سيكولوجية الشائعات الأميركية


وها هي الولايات المتحدة تخوض هذه الصراعات معتمدة علىمبادئ الحرب النفسية التي استعملتها في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي. فهلضمنت الولايات المتحدة الحصانة ضد هذا النوع من الحروب؟. أم أنها كسائر الدول عرضةللتأثر بالحرب النفسية وبالشائعات خصوصاً؟. و بمعنى أدق هل  تؤثر أخبار العراق وشائعاته على الجمهور الأميركي؟.

في ما يلي نعرض لبعض الشائعات التي تركت بصماتها على الجمهور الأميركي. وفي الاستعراض شائعات قديمة قابلة للدراسة بعيداً عن ضغوط الراهن وتحليلاته المتأثرة بهذه الضغوط بما يفقدها الموضوعية…

 

ما هي شروط انتشار الشائعة؟. يجيب الأخصائيون على هذا السؤال من خلال مناقشتهم لحادثة المفاعل النووي في جزيرة ثري مايل في بنسلفانيا. فقد أثارت هذه الحادثة عدداً من الشائعات التي يمكن اتخاذها كمثال لدراسة أسباب انتشار الشائعة وأسباب تكرار ظهور بعض الشائعات بصور مختلفة.

 

ظهرت الأخبار الأولى عن الحادث الذي جرى في المنشأة النووية في جزيرة ثري مايل بالقرب من هاريسبورغ في بنسلفانيا في 28 آذار 1979 وبعد ثلاثة أيام انتشرت شائعة في المدن المجاورة تقول بأن المفاعل سينفجر. وتمضي القصة قائلة بأن الانفجار سوف يدمر كل شيء على مساحة أميال حوله وينفث الإشعاع النووي في مناطق واسعة. وعلى الرغم من وجود مخاطر حقيقية كثيرة فلم يكن هناك خطر انفجار وشيك. ولتأكيد هذه النقطة ظهر هارولد رابي دانتون من لجنة تنظيم الشؤون النووية على التلفزيون ليعلن بوضوح أنه على الرغم من أن مفاعل المنشأة لا يزال تحت خطر جدي فإن غاز الهيدروجين المجتمع فيه لم يصل بعد إلى درجة قريبة من درجة الانفجار.

 

كما أنه لم يكن هناك احتمال لانفجار نووي من مستوى قنبلة هيروشيما وحصول انفجار كيميائي لغاز الهيدروجين سيكون أقل قوة بكثير. على الرغم من أنه قد يتسبب بحصول تصدع في غلاف الوعاء الحاوي مما يؤدي إلى نشر الإشعاع النووي في المنطقة الريفية المجاورة. وكانت شائعة الانفجار واحدة من عشرات الشائعات التي سرت في منطقة هاريسبورغ وجوارها في الأيام التي أعقبت الحادثة. ذلك لأن حادثة جزيرة ثرى مايل كانت مثالا رائعا للظروف المؤاتية لانتشار الشائعات. ففي الدرجة الأولى كانت النتائج المحتملة للحادث قاسية وكانت تشكل تهديداً للحياة نفسها. ثانياً ، كان هناك قلق كبير وحيرة بين الأهليين الذي كانوا يحاولون اتخاذ قرار حول ما إذا كان عليهم الفرار من بيوتهم أم لا .

فكم من الناس،عدا المهندسين والعلماء، يمتلكونفهماً كافيا لكيفية تمديد الأنابيب في المنشآت النووية ؟. وكان هناك جانب مرعب آخرفي الحاثة وهو يتمثل في طبيعة العدو الغامضة، فقد كان ذلك العدو إشعاعاً مميتاً لايرى ولا يمكن التنبؤ بنتائجه.

وفي محاولة لإيقاف موجة الشائعات أفتتح الحاكمديك ثورنبرغ مركز السيطرة على الشائعات في هاريسبورغ وكان يمكن لأي شخص أن يتصلبالهاتف بهذا المركز ليحصل على الحقائق. وعندما بدأت بعض الشائعات المتفائلةبالانتشار، شعر جويل ثمروتثالر وهو أحد مسئولي طوارئ الولاية في المنطقة بأن الأمريشبه ما يحدث في رواية روسية بقوله: … ويستمر الوضع في الهبوط والهبوط، والهبوطحتى نرى أنه لم يعد هناك مجال للمزيد من الهبوط، ثم يحدث شيء ما ويبدأالصعود….

