تقرير – (الإيكونوميست) 2/4/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تخيل أن لديك مريضين في حالة حرجة، وإنما لديك جهاز تنفس اصطناعي واحد فقط. هذا هو الخيار الذي يمكن أن يواجهه العاملون في المستشفيات في نيويورك وباريس ولندن في الأسابيع المقبلة، تماما كما كان الحال في لومباردي في إيطاليا ومدريد في إسبانيا. سوف يتطلب الفرز اتخاذ قرارات مؤلمة. وسوف يتعين على الأطباء أن يقرروا مَن يُعالج ومن يذهب بلا علاج: من قد يعيش ومن سيموت على الأرجح.
يراكم الوباء الذي ينتشر بسرعة محمومة في جميع أنحاء العالم خياراً بائساً من هذا النوع فوق الآخر: هل يجب أن تذهب الموارد الطبية إلى مرضى “كوفيد-19” أم إلى أولئك الذين يعانون من أمراض أخرى؟ إن بعض البطالة والإفلاس هما ثمن يستحق الدفع لمكافحة الوباء، ولكن كم منهما؟ إذا فشل التباعد الاجتماعي المتطرف في إيقاف المرض، إلى متى يجب أن يستمر؟
أعلن حاكم نيويورك، أندرو كومو، أننا “لن نضع رقماً بالدولار لقيمة الحياة البشرية”. وكان المقصود من ذلك أن يكون صرخة تحشيد أطلقها رجل شجاع اجتاح المرض ولايته. ومع ذلك، وباستبعاد المفاضلات جانباً، كان كومو في الواقع يعلِنُ خياراً -واحداً لا يشرع في احتساب سلسلة العواقب التي سيعاني منها مجتمعه الأوسع. وقد يبدو هذا شأناً قاسي القلب، لكن وضع رقم بالدولار لقيمة الحياة -أو على الأقل اتخاذ طريقة للتفكير بطريقة منهجية- هو بالضبط ما سيحتاجه القادة إذا ما أرادوا الملاحة وتلمس الطريق خلال الأشهر المروعة المقبلة. وكما هو الحال مع ذلك الجناح في المستشفى، لا يمكن تجنب المفاوضات التي ستكون حتمية.
يزداد هذا الموقف المعقد مع ازدياد عدد البلدان التي يضربها “كوفيد-19”. في الأسبوع الذي سبق الأول من نيسان (أبريل) تضاعف عدد الحالات المبلغ عنها في العالم، وأصبح يقترب من مليون. وسجلت أميركا أكثر من 200.000 إصابة وعانت من معدل وفيات زاد بنسبة 55 في المائة عليه في الصين. وحذر الرئيس دونالد ترامب في 30 آذار (مارس) من “ثلاثة أسابيع لم نشهد لها مثيلاً من قبل”. وقد لا يبلغ الضغط على النظام الصحي الأميركي ذروته لبضعة أسابيع. وتوقعت فرقة العمل الرئاسية أن يتسبب الوباء في حصد أرواح ما لا يقل عن 100.000 إلى 240.000 أميركي.
الآن فقط يبدو أن جهود مكافحة الفيروس أصبحت تتقدم على كل شيء. أعلنت الهند إغلاقاً لمدة 21 يوماً بدءا من 24 (آذار) مارس. وبعد أن أصرت على أنها محصنة تماما من تفشي “كوفيد-19” فيها أول الأمر، أمرت روسيا بفرض إغلاق صارم، مع التهديد بالسجن لمدة تصل إلى سبعة أعوام للذين يرتكبون انتهاكاً جسيماً لتعليمات الحجر الصحي. وفي الولايات المتحدة، قيل لـ250 مليون أميركي أن يبقوا في منازلهم. وهكذا، يختار كل بلد إجراء مفاضلات مختلفة -وليست كلها منطقية.
