الجانب المظلم للذكاء العاطفي

0

لا شك أنَّ الذكاء العاطفي ضروري للنجاح في الحياة. وخلال إحدى المقابلات، روى غولمان (Goleman) قصةً حول حفل ضمَّ زملاؤه في المدرسة الثانوية وكيف اكتشفَ أنَّ أنجح شخص بين زملائه لم يكن الأذكى أو الأكثر مثابرةً؛ بل ألطف شخص كان يشعر الجميع بالراحة عند التعامل معه، ولربما لاحظتَ هذه الظاهرة في مكان عملك حيث لا تكون زيادة المرتب أو الترقية من نصيب أكثر العاملين اجتهاداً؛ بل العاملين الذين يتمتعون بأفضل المهارات الاجتماعية والدبلوماسية.

تَدعم الأبحاث صحة هذا الاعتقاد؛ فقد وجدَت دراسة طويلة الأمد دامت لمدة 40 عاماً، وأُجرِيت على 450 فتىً عدم وجود ترابط بين معدل الذكاء (IQ) والنجاح في الحياة، وكانت أبرز مؤشرات النجاح: القدرة على التعامل مع الإحباط، والتحكم في العواطف، والانسجام مع الآخرين.

تابعَت دراسة أخرى أبحاث 80 عالماً على مدار 40 عاماً، ووجدَت أنَّ القدرات الاجتماعية والعاطفية كانت أكثر أهميةً بأربعة أضعاف من معدل الذكاء في تحديد النجاح المهني والمكانة، والأمر المثير للدهشة كان ما توصلَت إليه دراسة أُجريت على اللاعبين المعتزلين في الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية (NFL)؛ حيث وجدَت أنَّ الذكاء العاطفي ساهم بنسبة 62% في تباين نجاحات كلٍّ من اللاعبين. وأخيراً، وجد استطلاع أُجري عام 2011 على 2600 مدير توظيف أنَّ 71% منهم يُفضِّلون الذكاء العاطفي (EI) على معدل الذكاء (IQ).

متى يكون الذكاء العاطفي نافعاً؟

إن كان أثرُ الذكاء العاطفي كما تخيله غولمان (Goleman)، فسيحقق غايته، حيث يوظف الناس ذكاءهم العاطفي من خلال وعيهم بعواطفهم الخاصة وعواطف الآخرين لتحقيق غايات اجتماعية إيجابية؛ أي نتائج مُرضية ليستفيد منها الجميع.

يُعدُّ الذكاء العاطفي مؤشراً رئيساً على قدرة الأطفال في تطوير علاقات مناسبة بأقرانهم، والانسجام في المنزل، وتطوير نظرة متوازنة للحياة، والتفوق الدراسي، وفقاً لخبير العلاقات والكوتش التنفيذي جيفري بيرنشتاين (Jeffrey Bernstein)، ويستخدم بيرنشتاين (Bernstein) مصطلح الذكاء العاطفي الذي يشمل خمس قدرات:

  1. الوعي الذاتي: معرفة عواطفك، والتعرف إلى المشاعر فور حدوثها، والتمييز بينها.
  2. السيطرة على التقلبات المزاجية: التعامل مع المشاعر بحيث تكون مناسبةً للوضع الحالي، كي تتمكن من التفاعل معها بصورة مناسبة.
  3. التحفيز الذاتي: حشدُ مشاعرك وتوجيه نفسك نحو الهدف، حتى لو سيطر عليك الشك بنفسك وعانيتَ القصور الذاتي والاندفاع.
  4. التعاطف: التعرف إلى مشاعر الآخرين والانتباه إلى ما يعبِّرون عنه لفظياً أو تلميحاتهم غير اللفظية.
  5. إدارة العلاقات: التحكم بالتفاعلات مع الأشخاص وحلُّ النزاعات والتفاوض.

احرص على إحاطة نفسك بالأشخاص الذين يمتلكون هذه المهارات، ففضلاً عن قدرتهم على معرفة رغباتك ومخاوفك، سيحترمونها أيضاً ويساعدونك في تحقيق أهدافك.

ونظراً لأهمية الذكاء العاطفي في تحقيق النجاح في المجالات جميعها -كالعلاقات الشخصية والنجاح الأكاديمي والمهني- كان تطوير مهارات الذكاء العاطفي أمراً بالغ الأهمية، كما تشير تالي شينفيلد (Tali Shenfield)، الخبيرة في علم النفس السريري لدى طلاب المدارس والأطفال، يتطور الذكاء العاطفي لدى الأطفال نتيجة تفاعلهم مع والديهم، وفي بعض العائلات، تكون العواطف من الأمور الخطيرة والمخزية التي لا يعترفون حتى هم بوجودها لديهم.

في مثل هذه البيئة، من الصعب تعلُّم كيفية تحديد عواطف المرء وإدارتها أو كيفية الاستجابة بفاعلية لعواطف الآخرين. وبناءً على ذلك، تحثُّ شينفيلد (Shenfield) الأهالي على عدم تجاهل عواطف الأطفال أو إقصائها أو قمعها ولا سيما السلبية منها؛ وبدلاً من ذلك، يجب على الأهالي التعاطف معها، وتقبُّلها، والاعتراف بها، وتشجيع أطفالهم على التحدث عن مشاعرهم، فيعلِّمهم ذلك أنَّ المشاعر هامة وتتطلب الاهتمام، كما يقلل هذا النهج أيضاً شعورهم بالذنب نتيجة الشعور بـ “مشاعر سيئة” مثل: الغضب والغيرة؛ لأنَّهم يتعلمون أنَّ الآخرين يعانون منها أيضاً، ويساعد استيعاب هذا المفهوم البسيط الأطفال على التحكم بتفاعلاتهم الاجتماعية بسلاسة أكبر.

شاهد بالفديو: 8 طرق لاستثمار الذكاء العاطفي في كسب محبة الناس

الجانب السلبي للذكاء العاطفي؛ عندما تكون نتائج الذكاء العاطفي سلبية:

تكمن المشكلة في كون الذكاء العاطفي محايداً من الناحية الأخلاقية، حيث يمكِنك توظيفه لمساعدة نفسك وحمايتها ودعمها، وكذلك لمساعدة الآخرين وحمايتهم ودعمهم؛ أو يوظَّف لدعم الذات على حساب الآخرين.

يتحول الذكاء العاطفي في أسوأ أشكاله إلى ميكافيلية بحتة، وهي فن التلاعب بالآخرين اجتماعياً من أجل تحقيق غايات الفرد الأنانية. وإن استخدم أحدهم الذكاء العاطفي على هذا النحو، فسيحوِّل الأشخاص الآخرين إلى أدوات اجتماعية يستغلها للتقدُّم حتى لو سبَّب لهم الضرر، ويخلط بعض الناس بين الميكافيلية وبين الاضطراب النفسي، أو حتى متلازمات الإعاقة الاجتماعية، مثل: متلازمة أسبرجر، لكن يمكِنك التمييز بينها حيث تختلف عن بعضها بهذه النواحي:

  • قد لا يعي الفرد المصاب بمتلازمة أسبرجر ما تشعر به.
  • لا يكترث المضطرب نفسياً بما تشعر به.
  • يتلاعب الميكافيلي بمشاعرك لتحقيق غايات أنانية.

من السهل أن تُظهر التجارب هذا الجانب السلبي من الذكاء العاطفي، ففي مجموعة من الدراسات، طُلِب من مجموعة صغيرة من طلاب الجامعات حلُّ معضلة افتراضية، وهي تحديد كيفية بقائهم على قيد الحياة بعد تحطُّم طائرة في منطقة جبلية نائية باستخدام حبل وعيدان ثقاب وأقل من لتر ماء، وفي كل مجموعة، استلمَ شخص واحد أو اثنين زمام السيطرة على المجموعة، ووجَّه المناقشة في مسارات معيَّنة وفرض حلوله على الآخرين.

الأمر المثير للاهتمام أنَّ هؤلاء الأشخاص المسيطرين كانوا ماهرين في الخداع، على سبيل المثال: عندما طُلب منهم ارتشاف مشروب كريه الطعم، ثمَّ إخبار الآخرين أنَّ مذاقه رائع، كانوا أكثر إقناعاً من غيرهم، ولم يستطع الآخرون تبيُّن كذبهم، وحدَث الشيء نفسه حتى عندما أُجرِيت الدراسة ذاتها على أطفال في مرحلة رياض الأطفال، وهنا أيضاً كان الأطفال المسيطرون الأمهر في الخداع.

