
سيرج حليمي* – (لوموند ديبلوماتيك) عدد نيسان (أبريل) 2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ما الذي سيحدث تالياً؟ هل سيتم إنقاذ العالم، وإنما للأثرياء فقط، كما في العام 2008؛ وهل ستصبح الرقمنة والمراقبة هي النظام الجديد؟
- * *
عندما تنتهي هذه المأساة، هل سيعود كل شيء إلى ما كان عليه قبلها فقط؟ طوال 30 عاماً، أثارت كل أزمة جديدة آمالاً غير معقولة بأن العالم سيعود إلى العقل؛ أن يعود إلى رشده، وينهي الجنون. وقد حلمنا باحتواء، ثم عكس اتجاه دينامية اجتماعية-سياسية بعد أن تم فهم طرقها المسودة وأخطارها في نهاية المطاف: كنا نأمل أن ينهي انهيار سوق الأوراق المالية في “يوم الاثنين الأسود” في العام 1987 الخصخصة الجامحة، وأن توقف الأزمات المالية للأعوام 1997 و2007-2008 هذه العولمة السعيدة. لكنها لم تفعل.
أدت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) إلى انتقاد الغطرسة الأميركية وإثارة الأسئلة المقلقة مثل “لماذا يكرهوننا؟” لكن هذه الاتجاهات لم تدم أيضاً. حتى عندما تذهب في الاتجاه الصحيح، فإن الأفكار وحدها لا تكفي أبداً لإنجاز الأمور. ذلك يحتاج إلى الناس. لكن من الأفضل عدم الاعتماد على السياسيين المسؤولين عن الكارثة في المقام الأول، حتى لو كان مهووسو إشعال الحرائق هؤلاء ماهرين في تقديم التضحيات من أجل الصالح العام والتظاهر بأنهم تغيروا، خاصة عندما تكون حياتهم في خطر، كما هي حيواتنا اليوم.
معظمنا لم يشهد حرباً، أو انقلاباً عسكرياً أو حظر تجول مباشرة من قبل. ثم، في نهاية آذار (مارس)، أصبح ما يقرب من ثلاثة مليارات إنسان في جميع أنحاء العالم تحت الحظر، والعديد منهم في ظروف مُنهِكة للغاية. معظمهم لم يكونوا كُتاباً يشاهدون أزهار الكاميليا وهي تتفتح في حديقة منازلهم الريفية. ومهما يكن ما يحدث في الأسابيع القليلة القادمة، فإن “كوفيد 19” سيكون تجربتنا الأولى مع تهديد عالمي -وليس شيئاً يمكنُ أن ينساه المرء بسرعة. وحتى قادتنا السياسيون الحاليون يجب أن يأخذوا هذا في الحسبان.
وهو ما يفعلونه الآن. فقد علّق الاتحاد الأوروبي قواعد ميزانيته؛ وأرجأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي كان سيعاقِب كوادر المستشفيات. وصوت الكونغرس الأميركي على إرسال شيكات بقيمة 1.200 دولار للفرد لأغلب الأميركيين. ولكن، بعد العام 2008، كان النيوليبراليون قد قبِلوا بزيادة مذهلة في الديون، وإجراءات التحفيز المالي، وتأميم البنوك وإعادة إدخال جزئي لضوابط رأس المال، كل ذلك لإنقاذ نظامهم الاقتصادي. ثم سمح لهم التقشف باستعادة كل ما تخلوا عنه خلال حالة الذعر العام، بل إنهم حققوا بعض “التقدم”: سوف يعمل الموظفون الآن بجد أكبر ولفترة أطول، في ظل ظروف أكثر خطورة؛ وسيدفع “المستثمرون” والمُؤجرون ضرائب أقل. وقد دفع اليونانيون الثمن الباهظ؛ حيث شهدت مستشفياتهم العامة، التي تفتقر إلى الأموال والأدوية، عودة الأمراض التي اعتقد الجميع أنه قد تم القضاء عليها.