لقد مررنا بأسبوع من الشائعات الفظيعة أما اليوم فهناك ما يمكنناأن نحسبه شائعة طيبة. ولكن الناس ستفقد ثقتها بالأخبار الطيبة لفترة من الزمن فيحال حصل تسرب إشعاعي جديد ،أوأي إنذار آخر من أي نوع هناك، في المنشأة. فعندها لاأظن أن ثقة الناس التي ضعفت بسبب الحادث سوف يمكنها أن تتحمل ذلك، وهذا الآن مايثير قلقنا أكثر من قضية الإجلاء.

ومع أن الشائعات التي نجحت عن حادثة جزيرةثري مايل كانت من النوع القصير الأمد، فإنها بالتأكيد سوف تعاود الظهور لدى حصولأية أزمة مشابهة في المستقبل. فحتى الشائعات التي تبدو تافهة تغوص في أعماق النفوسليس لأنها تكون موضوعا للقيل والقال، والثرثرة الاجتماعية المثيرة بل لأنها تلامسالحيرة والقلق العميقين السائدين في زمن الشائعة. فقد حصل في سنة 1978 مثلاً أنظهرت شائعات حول بعض المنتجات الغذائية المشهورة، وتقول أحدها أن شركة ماكدونالد،تضيف الديدان إلى سندويشات الهامبرغر التي تنتجها لتقوي المحتوى البروتيني فيها. وتقول شائعة أخرى أنك إذا ما شربت الصودا وأكلت حلويات من ماركة بوب روكس فسوفتتفجر معدتك. وحدث أن ذكر مذيع إحدى الإذاعات هاتين الشائعتين وسارع إلى القول بأنكلتا الشائعتين على خطأ ولكنهما انتشرتا في مناطق مختلفة من البلاد خلال تلكالسنة.

وقد اضطرت شركة ماكدونالد وشركة جنرال فودز ،منتجة بوب روكس، إلىإنفاق آلافالدولارات في مجالات إعلانية ونشاطات أخرى لدحض الشائعات . وتعتقد شركةماكدونالد أن قصة الديدان بدأت في الصيف السابق في مدينة تشاتانوغا في ولايةتينيسي.

وكانت الشائعة في البداية تقول بوجود عنصر غامض في سندويشات هامبرغرويندي وهي شركة منافسة لماكدونالد. ويلاحظ أحد علماء النفس أن الخوف من وجودالديدان الهامبرغر هو خوف معقول ومبرر لأن لحم الهامبرغر النيئ يفرم بشكل لولبييشبه الديدان، ولكن سرعان ما انتقلت الشائعة لإلصاق صورة الديدان بسندويشاتماكدونالد . وظهرت قصة حلويات بوب روكس في غضون أسبوع واحد من إطلاق هذه المادة فيإحدى مناطق البلاد وتقول الشائعة أن أحد الأولاد في الجانب الآخر من المدينة أو أحدمشاهير التلفزيون قد أكل ثلاثة أكياس من تلك الحلويات بينما كان يشرب الصودا فماتمن جراء الانفجار الذي حصل بعد ذلك في معدته.

وتستهوي هذه الشائعات حولماكدونالد وبوب روكس أكثر ما تستهوي الأطفال الذين يحبون قصص الشقاوة والقصصالفظيعة. ونستطيع أن نتصور كيف أن الأطفال الذين يروجون مثل هذه القصص يباهون أمامرفاقهم بأنهم أكلوا من هذه المنتجات وبأنهم من المغامرين. لكن هناك ما هو أكثروأعمق من ذلك فاستمرار هاتين الشائعتين في الرواج قد يفسره القلق والحيرة الشائعتينفي المجتمع حول ما يضاف إلى المنتجات الغذائية والكولسترول والمخاطر الصحية في بعضأنواع الطعام الذي تتناوله والتوترات والمخاوف التي تنتقل من الأهل إلىالأطفال.

ويكفينا بالنسبة لهذه الدراسة أن نعرف الشائعة بأنها رواية منتشرةبين الناس دون أن يكونوا متأكدين من صحتها. وقد تعلم علماء النفس الكثير عن نشوءمثل هذه القصص وانتشارها منذ ظهور كتاب ( علم النفس الشائعة ) لغور ودون والبورتوبوستمان وهذا الكتاب هو أصل الأعمال في هذا الحقل.