في دراسة أخرى، لعب الشباب اليافعون لعبةً لاكتشاف مدى ميلهم إلى المصلحة العامة على حساب مصالحهم الشخصية، حيث سُمح للمشاركين بتشكيل مجموعات مشتركة يبلغ الحد الأعلى لعدد أعضائها 10 أشخاص، بحيث تزداد احتمالات فوزهم باليانصيب كلما حصلوا على مزيدٍ من النقاط، فكانت العقبة أنَّه إذا حصل الجميع على الحد الأقصى من النقاط التي يحق لهم الحصول عليها، ستُلغى جميع النقاط وسيُلغى سحبُ اليانصيب.

في الأبحاث السابقة، كان الأشخاص يكتفون عادةً بأقل بقليل من 4 نقاط لأنفسهم، تاركين الباقي للمجموعة المشترَكة، حيث أظهرَت النتائج أنَّ الأشخاص الذين كانت لديهم درجات عالية من الذكاء العاطفي في الاختبار الأولي، قد حصلوا على نقاط أقل بكثير مما كان متوقعاً في البحث السابق؛ ولكن هذا لم يكن يحصل إلَّا إذا كانوا قد سجلوا أيضاً درجات عالية في الاختبار الأولي الذي قيَّم الالتزامات الأخلاقية.

لا تقتصر هذه النتائج على التجارب ذات الأجواء المُحدَّدة مُسبقاً؛ بل تنطبق أيضاً على أجواء العمل الحقيقية؛ فقد أثبت الباحثون نفسهم ذلك في دراسة أخرى، وكان المشاركون موظفي الجامعة وليسوا طلاباً. بالإضافة إلى خضوعهم لاختبار للذكاء العاطفي، أجرى المشاركون أيضاً اختباراً لقياس ميولهم الميكيافيلية، ثمَّ طُلب منهم ملء استبيان حول مسألة النفور من بناء العلاقات، حيث طُلب منهم الإشارة إلى عدد المرات التي مارسوا فيها سلوكاتٍ سبعة تنُمُّ عن الانطوائية باستخدام مقياس مُرقَّمٍ من 1 (ويعني أنَّهم لم يُمارسوا هذه السلوكات نهائيَّاً) إلى 7 (ويعني أنَّهم يمارسونها كل يوم)، فأحد النماذج كان: “لقد أحرجتُ شخصاً ما في العمل علناً”.

ستفاجأ أنَّ الناس يجيبون عن هذه الأسئلة بصدق؛ في البحث السابق، وحقَّق استطلاع التقرير الذاتي درجات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتقارير المشرف حول هذه السلوكات، ووجد البحث التحليلي أيضاً النتائج نفسها عند إدراج التقارير الذاتية مقارنةً بالنتائج التي أُحرِزَت دون أخذ تلك التقارير في الحسبان. وأخيراً، حرص مُعِدُّو الدراسة على التأكيد على أن يكون الاستطلاع سرياً ولأغراض بحثية فقط.

كانت النتائج مذهلة: حيث سجل الأشخاص الذين سجلوا درجات عالية في الذكاء العاطفي والميكيافيلية درجات عالية جدَّاً على مقياس النفور من العلاقات: لقد استخدموا مهاراتهم العاطفية لمعاملة أقرانهم بدونية وإحراجهم لتحقيق مكاسب شخصية. من بين المشاركين الذين سجلوا درجات منخفضة في الميكافيلية، كان الذكاء العاطفي قليل الأهمية لذا سجلوا درجات منخفضة في مقياس النفور من بناء العلاقات الاجتماعية. استنتج المؤلفان أنَّ مجرد امتلاك ذكاء عاطفي عالٍ لا يحث بالضرورة على اللطف والرحمة، فيمكن استخدام الذكاء العاطفي العالي لتعزيز السلوك السيئ.