يوم جيد لدفن الأشياء
ما يبدو الآن وأنه الطريق إلى مراجعة شاملة، قد يؤدي في الواقع إلى “استراتيجية صدمة”. في الساعة التي تلت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) على مركز التجارة العالمي في العام 2001، قامت مستشارة خاصة لوزير في الحكومة البريطانية بتعميم مذكرة تقول، “إنه يوم جيد جدًا لاستخراج أي شيء نريد أن ندفنه”. ربما كانت تفكر في القيود المستمرة التي سيتم فرضها على الحريات العامة باسم مكافحة الإرهاب، ناهيك عن الحرب في العراق والكوارث الأخرى التي سيجلبها المشروع الأنجلو-أميركي. وبعد عشرين عاماً الآن، ليس عليك أن تكون شاعرًا أو نبيًا حتى تتخيل استراتيجية الصدمة القادمة على الطريق.
إلى جانب توجيهات “ابقَ في المنزل” والتباعد الاجتماعي، قد تنقلب جميع تفاعلاتنا الاجتماعية رأساً على عقب بسبب الرقمنة التي تتغلغل سريعاً في المجتمع. سوف تجعل الأزمة معرفة ما إذا كان ما يزال من الممكن الوجود من دون الإنترنت إما أكثر إلحاحاً أو غير ذي صلة على الإطلاق. في فرنسا، يجب على كل شخص مُسبقاً أن يحمل بطاقة هويته في جميع الأوقات؛ وقريبًا جدًا، لن يكون الهاتف المحمول مفيدًا جهازاً فحسب، وإنّما مُتطلبًا إجبارياً لغايات المراقبة. وبما أن الأوراق النقدية والعملات المعدنية هي ناقلات محتملة للعدوى، أصبحت بطاقات السحب والإيداع الآن من حماة الصحة العامة؛ كما أنها ستجعل من الممكن تدوين وتسجيل وأرشفة كل عملية شراء. إن تراجع الحق غير القابل للتصرف في إخفاء الهوية (إذا لم يتم خرق أي قوانين)، كما رأينا في نظام “الرصيد الاجتماعي” أو رأسمالية المراقبة في الصين، يصبح الآن جزءاً من وعينا وحياتنا. ورد فعلنا الوحيد هو الدهشة الساذجة.
حتى قبل “كوفيد 19″، كان من المستحيل أن تركب قطاراً في فرنسا من دون تقديم تفاصيلك الشخصية. وللوصول إلى حساب مصرفي عبر الإنترنت، كان عليك أن تسمح للبنك بالحصول على رقم هاتفك المحمول. وإذا ذهبت في نزهة على الأقدام، كان من المؤكد أن يتم التقاطك على كاميرات مراقبة الدائرة التلفزيونية المغلقة. وقد دفعت الأزمة الصحية الأمور قدُماً. في باريس، تراقب الطائرات من دون طيار المناطق المغلقة أمام الجمهور. وفي كوريا الجنوبية، تنبه أجهزة الاستشعار السلطات إلى ما إذا كان لدى الشخص درجة حرارة تجعله يشكل خطراً على المجتمع. وفي بولندا، يجب أن يكون لدى الأشخاص الذين يخضعون للحظر الذاتي تطبيق على هواتفهم للتأكد من أنهم موجودون في المنزل، أو أن يظلوا متاحين للزيارات غير المعلنة للشرطة. ويؤيد الجمهور على نطاق واسع تدابير المراقبة في وقت الأزمات، لكن هذه التدابير تستمر وتدوم دائماً بعد الأزمات.