هذا ويعتمدون قانونالشائعة الأساسي حسب هذا الكتاب ،وهو القانون الذي كان مقبولا حتى وقت قصير مضى،يعتمد جزئيا على نظرية الجيشتالت في علم النفس. التي تؤكد على أن الإدراك الحسيللأشياء ينحو دائما نحو البساطة والانتظام والإحساس بالاكتمال. وبأن الشائعات تنبثقلتشرح المواقف المميزة التي تهمنا ولتريحنا من توتر الحيرة. ويفترض البورت وبوتسمانأيضا أن عدد الشائعات يتغير حسب أهمية موضوع الحدث ومقدار الغموض فيالموقف.

بالرغم من القبول الواسع الذي لقيه هذا القانون الأساسي في علمالنفس الاجتماعي فإنه لم يثبت تجريبياً. وتشير نتائج تحقيقات عديدة الآن إلى أنهناك متغيرات أخرى بالإضافة إلى الأهمية والغموض تؤثر على منشأ الشائعات ودوامها. فقد قامت الدارسة في علم النفس الاجتماعي سوازان انطوني ،في كلية ثمالوديت فيواشنطن، بإحدى هذه الدراسات. وهي قامت مؤخرا باختبار الفكرة المتضمنة في إحدىنظريات كارل يونغ والتي تقول: ” إن الإثارة العاطفية ضرورية لاستمرار حياة الشائعة “. وقد أجرت أنطواني اختبارا قياسيا في القلق المزمن لعدد من الطلاب الثانويين فيفيلادلفيا، وعلى أساس نتائج الاختبار قامت باختيار الطلاب الذين كانوا يتميزون إمابدرجة عالية من القلق أو بالهدوء النسبي. ثم إختارت بضعة طلاب من كل نوع وأخضعتهملمقابلة مع مرشد توجيهي للتحدث حول النوادي التي كانوا ينتمون إليها. وخلال تلكالمقابلة قام المرشد ،بطلب من الباحثة، بإطلاق شائعة تقول بأن صعوبات مالية قد تجبرالنوادي على وضع حد لبعض أنشطتها ثم ذهب المرشد بعد ذلك تاركاً الطلاب مع أعضاءآخرين في النوادي .

عندما سئل الطلاب فيما بعد إذا كانوا قد ناقشوا الشائعةفيما بينهم وجدت انطوني أن الطلاب ذوي الدرجة العالية من القلق نشروا الشائعة بحماسأكثر كثيرا مما فعله الطلاب الآمنون .

وقد قام الباحث روسنو بالعمل معأنطوني والعالمة النفسية ماريان جايفر بييريان من مدرسة لندن لاقتصاد في تجربة كانمن شأنها أن أثبتت ووسعت ما اكتشفه أنطوني في تجربتها. وقام هؤلاء بإجراء دراسة فيثمانية من صفوف الكلية فنشروا شائعة تقول إن طلاباً في صفوف أخرى قد ضبطوا وهميدخنون الماريجوانا في امتحان نهائي. وكانوا قد قاموا قبل بضعة أيام بقياس درجاتالقلق المزمن عند الطلاب متبعين المثل الذي وضعته أنطوني في تجربتها السابقة، وبعدأسبوع سأل الطلاب إذا ما كانوا قد نشروا القصة.

وكانت النتائج التي توصلاليها الباحثون بالإضافة إلى الأبحاث التي نشرت في كتاب ( الشائعة والقيل والقال،وعلم النفس الاجتماعي والشائعة ) الذي ألفه روسنو بالاشتراك مع العالم الاجتماعيغاري ألان) إن هذه الأبحاث تدعم النظرية التي تقول إن الشائعة ننتج عن الامتزاجالأقصى بين الحيرة والقلق. وباختصار، فإن الشائعة تعيش إما لتحقيق الحاجاتوالتوقعات التي إثارتها أو حتى تخفضمستوى القلق.

كان القانون الأساسي لدىالبورت وبوتسمان يتفاعل مع الشائعات القصيرة الأمد التي تنتعش في غياب الأدلة التيتنقضها. ولكنها سرعان ما تحدث عندما تجد ما يدفعها أو عندما تصب في نواح ذات مغزىبالنسبة لحاجات الجمهور. وهناك حاجات وتوقعات لا تسكن ولا تهدأ ومن بينها الحاجةلفهم الوضع الإنساني والجوع لما هو فوق الطبيعة. مما يجعل من الشائعة حاجة إنسانيةواجتماعية. لذلك فإن أهم الشائعات هي تلك التي تستجيب لهذه الحاجات فتعاود الظهورتكراراً وتتجذر في بنية المجتمع الإيمانية والفلكلورية.

