سلامة الدرعاوي

في أحدث تقرير اقتصادي لها كشفت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن الأسعار العالميّة للسلع الأساسية للحبوب والسكر والزيوت ومنتجات الألبان، بلغت في تشرين الثاني الماضي أعلى مستوى لها منذ ست سنوات، جراء تداعيات جائحة كورونا والذي يفاقم الأوضاع الهشة جراء النزاعات والآفات والتقلبات المناخية.

مؤشر الفاو لأسعار السلع الغذائية بلغ مع نهاية الشهر الماضي 105 نقاط أي زيادة بنسبة 3,9 % مقارنة بتشرين الأول و6,5 % مقارنة مع تشرين الثاني 2019، وهي الزيادة الشهرية الأهم منذ تموز 2012 التي تساهم في رفع المؤشر إلى أعلى مستوياته منذ كانون الأول 2014.

باللغة النسبية لأسعار السلع الرئيسة في الأسواق العالميّة منذ جائحة كورونا نجد ان الأرز والسكر والزيوت ارتفعت اسعارها بنسب بلغت ( 25 % و60 % و90 %)، كما ان المواد الغذائية الاساسية والاسمدة ارتفعت هي الأخرى 70 %، كما زادت اسعار كل من الحليب 25 % والبقوليات 40 %، إضافة إلى القمح والشعير اللذين ارتفعا بنسبة 70 % و60 % على التوالي، مصحوبا بارتفاعات شاهقة للأسعار وأجور الشحن العالمية التي تضاعفت لبعض الخطوط بأكثر من 13 ضعفاً.

هذه موجة ارتفاعات عالمية لا تستطيع الدول مهما كان حجمها مقاومتها او التصدي من خلال ما يسمى بآليات السوق من عرض وطلب، خاصة الدول التي تعتمد في احتياجاتها على الاستيراد، كالأردن على سبيل المثال لا الحصر الذي يصل لأكثر من 85 % من مجمل احتياجاته الكلية من السلع السابقة.

حركة الحكومة محلياً للمواجهة او التصدي لارتفاعات الأسعار شبه محدودة ان لم تكن معدومة في بعض الأحيان، فالخيارات التي قد تطرح على طاولة النقاش محدودة وتصطدم بمعيشته لتنفيذها.

فإذا أرادت الحكومة تثبيت الأسعار فإن هذا يعني توفير دعم جديد في الموازنة لتلك السلع، وهذا امر مستحيل في الظرف الراهن، فسياسات الدعم مرفوضة وغير مقبولة لصندوق النقد الدولي الذي ضغط خلال العقود الماضية لإزالة هذا الدعم من جهة، وعدم قدرة الموازنة على توفير أي مخصصات لمثل هذا الدعم أساسا.

الحكومة نفسها رفعت تقديراتها بالنسبة للتضخم خلال العام المقبل ضمن فرضياتها في مشروع قانون الموازنة العامة وبنسبة مقدرة بحوالي 2.5 % وهي ضعف ما كانت عليه خلال العام الحالي، وهي نسب على ما يبدو اقل مما قد يكون عليه الوضع فعليا على ضوء الارتفاعات الجنونية في الأسعار العالميّة للسلع الأساسيّة.

الحكومة أيضا حسمت أمرها فيما يتعلق بزيادة رواتب الموظفين، فباستثناء الزيادات الطبيعية لا يوجد اي تحسين على دخول العاملين في القطاع العام بالشكل الذي يغطي ارتفاعات الاسعار العالميّة وانعكاسها على الأسواق الداخليّة، وهذا بسبب وجود عجز مزمن يصل إلى اكثر من 2.3 مليار دينار بعد المنح مضافاً إليه العجز المالي للمؤسسات المستقلة.

أعود وأكرر من جديد لن تستطيع الحكومة بأي خطة او برنامج او إجراءات لمواجهة ارتفاع اسعار السلع عالميا مهما فعلت دون ان يكون لذلك كلف ماليّة كبيرة على الخزينة، والحل الوحيد الذي قد يكون الأكثر قبولا واقل كلفا على الموازنة هو دفع مبلغ مالي مقطوع لمرّة واحدة لكل من يستحق هذه الدعم لمواجهة ارتفاع الأسعار وحماية الأمن المعيشي للمواطنين من التدهور في سنة 2022، فالمبلغ المقطوع كلفته على الخزينة أقل بكثير من أي إجراء متاح في الأفق الرسميّ.

المقال السابق للكاتب

موازنة 2022.. أبعاد باتجاهين

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا