لا حكومة لبنانية جديدة في الأفق, ويبدو ان حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها حسان دياب مُرشحة للاستمرار في أعمالها «المُقيّدة دستورياً» كونها تُصرِف الأعمال، ما يعني أن انتظار مُعجزة ما هو سيد الموقف, خاصة بعد تحديد واشنطن موعد بدء المفاوضات غير المُباشرة بين لبنان واسرائيل برعاية الأمم المتحدة منتصف الشهر الجاري, نتيجة اتفاق على «إطار» لهذه المفاوضات, بعد عشر سنوات من إمساك رئيس البرلمان نبيه برّي بالملف, والذي وصل خاتمته يوم الخميس الماضي, بإعلان «برّي» تسليم الملف الى رئيس الجمهورية الذي سيُتابع تفاصيله مع الوفد المفاوِض, برئاسة ضباط من الجيش اللبناني وخبراء قانونيين في القانون الدولي وقانون المياه, لا سيما قوانين البحار والحدود الإقليمية كما كشفت وسائل اعلام لبنانية عديدة…
التطور الجديد في هذا الإتجاه أنعش آمالاً لدى معظم اللبنانيين, بإمكانية حدوث اختراق في ترسيم الحدود البحرية خاصة حول البلوك «9» الذي شكّل عقدة مستعصية, لم يتنازل لبنان عنها رغم الضغوط الأميركية وامتناع شركات تنقيب عن النفط والغاز عن دخول عطاءات في هذا الشان, خشية وقوعها ضحية «النزاع» بين اسرائيل ولبنان حول ملكية هذه المنطقة, التي يُرجح الخبراء انها (بالذات) دون البلوكّات الأُخرى غير المتنازع عليها «غنية» باحتياطات ضخمة من الغاز، بل إن لبنان رفض اقتراحاً أميركياً بقيام لبنان واسرائيل باستغلال مُشترَك لهذا البلوك واقتسام عوائده, معتبراً أن البلوك كاملاً من حقه, وهو ما عملت اسرائيل على تقويضه. الى ان تم أخيرا التوصل الى اتفاق بالإطار الذي أعلنه نبيه برّي, ويبدو من ردود الفعل «اللبنانية» على هذا الإتفاق, أن هناك في لبنان مَن اعتبره انتصاراً على العنجهية الإسرائيلية والضغوط الأميركية في الوقت ذاته، اضافة بالطبع الى أن شريحة من اللبنانيين ترى في «التوقيت» الذي أُعلِن فيه الاتفاق, فرصة للاستفادة من الدور الفرنسي في هذا الشأن, خاصة في ظل انخراط الرئيس الفرنسي ماكرون في الأزمة اللبنانية العميقة والمتمادية, والتي وصلت ذروتها في انفجار بيروت قبل شهرين (4آب الماضي) وبخاصة لجهة ما يأمل اللبنانيون قيام ماكرون بالضغط على شركة «توتال» الفرنسية العملاقة لمواصلة عمليات التنقيب, التي توقّفت عن مواصلتها بعد شهر ونيف من تنقيبها في البلوك رقم 4, دون أن تُعلِن عن نتائج حفرها وما إذا وجدَت نفطاً أو غازاً أم لم تجد؟.
في انتظار ما ستكون الأمور عليه قبل منتصف الشهر الجاري, بما هو موعد بدء المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة برعاية الأمم المتحدة وحضور الولايات المتحدة كمراقب «ومُسهِّل» كما وُصِف دور واشنطن التي وصفَتْ على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو الإتفاق بأنه «تارخي”, يصعب تجاهل وقائع الأيام اللبنانية المأزومة والمفتوحة على احتمالات كارثية مُتدحرِجة مع اقتراب موعد رفع الدعم عن الخبز والأدوية والمحروقات, وتواصل انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي, ما زاد من المخاوف بمزيد من التدهور, بل هناك من بالغَ في تشاؤمه عندما توقّع وصول سعر الدولار الأميركي الى اكثر من عشرين ألف ليرة, في حال بدأ تطبيق ما أعلنه حاكم مصرف لبنان المركزي برفع الدعم عن الخبز والمحروقات والأدوية بعد شهرين من الان.