وقد كان الناس منذقرون ولا يزالون يتبادلون الشائعات غير المألوفة التي كان أبطالها غالباً منالمخلوقات الأسطورية أو الوحوش أو من القادمين من كواكب أخرى.

وكان يونغيسمى هذه الحكايات بالشائعات التخيلية أو بالأساطير الحية، وكان يعتقد بأن الشائعاتالعادية تعتمد على الحشرية والسعي وراء الأشياء غير العادية أما الشائعات التخيليةفتحتاج إلى شيء غير ذلك إذ تحتاج إلى عاطفة عميقة مشتركة بين العديد من الناس. وكانيونغ ينظر إلى حكايات الصحون الطائرة كشائعات تخيلية ناجمة عن توتر عاطفي وكربجماعي من حالة العالم. إضافة إلى رغبة لا واعية بمجيء قوة خارقة من ما وراء الطبيعةللتخفيف من المخاوف. فمشاهدات من نوع الصحون الطائرة يبلغ عنها منذ القرن السادسعشر. إلا أن هناك تزايداً في الإبلاغ عن هذه المشاهدات عم العالم كله منذالأربعينيات من هذا القرن. ويبدو أن حكايات معاصرة عن الصحون الطائرة وركابها تدعمتفسير يونغ. ومعظم هذه الحكايات تتركز إما حول مخلوقات عليا طيبة أتت لإنقاذالإنسانية أو حول مخلوقات شريرة بتهديها أهل الأرض بأجمعهم وتلعب دوراً في توحيدأصحاب العقائد المختلفة ضد عدو مشترك.

ومن أقدم الشائعات التي راجت فيالولايات المتحدة مجموعة من الروايات حول الأطفال الشيطانيين. وأول هذه الرواياتالمذكورة تدور حول طفل افترض أنه ولد لامرأة تدعى السيدة ليذر من ليدزيونيت فيولاية نيوجرزي في عام 1735 . وتقول الرواية إن السيدة لم تكن راضية بعيشها فيالحياة. وأنها كانت أماً لإثني عشرطفلا وأنها لذلك دعت إبليس لأن يلعن حملها الثالثعشر. وتمضي الرواية قائلة إن الطفل نبتت له مع مرور الوقت أجنحة وذيل كذيل السحليةوحوافر ووجه كوجه الحصان. وكما يمكننا أن نتوقع فإن شيطان ليدز، المعروف أيضا باسمشيطان جرزي لا يموت. وكان يشاهد لسنوات عديدة في النواحي الجنوبية لنيو جرزي. وخاصةفي المستنقعات في منطقة باينبارينز. وفي القرن التاسع عشر سرت شائعة مفادها أن أحدالقضاة المحليين قد عقد صداقة مع ذلك الوحش. وكان الاثنان يتناولان طعام الإفطارسوية ويتباحثان في الشؤون السياسية. ويبدو أن ذلك الشيطان كان لا يزال حياً حتى عام 1966 وبصحة جيدة. فقد روى أحد جنود الولاية أنه شاهد أثر حافر أكبر من كف الإنسان،وقد أطلق هذا الكلام موجة جديدة من التكهنات حول ذلك الوحش الشيطاني. ويمكن تفسيربعض الشائعات القديمة أيضا بكونها انعكاسات للصور الخطية الأصلية وموت الأبرياء. وهي فكرة تتناقلها الأجيال المتعاقبة في تراثها وتشكل أحد الموضوعات التي تستمر فيالعيش في التراث والأساطير الشعبية.

