
عزيزة علي
عمان – يرى أستاذ اللغة والادب في الجامعة الأردنية الدكتور إبراهيم خليل في مقدمة كتابه “في البلاغة الجديدة وقضايا أخرى”، الصادر عن دار أسامة للنشر والتوزيع ودار النبلاء بعمان، أن الأسلوبيات، والسرديات، والتداوليات، والسيميائيات، أشياءُ مستقلة عن النقد الأدبي، لا ترقى إلى مستوى اليقين، فالناقد الأدبي الحديث، والمعاصر، يزاول كتابته النقدية في فضاءٍ تتكدس فيه مثل هذه التيارات، وتتناسلُ بعضُها من بعض.
ويوضح المؤلف أن الحديث عن المشهد اللساني في النقد الأدبي يعود إلى بدايات القرن الماضي، عندما ظهر كتاب “جول سبنغارن”، يتحدث فيه عن النقد الجديد، وذلك في العام 1911، وبعد ثلاثين عامًا صدر كتاب آخر بالعنوان نفسه لناقد آخر هو “جون كرو رانسوم”، وما بينهما شاعت أسماء عدة لهذا النقد، فمنهم من سماه النقد الجديد، ومنهم من سماه النقد الشكلي، ومنهم من سماه النقد التحليلي، والنقد الموضوعي، والنقد التشريحي.
ويشير خليل إلى ما كتبه “سبنغارن”، في مقدمة كتابه يقول فيها “إن النقد الذي يميل إلى التاريخ يحدثك عن كل شيء عدا النص الأدبي، والنقد الذي ينتهج نهج القراءة النفسية يحدثك عن نفسية الأديب لا عن النص الإبداعي. والناقد الذي يميل إلى المنهج الاجتماعي أو “الأيديولوجي”، يحدثك عن جل شيء يتعلق بجمهور الأديب وتأثيره فيه، إلا أنه لا يحدثك عن النص الأدبي موْضِع الاهتمام النقدي”.
لذا نحن بحاجة لنقد جديد يتخلص، ويتحرر من هيمنة العلوم الإنسانية على الأدب، فيبدأ من النص وينتهي بالنص، ولا يفتأ يهتم بلغة الشاعر، وببناء القصيدة، وبنموها العضوي، مثلما يهتم بخيال القاص، أو الروائي.
ويعتبر المؤلف ان المصادفة المحضة هي التي جعلت من العام 1911 منطلقاً تاريخيا، ومبتدأ زمانيًا، لظهور مدرسة في النقد الألسني في جامعة موسكو، وهي التي عرفت بجماعة الأبوياز- النواة الأساسية للمدرسة الشكلية الروسية، في اللغة، وفي النقد الأدبي، ولاحقاً إحدى النويات التي تألفت منها، وتشكلت، حلقة براغ اللغوية التي تبنت في مؤتمرها اللساني الأول في العام 1926 الوصفيَة اللغوية التي دعا إليها السويسري “فردناند دو سوسير”، في فصول من كتابه الذي جاء بعنوان “محاضرات في علم اللسان”.
ويذكر خليل ان مجموعة من النقاد بحثوا في اللساني الخالص المتعلق باللسانيات العصبية، والأصوات، ونظريتي: الفونيم والمورفيم، والفونولوجيا العملية، إلى التركيز على وظائف اللغة، ونظرية الاتصال، فأشاروا للوظيفة الثانوية لها وهي الوظيفة الشعرية، التي تتيح للمتكلم التعبير بالكلمات تعبيرًا يشبه الرسام بالألوان، والنحات بالحجر والرخام، والخزاف بالصلصال والطين، والموسيقي بالنغمات، أي أن لها وظيفة تتجاوز التواصل إلى إيجاد أعمال خارقة للمألوف تغدو لدى الوهلة الأولى موضوعًا للدراسة، والتحليل اللساني، فكأننا ندرس اللغة باللغة. فكانت الدراساتُ التي كتبها بعضهم عن الشعر الروسي، والتشيكي، وعن الشاعر “مايكوفسكي”، وعن قصيدة “القطط” لبودلير، نقطة الانطلاق لعلم الأسلوب وهو تيار نقدي شق طريقه أيضًا إلى باريس على أيدي “شارلز بالي”، وغيره.
ويرى المؤلف ان الأسلوبية اهتمت – وهي فرع من فروع اللسانيات – بالإجابة عن الأسئلة الآتية: ما الذي يجعل اللغة، في هذا النص أو ذاك، تعدلُ عن وظيفتها التواصلية إلى وظيفة أخرى هي الوظيفة الشعرية الأدبية؟ وما الذي ينبغي للباحث، أو الناقد الأدبي، أن يبحث عنه في النص، شعرًا كان أم نثرًا، للوقوف على الآليات اللغوية الكامنة في الوظيفة الأدبية الشعرية؟ وهل تكمن هذه الآليات، وتتمثلُ، في توافر المجازات، والاستعارات، أم في تناوب المقاطع المنبورة، وما ينشأ عنها من توافق إيقاعي، وانسجام صوتي موسيقي، أم هي في تتابُع حروف الروي في القوافي، أمْ هي في التخييل الذي يساعد الكاتب على ترجمة الأحداث في الحكاية من وقائع جارية على الأرض إلى نصوصٍ مكتوبة، وإلى شخصياتٍ مرسومة بدقة تريقُ الضوء على عالمها الداخليِ والنفسي، وإلى حوافز مسببة لتلك المآلات، والتداعيات؟ هذه الأسئلة يجيب عنها المؤلف في فصول الكتاب.
ويوضح المؤلف ان البنيوية تنظر للنصوص الأدبية نظرتها إلى اللغة، فالنص بناءٌ منتظمٌ داخليًا، ذو مستويات عدة، وليس بحاجة لتشغيله، وإدارته، وفهْمه، ودراسته-إذا ساغ التعبير-لما ليْس هو. فاستبعدوا، وأقصوا، من دراساتهم للنصوص الظروفَ التي كانت تشغل الدارسين سابقًا مما أحاط، أو يحيطُ بالنص، وبصاحبه، وبمتلقيه، وإجرائيا، يقومون بتقطيع النص الشعري، والسردي، إلى مجموعة من الأبنية الموْضعية، وتحليل كل بنية بمفردها مع تسليط الضوء على علاقتها بغيرها من البنيات، فالنسق الذي تندرج فيه البنى هو الذي يكشف عن جوهر النص، وحقيقته الأدبية، وقيمته.