وإذ تتعمّق الخلافات بين القوى السياسية والحزبية اللبنانية, بعد اعتذار مصطفى اديب عن تأليف حكومة جديدة, وتواصل التراشق الإعلامي بين «نادي» رؤساء الحكومة السابقين وأمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله, في شأن المسؤولية عن فشل مهمة أديب وبخاصة تحميل الرؤساء الحكومة السابقين الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) مسؤولية انهيار المبادرة الفرنسية, ورفض نصر الله اي وصاية أو إملاءات فرنسية على لبنان, رغم ترك نصرالله الباب مفتوحاً امام هذه المبادرة, التي قام ماكرون بتمديدها الى أربعة – ستة أشهر (اي بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية, ومعرفة ساكن البيت الأبيض الجديد سواء بقي ترمب أم دخله بايدن), فإن مُقترَحاً طرحه رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي وأحد «رباعي» رؤساء الحكومة السابقين (اضافة الى سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام) ينص على قيام حكومة من «6» سياسيين و (14) اختصاصيين، بات يتصدّر المناقشات الدائرة بفتور حتى الان, ووجد فيه بعض الأطراف فرصة لإعادة تسخين مسألة البحث عن رئيس حكومة جديدة, رغم تريّث رئيس الجمهورية الجنرال عون في بدء المشاورات المُلزِمة مع رؤساء الكتل البرلمانية والنواب, لمنح نفسه فرصة الوقوف على الأجواء السائدة بعد اعتذار مصطفى أديب.
ما يلفت الإنتباه في طرح ميقاتي أن الأخير رشّح سعد الحريري لرئاسة الحكومة العتيدة, رغم اعلان الأخير انه غير مرشح لهذه المهمة ولا يرغب في تسمية أحد لتشكيل حكومة جديدة, ما زاد من فرص ميقاتي نفسه لتقدّم الصفوف, خاصة أنه أعلن استعداده للقيام بذلك, الأمر الذي يُعيد الاعتبار لوجهة النظر الذي كان دعا اليها حزب الله والتيار الوطني الحر برئاسة صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل, بأن حكومة «مُطعّمة» بسياسيين, ستكون أكثر قدرة على تمرير قوانين الإصلاح المُنتظرَة أو اي قوانين يمكن أن تُسهم بإخراج لبنان من غرفة العناية الفائقة التي يستقر فيها منذ عام تقريباً, بل هي تعمّقتْ بعد انفجار بيروت 4 آب الماضي, كذلك بعد فشل مصطفى أديب في تشكيل حكومة تخلف حكومة حسان دياب, ثبت للجميع أن اديب كان يسعى (ومِن ورائه نادي رؤساء الحكومة السابقين الى تشكيلها من لون واحد, ستكون مثابة حكومة «أمر واقع» تمنح الأقلية البرلمانية فرصة التحكّم في المشهد اللبناني وتعمل على تهميش أو الغاء الأغلبية البرلمانية التي جاءت بعد انتخابات العام 2018…
في الخلاصة فإن لبنان الذي تقترب فيه الذكرى الأولى للإحتجاجات الشعبية الواسعة في السابع عشر من تشرين الأول 2019 ,يعيش فترة انتظار مُقلقة قد تُبشِّر بانفراجة, إذا ما سارت الأمور وفق الأجندات المُعلنة, أو تأخذه الى الفوضى والمجهول إذا ما توسّعت هوّة الخلافات بين الأفرقاء المُتناحرين ودخلت عوامل اقليمية ودولية في تفاصيل المشهد اللبناني, الذي شهد مؤخراً مُواجهات دامية مع خلايا نائمة لتنظيم داعش الإرهابي, قامت بهجمات عنيفة على مواقع عسكرية وأمنية لبنانية أنذرت باحتمال وجود خلايا أخرى, ناهيك عن الحديث الآخذ بالتصاعد حول «قُرب» انهيار النظام الصحي اللبناني, مع التفشي المتصاعد وغير القابل للاحتواء لجائحة كوفيد ــ 19 وارتفاع أعداد المصابين والمَوتى.