ولقد سرت شائعة من هذا القبيل فيالولايات المتحدة في أواخر عام 1969 تقول إن بول ماكارثي عضو فرقة البتلز الغنائيةقتل في حادث سيارة وأن بديلا له أخذ مكانه. وسرت الشائعة كالبرق عبر البلادوتناقلتها صحف الجامعات والأحاديث بين الطلاب تغذيها الهمزات والتلميحات. وتشبهشائعة ماكارثي أسطورة الإله الإغريقي ديو نيزيوس، الذي قيل إنه لقي مصرعه بعنف ثمأعيد إلى الحياة. هذا ويؤكد دارسو الكوارث أن المواقف الكارثية تنتج نوعا غريباً منالشائعات الدائرية التي تبدو في ظاهرها مثيرة للقلق ولكنها في الواقع قد تؤدي إلىخفضه. فالناس الذين يتجمعون مصادفة في أعقاب كارثة ما، مثلا قد يتناقلون بعضالشائعات التي يمكن أن تؤدي إلى التخفيف من القلق حول المشاكل المشتركة. فبعدالزلزال الذي حصل في الهند في عام 1934 مثلا سمع الناجون شائعات بوقوع كوارث أسوأ. ويفترض عالم النفس ليون فيستنفر في كتابه ( نظرية التفاوت المعرفي ) أن الشائعاتساعدت في تخفيض التفاوت العاطفي الناجم عن شعورهم بالذنب لبقائهم على قيد الحياةبعد الزلزال. ويمكننا القول بأن إعطاء الناجين من الزلزال شائعات ترعبهم فإن هذهالشائعات سوف تساعد في صرف انتباههم عن القلق الذي ينتابهم لكونهم نجوا من الكارثةبينما هلك أصدقاؤهم وأقرباؤهم. وبما أن الشائعات تفسر الأحداث وبذلك تخفف من التوترالذي ينجم عادة عن الغموض، فهي تنتعش في أجواء السرية والتنافس. ويعلم العاملون فيالمكاتب مثلا، كيف تسري الشائعات بسرعة عبر ممرات المكاتب عندما يستلم رئيس جديد أوعندما تنتقل المكاتب إلى بناء اختفت لتعاود الظهور في نيسان 1988 عندما آخر…الخ. والشيء نفسه يحصل عندما يتفاوض رؤساءالدول فتنتج المفاوضات طوفاناً من الشائعات عن سير المفاوضات.

ونعطي مثالاًعلى ذلك شائعة عالمية خطيرة سرت عام 1977 عندما ألقي القبض في موسكو على المراسلالصحفي الأميركي روبرت توث من صحيفة لوس أنجلس تايمز بتهمة الحصول على أسرار رسميةحول الأبحاث السوفيتية في حقل الإدراك الحسي. وعقب ذلك نشرت صحيفة نيويورك تايمزمقالاً في صفحتها الأولى ألمحت فيه إلى احتمال وجود علاقة بين حادثة إلقاء القبضعلى المراسل وبين تصريح أدلى به رئيس الحزب الشيوعي السوفياتي بريجينيف ( أشار فيهإلى سلاح جديد غامض أكثر هولاً من أي سلاح عرفه العالم حتى الآن. وهناك دليل على أنبريجينيف كان يشير إلى الأبحاث حول الإدراك فوق الحسي). ولكن بالنظر إلى العلاقةالسوفياتية الأميركية المتوترة في ذلك الحين. فإن تصريح بريجنيف كان غامضاً بما فيهالكفاية ليطلق شائعات مفادها أن الاتحاد السوفياتي هو في سبيله للتحضير لشيء مايمكن تسميته ب ” حرب العقل “. وقد تختفي مثل هذه الشائعات لسنوات ثم تظهر في يوم ماوتجتاح البلاد.

ومن الأمثلة المثيرة على مثل هذه القصص قصة مزحة الملفوفالكبرى. وهي شائعة انطلقت في واشنطن في الأربعينيات من القرن الماضي كردة فعل علىحملة ضبط الأسعار خلال الحرب العالمية الثانية. وتقول القصة إن مكتب ضبط الأسعارأصدر مذكرة حول تحديد أسعار الملفوف. ولم يكن هناك شيء غير عادي في المذكرة سوى أنالمذكرة كانت تتألف من 26911 كلمة. وانتشرت قصة المذكرة في الأوساط الحكومية لفترةمن الزمن مسببة الإحراج الذي سببته لأهل البيروقراطية الإدارية ثم اختفت وعادتالقصة إلى الظهور عام 1951 في مؤتمر عقدته رابطة صانعي الألبسة الجنوبية، عندما قدمعريف المؤتمر مدير مكتب تثبيت الأسعار وقال مازحاً أن خطاب غيتيسبيرغ كان يتألف من 2997 كلمة وكانت الوصايا العشر تتألف من 266 كلمة. وتضمن إعلان الاستقلال 1348 كلمةبينما تضمنت مذكرة مكتب تثبيت الأسعار 26911 كلمة. وظهرت القصة خلال الأشهر التاليةفي عشرات الصحف مع بعض التحريف أحيانا. فقد قالت بعض الصحف أن مكتب تثبيت الأسعارأصدر مذكرة من 26911 كلمة لضبط أسعار أبواق الضباب. وقد عاشت كلتا الروايتان عنمذكرة الملفوف لبضع سنوات ثم عادت الشائعةإلى ظهور ثانية. وكان ظهورها هذه المرة في إعلان لشركة موبيل نشر في صحف مشهورةويظهر في الإعلان شكل كرتوني يدعى بابيلدني بيت وهو يعد كلمات الصلاة وخطابغيتيسبرغ وإعلان الاستقلال ثم تساءل كيف إذن تحتاج الحكومة الاتحادية إلى 26911كلمة لتصدر مذكرة لضبط أسعار الملفوف؟!.