سوف تسهم الثورة الاقتصادية المقبلة في جلب عالم حيث يتم تعاني الحرية مزيداً من التقييد. وثمة الملايين من متاجر المواد الغذائية والمقاهي ودور السينما ومحلات الكتب التي أُغلِقت الآن الآن لمنع العدوى. ولا يستطيع هؤلاء تقديم خدمة التوصيل إلى المنازل، ولا هم محظوظين بما يكفي لبيع المنتجات الرقمية. كم من هذه المصالح ستعيد فتح أبوابها عندما تنتهي الأزمة، وما هي الحالة التي ستكون عليها؟ تظل التوقعات أفضل بالنسبة لعمالقة التوزيع مثل شركة “أمازون”، التي توظف الآن مئات الآلاف من سائقي التوصيل وموظفي المستودعات، وأسواق “وال مارت”، التي توظف هي الأخرى 150.000 “شريك” إضافيين. من هو الذي يفهم أذواقنا وخياراتنا بشكل أفضل؟ قد يتبين أن هذه الأزمة هي “بروفة” لاجتياح المعاقل الأخيرة التي تقاوم الرأسمالية الرقمية، وقدوم مجتمع من دون تواصل بشري.
إلا إذا غيرت الاحتجاجات، والناشطون، والأحزاب السياسية والشعوب والدول هذا النص الدرامي. الكثيرون يقولون “السياسة لا تهمني”، حتى يأتي اليوم الذي يدركون فيه أنها الخيارات السياسية هي التي تجبر الأطباء على تقرير من هم المرضى الذين يعيشون والذين يموتون. وقد أتى ذلك اليوم. والأمور أسوأ في وسط أوروبا والبلقان وأفريقيا، التي انتقل أخصائيوها الطبيون على مدى أعوام إلى بلدان أكثر أماناً وحيث يحصلون على أجور أفضل؛ الوضع هناك أيضاً هو نتيجة للخيارات السياسية. ربما نفهم هذا بشكل أفضل اليوم: البقاء في المنزل يجعلنا نتوقف ونفكر؛ ونريد اتخاذ إجراء. الآن على الفور.
الجميع يعرفون التكاليف
على عكس اقتراح ماكرون، لم تعد القضية مسألة “إعادة فحص نموذج التنمية الذي اتّبعه عالمنا”. إننا نعلم مسبقاً أنه يحتاج إلى تغيير، الآن على الفور. وبما أن “تفويض أمر حمايتنا للآخرين هو حماقة”، دعونا ننهي التبعيات الاستراتيجية التي توجد فقط للحفاظ على “المنافسة الحرة وغير المشوهة”. قال ماكرون إنه يجب على فرنسا أن تندفع نحو ذلك، لكنه لن يفعل ذلك أبداً. لا يجب أن نعلِّق مؤقتا فحسب، وإنما أن ندين المعاهدات الأوروبية واتفاقيات التجارة الحرة التي ضحت بالسيادة الوطنية وجعلت المنافسة الهدف الأسمى. الآن على الفور.
يفهم الجميع الآن تكلفة رهن مسائل توفير الملايين من أقنعة الوجه والمستحضرات الصيدلانية، التي يعتمد عليها مرضى وكوادر المستشفيات، وعمال التوزيع و”السوبرماركت”، لحفظ حياتهم نفسها، لسلاسل التزويد التي تمتد حول العالم وتعمل على أساس “مخزون صفر”. الجميع يفهمون التكلفة التي يتحملها كوكب الأرض من إزالة الغابات، وتهجير الصناعات إلى الخارج، وتراكم النفايات والسفر الهائل. إن باريس تستقبل 38 مليون سائح سنويًا، أكثر من 17 ضعفًا من عدد سكانها، وتتباهى بذلك.
لقد اجتمعت الحمائية، وحماية البيئة، والعدالة الاجتماعية والصحة العامة كلها معاً. وهي عناصر أساسية في تكوين تحالف سياسي مناهض للرأسمالية، قوي بما يكفي لفرض برنامج للانفصالات. الآن، على الفور.
*رئيس ومدير صحيفة لوموند ديبلوماتيك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Are we Headed for a Strategy of Shock? Do it Now. Right Away