في الهند، قررت حكومة مودي أن أولويتها هي السرعة. وربما نتيجة لذلك أفسدت نجاعة الإغلاق بطريقة قاتلة. إنها لم تفكر في العمال المهاجرين الذين تدفقوا إلى خارج المدن، ونشروا المرض فيما بينهم وحملوه إلى قراهم. وبالإضافة إلى ذلك، سيكون إنجاح الإغلاق في الهند أكثر صعوبة من البلدان الغنية، لأن قدرة الدولة أكثر محدودية. وتهدف الهند إلى إبطاء انتشار الوباء، وتأخير ظهور الحالات إلى حين توافر العلاجات الجديدة وإعداد نظام الرعاية الصحية بشكل أفضل. لكن لدى مئات الملايين من الهنود مدخرات قليلة أو معدومة ليعتمدوا عليها، ولا تستطيع الدولة دعمهم شهراً بعد آخر. ولدى الهند تركيبة سكان شابة، وهو ما قد يساعد. لكن لديها أيضاً أحياء فقيرة مزدحمة حيث يصعب تطبيق التباعد الاجتماعي وغسل اليدين. وإذا لم يكن بالإمكان إدامة الإغلاق، فسوف يبدأ المرض في الانتشار مرة أخرى.
كانت المفاضلة الروسية مختلفة. لقد ساعدت نظم الإعلام ومراقبة الاتصالات الموثوقة على ضمان امتثال الأشخاص للتدابير الصحية في دول مثل سنغافورة وتايوان. لكن فلاديمير بوتين كان مشغولاً بتمديد فترة حكمه واستخدام “كوفيد-19” في حملته الدعائية ضد الغرب. والآن بعد أن ضرب الفيروس بلده، ما يزال أكثر عناية بتقليل الضرر السياسي وقمع المعلومات من عنايته بإخراج بلاده من الأزمة. وهذه مفاضلة تناسب بوتين، وإنما ليس شعبه.
كما أن أميركا تتبنى خياراً مختلفاً أيضاً. مثل الهند، أغلقت الولايات المتحدة اقتصادها، لكنها تنفق بشكل كبير على المساعدة على إنقاذ الأعمال التجارية من الإفلاس ودعم دخل العمال الذين يتم تسريحهم بأعداد مدمرة.
على مدى أسبوعين، تكهن السيد ترامب بأن العلاج قد يكون أسوأ من “المشكلة نفسها”. ويظهر أن عدم وضع رقم بالدولار لقيمة الحياة كان خطأ. سوف يؤدي إغلاق الاقتصاد إلى أضرار اقتصادية هائلة. وتشير النماذج إلى أن ترك “كوفيد-19” ينتشر ويستنفد نفسه بين السكان سوف يفعل أقل بشأن الاقتصاد، لكنه قد يؤدي إلى وفاة مليون شخص إضافيين. ويمكنك إجراء حسابات كاملة باستخدام القيمة الرسمية المعدلة حسب العمر لكل حياة يتم إنقاذها. ويشير هذا الحساب إلى أن محاولة التخفيف من المرض تبلغ كلفتها 60 ألف دولار لكل أسرة أميركية. ويرى البعض أن معادلة ترامب خاطئة هي أيضاً. لكن هذا هو الوهم المريح. هناك حقاً مفاضلة، وبالنسبة لأميركا اليوم، فإن تكلفة الإغلاق تفوقها كثيرًا قيمة الأرواح التي يتم إنقاذها. ومع ذلك، تظل أميركا محظوظة بكونها غنية. إذا فشل إغلاق الهند في منع انتشار المرض، فإن الخيار الذي اتخذته سوف يشير، بشكل مأساوي، إلى الاتجاه الآخر.
أينما تنظر حولك، فإنك ترى “كوفيد-19” يطرح مثل هذه المفاضلات. عندما تنتهج فلوريدا ونيويورك مناهج مختلفة، فإن ذلك الاختلاف سيفضل الابتكار والبرامج التي تتوافق مع التفضيلات المحلية. لكنه يعرض أيضًا خطر أن تتسرب أخطاء إحدى الولايات إلى ولاية أخرى. عندما تغلق الصين حدودها أمام الأجانب بشكل شبه كامل، فإنها توقف حالات الإصابة المستوردة، ولكنها تعرقل أيضاً عمل الشركات الأجنبية. وسوف تنفذ الجهود الكبيرة المبذولة لتصنيع وتوزيع لقاحات “كوفيد-19” الأرواح، لكنها قد تؤثر على البرامج التي تحمي الأطفال من الحصبة وشلل الأطفال.
كيف ينبغي أن يفكر المرء في هذه المفاضلات؟ المبدأ الأول هو أن يكون منهجياً. إن المنافع التي تبلغ قيمتها 60.000 دولار أميركي للأسر الأميركية، كما هو الحال في جميع حسابات تكلفة الحياة، ليست نقدا حقيقيا ولكنها مقياس محاسبي يساعد على مقارنة أشياء مختلفة تماما مثل الأرواح، والوظائف، ومنافسة القيم الأخلاقية والاجتماعية في مجتمع معقد. وكلما كبرت الأزمة، زادت أهمية مثل هذه القياسات. عندما يكون أحد الأطفال عالقاً في بئر، فإن الرغبة في المساعدة بلا حدود هي التي ستسود -وهو ما ينبغي أن يحدث. ولكن، في حالة الحرب أو الوباء لا يستطيع القادة الهروب من حقيقة أن كل مسار عمل سيفرض بطريقته تكاليفاً اجتماعية واقتصادية هائلة. وحتى تكون مسؤولاً، يتعين عليك أن تفاضل بين هذه المسارات.
الواقعية ليست قسوة قلب
ثمة مبدأ ثانٍ، هو مساعدة أولئك الذين هم على الجانب الخاسر من المفاضلات المعقولة. إن العمال الذين أقيلوا بسبب عمليات الإغلاق القسرية يستحقون مساعدة إضافية؛ والأطفال الذين لم يعودوا يحصلون على وجبات في المدارس يحتاجون إلى الطعام. وبالمثل، يجب على المجتمع مساعدة الشباب بعد أن تتراجع حدة الوباء. وعلى الرغم من أن المرض يهددهم بشكل أقل حدة، إلا أن معظم العبء يقع عليهم، اليوم وفي المستقبل، بينما تسدد البلدان قيمة اقتراضها الإضافي.
وهناك مبدأ ثالث: يجب على البلدان أن تتكيف. سوف يتغير ميزان التكاليف والفوائد بينما يتكشف الوباء. إن الإغلاقات تشتري الوقت، وهو سلعة لا تقدر بثمن. وعندما يتم رفعها، سوف ينتشر “كوفيد-19” مرة أخرى بين الأشخاص الذين ما يزالون عرضة للإصابة. لكن المجتمعات يمكن أن تستعد بالطريقة لم تفعل مثلها أبداً في حالة الموجة الأولى، من خلال تزويد الأنظمة الصحية بمزيد من الأسرة وأجهزة التنفس الاصطناعي والكوادر. ويمكنها دراسة طرق جديدة لعلاج المرض وتجنيد جيش من فرق إجراء الاختبارات والتتبع لاكتشاف الحزم والمجموعات الجديدة من التفشي. كل ذلك يقلل من تكلفة فتح الاقتصاد.
ربما، على الرغم من ذلك، لا يتم العثور على علاجات جديدة ويفشل نهج “الفحص-و-التعقب”. وبحلول الصيف، ستعاني الاقتصادات من انخفاض مزدوج الرقم في الناتج المحلي الإجمالي الفصلي. وسيكون الناس قد عانوا أشهرا من البقاء في المنازل خلف أبوابهم المغلقة، مما يضر بكل من التماسك الاجتماعي وصحتهم العقلية على حد سواء. وسوف تكلف عمليات الإغلاق لعام كامل أميركا ومنطقة اليورو ثلث الناتج المحلي الإجمالي -أو نحو ذلك. وسوف تنهار الأسواق وتتأخر الاستثمارات. وسوف تتهالك قدرة الاقتصاد مع توقف الابتكار وتدهور المهارات. وفي النهاية، حتى لو كان الكثير من الناس يموتون، فإن تكلفة التباعد يمكن أن تفوق الفوائد. هذا جانب من المفاضلات التي لا يبدو أحد مستعداً للاعتراف بها بعد.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: A grim calculus: Covid-19 presents stark choices between life, death and the economy