وكان للصحافة دورها إذ ذكر والتركرونمكايت، الرواية في نشرة الأخبار المسائية في أحد التلفزيونات المحلية التابعةلشبكة سي بي أس، وفي هذه المرة اتخذت الشائعة أبعاداً دولية ومرت بتحول جديد. وقدنقلت جريدة لندن كلاماً لأحد الخطباء في مؤتمر غذائي جاء فيه ” إن في الصلاة 56كلمة وفي الوصايا العشر 297 وفي إعلان الإستقلال الأميركي 300 كلمة أما في التوجيهالإداري للسوق الأوروبية المشتركة حول تصدير بيض البط فهناك 26911 كلمة.

إنهذا النط الدائري لشائعة الملفوف يعكس المد والجزر في الحيرة والقلق اللذان ينتابانالمجتمع الأميركي. فحيثما يكون هناك شعور بالقلق من الحكومة وحيرة حول نواياهاومصداقيتها تعود الشائعة إلى الظهور وهذا ما حصل بعد فضيحة ووترغيت. حيث قصةالملفوف تعزز المخاوف القديمة من عدم كفاءة الأجهزة الحكومية ومن الأسلوبالبيروقراطي في إصدار التعليمات ذات الكلمات الجوفاء الغامضة وتكرار سماع الشائعةيعزز إمكانية تصديقها في بداية الأمر، ولكن هذا التكرار يؤدي إلى عكس ذلك عندماتنخفض حدة الحيرة والقلق. وعندما يصل القلق إلى نقطة دنيا تختفي الشائعة ولكنمؤقتا.

في العادة تتراجع الشائعات عندما يصبح المجهول معلوماً وتزول أسبابالغموض. ولكن المواضيع والأفكار العميقة المتضمنة في بعض الشائعات تبدو كأنها لاتموت وهي تصبح جزءا من البنية الاعتقادية للمجتمع وانعكاساً لما يشغل بال الناسولما يحلمون به. إن طرفة الملفوف شائعة حديثة العهد نسبياً ولكن أمثالها منالشائعات تعمر طويلا. ومن المحتمل أن تعيش طالما كان هناك بيروقراطيون وكان توماسكارلايل وقد وصف التاريخ بأنه عملية تقطير للشائعات : وإن أوهامنا تتفاعل معاحتياجاتنا وآمالنا وينتج عن هذا التفاعل ظروف خصبة تعيش فيها الشائعات التي تنتشرالآن بسرعة أكبر من ذي قبل بواسطة الراديو والتلفزيون ووسائل الإعلام المتطورة. فحينما يتم الإبلاغ عن مشاهدة صحن طائر مجهول الهوية في مكان ما من البلاد نجد أنذلك ينتج سلسلة من البلاغات عن مشاهدات مماثلة في أنحاء أخرى. وعندما يصل الناس فينفاذ الصبر من البيروقراطية الحكومية إلى حد ما تعود قصة الملفوف إلى الظهور منجديد وتأخذ الصحف والتلفزيون والراديو في نقلها من أقصى البلاد إلى أقصاها في ظرفساعات معدودة.

إن فعالية وسائل الأعلام قد أوجدت طاحونة شائعات متمادية منشأنها إما أن تقرب الناس من بعضهم البعض أو ترفع من حدة قلقهم وأوهامهم وفي كلتاالحالتين نجد أن تكرار الشائعات التي لها جذور ممتدة في القرون الماضية يرينا أنالناس لم يتغيروا كثيرا عبر التاريخ. قد تكون أساليب حياتهم مختلفة الآن عما مضىإلا أن قلقهم وأوهامهم لا تزال كما هي. خاصة بعد أن تحول العالم الى صراعات أكثرمثاراً للقلق وبعد أن اضيفت عوامل اجتماعية وبيئية ( ثقب الآوزون) وسياسية كمصادرجدية للقلق

 د. محمد احمد النابلسي / الشاهد اذار 2004
سيكولوجية الشائعات الأميركية
نماذج منالشائعات المسوقة في أميركا

Source: Annajah.net

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *