
واشنطن- 4 أيام فصلت بين مظاهرتين كبيرتين شهدتهما العاصمة الأميركية واشنطن الأسبوع الماضي، حيث تجمع آلاف الإثيوبيين الأميركيين للتعبير عن دعمهم لأحد أطراف النزاع الدائر في إثيوبيا، وللتعبير عن موقفهم من تعامل إدارة الرئيس جو بايدن مع ما يراها البعض حربا أهلية لن تتوقف قريبا.
وعلى الرغم من وقوع إثيوبيا على بعد أكثر من 7 آلاف ميل من العاصمة الأميركية، فإن واشنطن -التي يوجد فيها أكبر تجمع للإثيوبيين خارج بلادهم- أصبحت أحد مراكز التأثير على إدارة الصراع المسلح هناك.
ففي الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، اختار إثيوبيون متعاطفون مع إقليم تيغراي التظاهر أمام مبنى الكونغرس ورفعوا أعلام الإقليم، وهاجموا صمت بايدن على ما اعتبروها عمليات إبادة جماعية يقوم بها جنود الجيش الإثيوبي ضد المدنيين التيغراي. وتم اختيار يوم الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني لإحياء الذكرى السنوية الأولى لقرار الحكومة الإثيوبية نشر قواتها في الإقليم الواقع شمالي البلاد.
وفي الثامن من الشهر الجاري اختار آلاف من مناصري حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد التظاهر أمام البيت الأبيض، ورفعوا شعارات معادية لطريقة تعامل بايدن مع النزاع العسكري في بلدهم، واتهموه بدعم “جبهة تحرير تيغراي”.
وجاء إعلان 9 جماعات معارضة للحكومة الإثيوبية في بيان صدر من واشنطن اتحادها للإطاحة برئيس الوزراء آبي أحمد وتنصيب حكومة انتقالية، ليسمح بدور أكبر لواشنطن في النزاع الإثيوبي.
ففي مؤتمر صحفي عُقد بنادى الصحافة القومي في واشنطن، عبّر التحالف الجديد عن سعيه للعمل معا “قبل أن تنهار إثيوبيا وتؤثر على كل المنطقة”.
وقلّل المؤيدون لحكومة آبي أحمد من أهمية إعلان التحالف المعادي للحكومة الإثيوبية من واشنطن، وقال متظاهر للجزيرة نت إن “هؤلاء المجتمعين ليس لهم شعبية وسط أبناء الجالية، ولا يعرفهم أحد ويبحثون عن الشهرة فقط”.
متظاهرة تحمل لافتة تهاجم فيها سوزان رايس مستشارة بايدن (الجزيرة)الوحدة التي تبخّرت
يعيش في الولايات المتحدة ما يقارب 450 ألف شخص من أصول إثيوبية، أكثر من نصفهم في واشنطن العاصمة، كما ذكر أحد المتظاهرين للجزيرة نت.
وقبل 3 سنوات تجمع آلاف الإثيوبيين في واشنطن للترحيب برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته البيت الأبيض، التي جاءت عقب فوزه بجائزة نوبل للسلام. وشملت تلك الزيارة واشنطن وولايتي مينيسوتا وكاليفورنيا حيت يقيم الكثير من الإثيوبيين.
وافتخر الإثيوبيون خلالها برئيس وزرائهم، ودعموا موقف بلادهم في خلافها مع مصر والسودان بشأن بناء وإدارة سد النهضة، في وقت اتخذت فيه إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب موقفا متعاطفا مع الموقف المصري.
وشهد العام الأخير تبخّر وحدة الإثيوبيين الأميركيين، وفي حديث للجزيرة نت، قال السفير الأميركي الأسبق لدى إثيوبيا ديفيد شين إن الجالية الإثيوبية في الولايات المتحدة تتابع الأحداث هناك عن كثب. كما أن الإعلام الأميركي مثل “نيويورك تايمز” (The New York Times) و”واشنطن بوست” (The Washington Post)، يولي اهتماما كبيرا بهذه المسألة، حيث كتبت الصحيفتان عدة افتتاحيات عن الأزمة، كما تركز مراكز البحوث الرئيسية المعنية بالشؤون الدولية على الصراع الإثيوبي.
ويعتقد السفير شين أن الجالية الإثيوبية في الولايات المتحدة منقسمة إلى حد كبير حول ما يحدث في بلدها الأصلي، وقال “هناك جالية من التيغراي تدعم قضية إقليمهم، وهناك جالية أمهرية كبيرة وأعداد من عرقيات أخرى يدعمون حكومة إثيوبيا”.
