرة حاولت الروائية حنان الشيخ أن تبرزها فيصورة أزمة الفتاة اللبنانية التيعانت الفقر والعوز والحب والتشرد والهجرة والحرب الأهلية،وفيصورة الأحزاب فيلبنان التيكانت تبحث عن هوية خاصة بها لترى ذاتها من دون ذوات الآخرين،وفيصورة الهجرة التيقام بهـا اللبنانيون بعد الفشل أو التعب أو الجوع أو الفقر إلى العديد من الدول،وكيفية العلاقة فيبلد المهجر بين الاغتراب الذاتيوالاغتـراب المكاني،بين الاغتراب المعنويوالاغتراب المادي .
وهذه المحاولة كانت فيرواية ” حكاية زهرة ” الصادرة عن دار الآداب فيطبعتها الثانية،من خلال مكانين متباعدين،وأزمنة متداخلة متقاربة،بين مكان الولادة والنشأة والتربية والدراسة،وهو لبنان،وبين مكان الغربة والهجرة وتأمل الآخر ،وهو إفريقيا،حيث الحكاية تبدأ بكشف العلاقات الأسرية فيبيت أم زهرة ” فاطمة” ،تلك المرأة التيكانت تأخذ ابنتها زهرة كغطاء لها فيأثناء لقائها الحبيب التيتعيش معه أجمل لحظات الحب وملذات الجسد ” 000شاهدتها مرة تحت شجرة جـوز خضراء،رأسـه فيحضنها تغنيلـه ( أيها النائم ) 000ص12 ” ،كما كشفت فيالوقت نفسه تلك العلاقةغير الواضحة عند زهرة تجاه خالها المغترب ؛ إذ ترى أن خالهايتعامل معها وكأنهاغريبة عنه نسباًعلى الرغم من أنهيراها ابنة أخته،غير أن الغربة والدخول فيمزالق العلاقاتغير الطبيعية فيإفريقيا قديرى الملذات فيالقربى أيضاً،وهذا ليس بغريب،فالأم لم تكن وفية لزوجها،وزهرة لم تكن وفية لجسدها وعواطفها،لذلك بينت الكاتبة أزمة الإنسان اللبنانيفيهذه الحالة المؤسفة عند زهرة التيعانت من أمها وهيتمارس العلاقة معغير أبيها،وعانت من أبيها فيظل ظروفه العملية وطبيعته المنزلية،وعانت من إفساد حياتها حين مارست الجنس مع شخص لا تكن لـه أدنى عاطفة أو تقدير. فهيباتت فريسة الرجل / الذئب الذيفض بكارتها مرتين وحملت مرتين،وأجهضت مرتين،ولكن لم تستطع علاج البكارة إلا مرة واحدة.
وهنا كانت الكاتبة ترميمن ذلك إبراز أزمة الإنسان العربيالحالم بالزواج الذييكشف لـه عذرية زوجته ،فهذه زهرة بعد ما أرادت التخلص من معاملة خالها لهاغير الراضية عنها فكرت فيالزواج من ماجد الذييكتشف فض بكارتها قبل الزواج من دون أنيعرف الشخص الذيأقدم على هذا الفض.
ومن خلال هذه الأزمات تبرز الروائية أهمية الإنسان فيالغربة وكيفية بناء العلاقات الإنسانية مع الآخر،أو العلاقات التيتساهم فيبقائه فيبلد المهجر،أو العلاقات التيتسد جزءاًمن شغفه الجنسيوتعطشه الشهوانيالموقت ،ممايقع الإنسان من دون أنيعيفيبعض الأمراض الجنسية أو النفسية أو العصبية.
وإذا كانت الأزمات تتكالب على الإنسان العربيمن خلال العلاقات المتعددة فيطبيعة الحياة،فالكاتبة وقفت فيالقسم الثانيعلى الحرب الأهلية اللبنانية, لتكشف عن سوء استخدام السلاح ،ودور الأحزاب وتعددها ،ورغبة الناس فيالهروب أو الهجرة أو البقاء فيظل الهدوء والسكينة،هذه الحرب التيصوّرتها الكاتبة،وصوّرتها المحطات المتلفزة والصحف المقروءة وكأنها أفعى تأكل وتلتهم ما تراه أمامها ،فهيالحرب والدمار والموت والحزن وقتل البسمة التيكانت ترتسم على شفاه الأطفال. وهنا تأتيالأزمة واضحة فيقراءة واقع الحرب وكيفية التخلّص منها،إذ تصور الكاتبة هذه الأزمة على لسان زهرة التيما عادت تطيق الحياة فيظل هذه الأوضاع ” كنا نفكر ونقول،بل الجميعيفكر ويقول عندمايتسلم كراميرئاسة الوزراء سوف تنتهيالحرب،عندمايتراجع كمال جنبلاط عن طلبه تأديب الكتائب ستنتهيالحرب ،عندمايتنازل رئيس الجمهورية عن منصبه سوف تنتهيالحرب ص156 ” .
حاولت الروائية حنان الشيخ أن تجعل الفتاة اللبنانية أنموذجاًلأزمة الفتاة العربية التيتعانيجبروت العادات والتقاليد والنظرة الذئبية من قبل الرجل،هذا الرجل الذيلايعرف من المرأة إلا مدى ما تقدمه من لذة جنسية وجسدية لـه،أليس هناك حبيب لأم زهرة،وهناك مالك الذيمارس مع زهرة من دون أنيتزوجها،وهناك ماجد الذييرى عفاف المرأة وكرامتها فيبكارتها ،وكأن هذا الغشاء الرقيق هو عنوان المرأة العذراء ،أليست زهرة التيأجهضت أصلحت هذا الغشاء؛ بمعنى أن الغشاء ليس دليلاًعلى العفة والشرف،ألميقل الشاعر الكبير محمد مهديالجواهري ” أترى العفاف مقاس أقمشة00ظلمت إذن عفافا00هو فيالضمائر00لايخط ولايقاس ولايكافا00من لميخف حكم الضمير00فمن سواه لنيخافا ” .
ولكن نقول أيضاًإن زهرة التيأخذت صورة الفتاة العربية،هيأيضاًلبنان،فالاثنتان اغتصبتا من قبل الآخر / المسيطر،الذييملك الكثير لأجل الحصول،زهرة التيهجرت لبنان،هيلبنان التيلم تعد تعرف أهلها فيالحرب،ولميعد أهلهايعرفها لمايقومون به من قتل وقنص ودمار،فالكل باتغريباًعن الآخر،زهرة التيتشظت بين لبنان بلد المولد والمنشأ ،وإفريقيا بلد الغربة والهجرة والزواج،والتيتشظت بين الواقع المرير وما تحلم به كل بنت ،بين الجمال التيتراه لبنان فيفتياتها وبين البثور التينثرت على وجه زهرة،وتقول ” وها أنا أصبحت كلبوه جرحت جروحاًطفيفة فيكل أنحاء جسمها. ثم لبوه جرحت جروحاًعميقة فيقلبها ص154 ” ،وكذلك لبنان هو أيضاًكان مجروحاًمن أهله وناسه،مجروحاًفيبنيته التحتية،فيتكوينه النفسيوالاجتماعي.
المصدر: بوابة المرأة


