وقد يتصور البعض أن سمبسون رجل خيري، أو يرغب في دعاية انتخابية مبكرة في ولايته، غير أن القصة ليست على هذا النحو، فسمبسون نشأ في عائلة فقيرة، بإحدى المدن الصغيرة بولاية نيوجيرسي، واستطاع استكمال دراسة الهندسة بجامعة فلوريدا، ثم عمل بعدة مصانع.
بعد عشر سنوات، تمكن من تأسيس شركة صغيرة تعمل في مجال الدعاية والتسويق لمنتجات الألبان، واستطاع توسيع استثماراته، حتى أنشأ مصنعًا لإنتاج مواد الألبان، وأصبح الآن رجلاً اقتصاديًّا يملك العديد من المصانع.
عارضه أصدقاؤه، عندما طرح في المنتديات الاقتصادية فكرة تشغيل الطلاب في مصانعه، مقابل مصاريف الدراسة ومستلزماتها، وقالوا إن سمبسون سيخسر جراء تنفيذها، خاصة أن النفقات الجامعية في الولايات المتحدة مكلّفة للغاية، حيث يتكبد الطالب 37 دولارًا يوميًّا، بحسب ما نشرته مؤخرًا صحيفة الجارديان البريطانية، ويمثل هذا المبلغ عبئًا على الأسر الأمريكية الفقيرة التي قد تتوقف عن إرسال أبنائها للجامعات والاكتفاء بالثانوية.
لكن سمبسون كانت له رؤية مختلفة، ويقول إنه يجب استغلال هؤلاء الطلاب في التدريب على العمل في الشركات والمصانع، بعد انتهائهم من التعليم الثانوي في التخصص الذي اختاروه للدراسة الجامعية. وحتى لا يكون هؤلاء الطلاب عمالة زائدة في شركاته، قرّر رجل الأعمال الأمريكي أن يحلوا محل الموظفين الذين تجاوزوا السن القانونية.
ويخضع الطلاب لدورات مكثفة للتعرف على كيفية سير العمل ومتطلباته، كما تم توزيع الطلاب على أقسام متنوعة في الشركات تتواءم وتخصصاتهم في الجامعة، والتوفيق بين وقت العمل والدراسة، وحتى طلاب الطب كانت لديهم فرصة للعمل في المشفى التابع للمصانع.
استثمار بعيد المدى
ولفتت تجربة رجل الأعمال الأمريكي نظر الخبراء الاقتصاديين الذين اعتبروها مدخلاً مهمًّا للتعامل مع سوق العمل والقضاء على البطالة، ورفع قدرات الموارد البشرية.
ويقول الخبير الاقتصادي الأمريكي مارك جينيس: إن فكرة سمبسون تمثل استثمارًا بعيد المدى، ولكنه مضمون، فهو يكفل للطلبة الفقراء الاستمرار في التعليم الجامعي، ويوفر لهم فرصة لاكتساب الخبرات العملية، مع إمكانية الحفاظ على عمله، إذا أثبتوا تفوقًا ومهارة، طوال سنوات الدراسة والتدريب.
وبالنسبة لمكاسب صاحب المشروع، فيرى جينيس أنه سيضمن ولاء وإخلاص المتدربين له؛ لأنهم يحتاجون إليه، إلى جانب أنهم سيبذلون أقصى ما في وسعهم لإثبات كفاءتهم كشباب يمكن الاعتماد عليهم في العمل، وحتى يضمنوا كفالة صاحب العمل لمصاريفهم الجامعية.
يضيف الخبير الأمريكي أن لدى هؤلاء الطلاب فرصة للعمل بعد التخرج، وضمان مرتب مجز، مما يحقق طاقة إنتاجية أعلى لصاحب العمل. كما أن صاحب العمل لن يتكلف دولارًا زائدًا؛ لأنه سيستغني عن العاملين الذين تجاوزوا السن القانونية بمرتباتهم الباهظة لذلك، ويقول جينيس: “المنفعة متبادلة، والمشروع يمثل تجسيدًا واقعيًّا لأحدث ما توصلت إليه أبحاث التنمية الاقتصادية”.
رجال الأعمال العرب
وتبدو فكرة سمبسون مهمة في منطقتنا العربية التي تعاني معدلات البطالة مرتفعة تتراوح ما بين 15 و20%؛ بسبب عدم التواؤم بين مخرجات التعليم الجامعي والاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
ويقول الدكتور ماهر عبد المنعم أستاذ العلوم الاقتصادية في مصر: إن أي مشروع لا قيمة له ما لم يُفِد المجتمع، وهو الأمر الذي غاب عن مجتمعاتنا العربية. ويضيف قائلاً “عندما يقيم رجل أعمال عربي مشروعه، فهو يقيس نسبة نجاحه أو فشله من خلال معدل الأرباح، دون النظر إلى هامش الفائدة الذي تحقق للمجتمع”.
ولا يعني هذا -كما يقول عبد المنعم- أن يضع رجل الأعمال جزءًا من أمواله تحت حساب الأعمال الخيرية، ولكن لا بد أن تكون هناك مردودات اجتماعية لمشروعاته.
رضا العدل الأكاديمي الاقتصادي المصري يرى أن بعض المستثمرين قد يظنون أن الاهتمام بمشكلات المحيط الاجتماعي يهدر أموالهم ووقتهم، دون طائل. ولكنه -بحسب العدل- أكثر أنواع الاستثمار ضمانًا للنجاح، خاصة في الدول العربية التي تعاني من نزيف حاد فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والإحساس بالانتماء.
البعض الآخر يرى أن المشكلة التي تواجه تطبيق فكرة سمبسون في المنطقة العربية هي طبيعة رجل الأعمال نفسه، فلم يَعُد لديه أي اهتمام بمشكلات المجتمع، وذلك عكس مثلاً طلعت حرب الذي سعى لتأسيس صناعة وطنية في مواجهة المستعمر البريطاني.
ومع الانفتاح على العالم الرأسمالي، نشأ في منطقتنا العربية نوعيات من رجال الأعمال الراغبين في المكسب السريع، وارتبطوا بالرأسمالية العالمية أكثر من تعبيرهم عن مصالح المجتمع وهمومه الاقتصادية.
المصدر: شباب عالنت
Source: Annajah.net