لكن بعض أفراد هذه المجتمعات، حسب السفير، إما محايدون وإما متعاطفون مع قضية تيغراي، و”يبدو أن الإثيوبيين من قبائل الأورومو منقسمون في موقفهم بين التيغراي والحكومة”.
الوزن السياسي لإثيوبيي أميركا
تشعر إدارة بايدن بقلق عميق مما يجري في إثيوبيا، وظهر ذلك من الاهتمام رفيع المستوى الذي توليه للأزمة هناك. كما يبدي بعض أعضاء الكونغرس قدرا كبيرا من الاهتمام بإثيوبيا.
وعلى سبيل المثال، اقترحت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي للتعامل مع إثيوبيا، كما أن هناك اهتماما مماثلا من مجلس النواب.
ويقول السفير شين إن اهتمام الكونغرس بالشأن الإثيوبي، كما هو في البيت الأبيض والخارجية، يعود في أحد أسبابه إلى تجمع كبير للجالية الإثيوبية في بعض دوائر الكونغرس، “من هنا يهتم عضو الكونغرس بما يهم قاطني دائرته الانتخابية”.
ويملك الإثيوبيون الأميركيون وزنا انتخابيا محدودا بصفة عامة، إلا أنهم يمثلون كتلة انتخابية قوية في 3 دوائر لمجلس النواب، إحداها بشمال ولاية فيرجينيا وأخرى بضواحي ولاية ميرلاند، وهما مجاورتان للعاصمة واشنطن، وتقع الدائرة الثالثة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، ويسيطر الديمقراطيون على الدوائر الثلاث.
وفي حديث مع الجزيرة نت، قالت المتظاهرة خديجة أوكري إن أصوات الناخبين الإثيوبيين كانت دائما مضمونة للديمقراطيين بسبب مواقفهم المتساهلة مع المهاجرين واللاجئين، لكنها أضافت “الآن تغيّر ذلك، وسنصوت للجمهوريين لعقاب بايدن”.
متظاهرة تحمل لافتة تصف مقاتلي إقليم تيغراي بالإرهابيين (الجزيرة)إجماع على انتقاد إدارة بايدن
ولأسباب متناقضة وجهت الأطراف الإثيوبية المتنافسة في واشنطن ساهم غضبها إلى تعامل إدارة الرئيس بايدن مع الأزمة في إثيوبيا.
وقال الإثيوبي الأميركي داويت جيرما “إنهم يريدون أن نتفاوض مع إرهابيي ومقاتلي تيغراي، لماذا لا تتفاوض الحكومة الأميركية مع إرهابيين مثل حركة الشباب في الصومال؟ إنهم يريدون تدمير بلادنا كما فعلوا مع أفغانستان. لن ينجحوا أبدا، نحن إثيوبيون”.
وأضاف جيرما للجزيرة نت “ردّت إدارة الرئيس بايدن على الأزمة الأخيرة بالتهديد بالحد من وصول الصادرات الإثيوبية إلى الأسواق الأميركية، بموجب قانون النمو والفرص في أفريقيا، وهو إجراء يؤثر على أكثر من مئة مليون إثيوبي، وهذا يؤكد أن بايدن يختار دعم متمردي إقليم تيغراي من الإرهابيين”.
واعتبر مناصرو آبي أحمد أن بايدن فشل في محاسبة “جبهة تحرير تيغراي” على الهجوم غير المبرر على قوات الدفاع الإثيوبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. ودفع هذا الهجوم إلى صراع مأساوي.
ويقول مناهضو الجبهة إنها مصنفة “جماعة إرهابية”، ومن غير المنطقي أن تطلب واشنطن من آبي أحمد الدخول في محادثات معها.
متظاهرون مؤيديون للحكومة الإثيوبية أمام البيت الأبيض (الجزيرة)دعوة لتغليظ العقوبات
وتحدثت الجزيرة نت مع أحد داعمي التيغراي الذي عبّر عن رغبته في أن تصف إدارة بايدن الهجمات على إقليم تيغراي بالإبادة الجماعية، ودعاها لخطوات تقوّض حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، وتغلظ العقوبات المفروضة عليها.
وقال عبد الله مسعد، وهو سائق من إقليم تيغراي، “منذ عام، واجه مقاتلون من منطقة تيغراي الجيش الإثيوبي بأسلحة بدائية لكنهم صدوا هجماته، وتقدموا نحو العاصمة أديس أبابا لأنهم يؤمنون بعدالة مطالبهم وقوة موقفهم”.
وطالب مسعد بايدن بتذكّر أن “الحرب بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 عندما شنّت قوات آبي أحمد هجوما على منطقة تيغراي بعدما افتعل وخلق شائعة تنفيذ شعب تيغراي هجوما مفاجئا على قاعدة عسكرية للجيش الإثيوبي”.