لاحظ رئيس قسم السلوك التنظيمي في جامعة لندن مارتن كيلدير (Martin Kildare) في مراجعة شاملة للجانب السلبي للذكاء العاطفي، أنَّ الأشخاص الأذكياء عاطفياً “يصوغون عواطفهم صياغةً مدروسة لتلفيق انطباعات إيجابية عن أنفسهم، فلا يقتصر التمويه الاستراتيجي لعواطف الفرد والتلاعب بعواطف الآخرين لغايات استراتيجية على مسرحيات شكسبير فحسب؛ ولكن يمارَس أيضاً في المكاتب والأروقة حيث يتم تداول السلطة والنفوذ”.

طالبت الأستاذة بجامعة ستانفورد جوان مارتن (Joanne Martin) باتِّباع “العاطفية المحدودة” في مكان العمل، وهو نهج إداري “يشجع التعبير المحدود عن العواطف في العمل بغية تشجيع بناء المجتمع والرفاه الشخصي في مكان العمل.

مصطلح “العاطفية المحدودة” هو تعديل على مفهوم “العقلانية المحدودة”، وهو مفهوم قدَّمه عالم الاقتصاد والسياسة وعلم النفس المعرفي والحائز على جائزة نوبل هربرت سيمون (Herbert Simon) لوصف صنع القرار في عالم الواقع، وأشار إلى أنَّه نظراً لوقتنا المحدود وشح مصادرنا المعرفية وضعف ذاكرتنا -الأسباب التي تدفعنا نحو اتخاذ القرارات في الحياة الواقعية- فإنَّنا نسعى كثيراً إلى حلول مُرضية بدلاً من الحلول المثلى التي تتطلب المزيد من الوقت والتفكير المعمق.

من وجهة النظر هذه، نحن صناع قرار عقلانيون؛ لكنَّ عقلانيتنا مقيدة بمصادر محدودة لصنع القرار. وطبَّقَت البروفيسور مارتن (Martin) المفهوم نفسه على العواطف، فمن غير المعقول أن نفترض أنَّ الناس يتناسون عواطفهم في مكان العمل، ويشرعون في العمل بإتقان دون تحيزات، ولا سيَّما عندما يتعلق جزء كبير من تلك الأعمال التجارية بالتعامل مع زملاء العمل والزبائن، ولكن نظراً لأنَّ الكثير من العواطف يمكِن أن تطغى على المنطق السليم، فيجب “تقييد” العاطفة أو الحد منها استناداً إلى المبادئ.

شاهد بالفديو: 8 تقنيات لزيادة الحافز في مكان العمل

أجرى فريق بحثيٌّ بقيادة مارتن (Martin) تحقيقاً متعمقاً لديناميكيات مكان العمل في سلسلة متاجر ذا بادي شوب (The Body Shop) لبيع مستلزمات الاستحمام والتجميل، سعياً منه إلى استكشاف هذا المفهوم، وفي التقرير الذي يستند إلى هذه الدراسة، أوضحَت أنيتا روديك (Anita Roddick)، مؤسسة هذه المتاجر طريقتها المفضلة لاستخدام العاطفة في مكان العمل قائلةً: “كلما أردنا إقناع موظفينا بدعم مشروع معيَّن، حاولنا دائماً إحباطهم”، حيث استُخدِمت تقنيات لتحقيق هذه الغاية على نحو استراتيجي، على سبيل المثال: أوعزَت روديك (Roddick) لموظفيها أنَّه لا بأس بالبكاء؛ لكن يجب توظيفه حسب الموقف، فقد يعترض بعض الأشخاص على مثلِ هذه التكتيكات التي تتجاوز الحد الفاصل بين التحفيز والتلاعب؛ لذلك على الرغم من تصوُّر مارتن (Martin) لـ “العاطفة المحدودة” كوسيلة لتعزيز الرفاه في مكان العمل، إلا أنَّه ليس من الضروري تطبيقها على أرض الواقع.

الخلاصة:

يستند النجاح في الحياة في جزء كبير منه إلى النجاح اجتماعياً، ويعتمد جزء كبير من النجاح الاجتماعي على الذكاء العاطفي، ولكن كما تُظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث، في إمكان الذكاء العاطفي أن يَحُطَّ من شأن المرء مثلما في إمكانه أن يُعلي قدره.

المصدر

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد