عمار براهمية
تتسارع الأحداث وتتوالى التصريحات بتفاعل رسمي بين الجزائر وفرنسا، لتتضح بذلك معالم سياسة جديدة تتجه حتما نحو اعادة صياغة العلاقات البينية بين البلدين لتتوازن المعاملات وتتلازم القرارات بما تتقتضيه التوجهات السياسية المستجدة، ولكن هذه المرة زمام المبادرة لمن؟ ولصالح من؟ وما هي الأوراق المؤثرة بالنسبة للطرفين؟
فورقة الجالية الجزائرية مثلا كانت حاضرة في سياق تصريحات سفير الجزائر لدى فرنسا والذي مازال مستدعى لحد الساعة من الجزائر التي عبرت باستدعائه عن رفضها المطلق للتصريحات الفرنسية وتدخلاتها غير الدبلوماسية،
حيث تحدث السفير الجزائري عن ضرورة تنظيم الجالية وتأطيرها كقوة مؤثرة في فرنسا باعتبارها أقوى جالية من حيث العدد هناك، وهي بذلك مسؤولة ولها دور كبير في ترجيح الكفة السياسية، ما جعل الخارجية الفرنسية تطالب هي ايضا بضرورة احترام الجزائر لسيادتها، والسؤال هل حدث وأن طلبت فرنسا ذلك من قبل؟ أم أن طلبها كان فيه تعبير عن اسقاط نفسي لا شعوري؟ لأن السفيه لا يشك إلا بما فيه،
وهذا الأمر لا يتقبل تفسيرات كثيرة لاعتبارات بسيطة بداية من حق وواجب رعاية واهتمام الدول بمواطنيها وجاليتها بالخارج، ثم لماذا تهتم هي بالحركى وهم ليسوا مواطنيها قدر ما هم كانوا متعاونين معها ضد اوطانهم؟ وبعيدا عن كل ذلك فأي دولة لها جالية بالخارج بهذا العدد ستسعى حتما لتوظيفها في خدمة بلدها الأصلي الذي لن تنساه، خاصة وأن الأمر لا يكتنف تعارضا مع مصالح الوطن الذي تعيش فيه،
وهذا ما يجب أن يكون في سياق الممارسة الطبيعية والإيجابية للجالية في الخارج، التي تتفاعل بشفافية وعلنية بعيدا عن التدخلات السلبية، أما المفارقة العجيبة فتتمثل في الموقف الفرنسي الذي فيه تناقض مع مطلبها المرتبط باحترام بسيادتها، لانها هي التي تتعمد في مناسبات عديدة توظيف واستخدام الخونة من المتعاونين معها تاريخيا لضرب مصالح بلدانهم الأصلية خدمة لأجنداتها الانتهازية،
بل والأدهى انها جعلت لخونة الأوطان يوما وعيدا ولقاءات وحوارات ونقاشات مع مسؤولين لطرح سمومهم وبث ادعاءاتهم الباطلة وكل ذلك للتدخل في شؤون دول مستقلة، فهل يوجد تدخل أخبث من هذا؟ ولتتخذ فرنسا من هؤلاء مدخلا مؤثرا بالسلب في مشهد بلدان تحررت من استعمار فرنسي بغيض، لكن بقيت أطماعه مستمرة بطباع متجددة ومشتركة في نقطة واحدة مفادها الأولوية دائما لفرنسا،
وهذا ما ترفضه الجزائر الرسمية والشعبية وورائها افريقيا القارة التي كانت ضحية عقود استعمارية انهكت مستقبلها واستباحت ثرواتها لبناء اقتصاديات البلدان المستعمرة واولها فرنسا، فمتى ستحاسب فرنسا نفسها؟ ومتى ستستند في خطابها على الموضوعية التي لن تترك مجالا لشطحات الاستعلاء الفارغ بمسمى التطور والحضارة التي بنيت على عاتق شعوب عذبت وقهرت ظلما لانها لم تكن تمتلك قوة تدافع بها عن نفسها،
لكن اليوم هيهات لأن المعادلة تغيرت فعليا وبشكل جذري لصالح الجزائر التي تمثل القوة الضاربة عسكريا في المتوسط وقاريا، ولها من الأوراق الاقتصادية والخيارات الاستراتيجية ما يعطيها أسبقية المبادرة والاخذ بزمام الامور في صالح شعوب المنطقة،
والردود الجزائرية لن تكون سطحية كما يريد بعض المتخاذلين توصيفها او تصغيرها، بل هي ضاربة في العمق وتترك أثارا في شتى الميادين والمجالات الحيوية، وأوراقها القوية تشتمل على كل المقومات الضرورية لتكون رائدة وصاحبة كلمة سيادية وداعمة للقضايا العادلة رغم أنف المتغطرسين زورا والمتربصين سوءا ببلاد الشهداء والثورة التي أعطت لافريقيا نفس الحرية، وها هي اليوم تخاطب بكل حزم من لم يفهموا انتهاء وجودهم الانتهازي والاستغلالي بأن الجزائر صارت حصنا منيعا يذود عن افريقيا وشعوبها المتضررة من نزوات المستدمرين ومن يقبعون في بلدان لها شعوب مكافحة وتستحق الحرية….
كاتب جزائري
Source: Raialyoum.com