كيف تبقى متحفزاً في الحياة والعمل؟

0

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب جيمس كلير (James Clear)، والذي يحدثنا فيه عن قاعدة الاعتدال التي تحث على اختيار مهمات تتناسب مع قدراتنا الحالية.

كانت ديزني لاند (Disneyland) قد افتُتِحت لتوها في أنهايم (Anaheim) بكاليفورنيا (California) في عام 1955، عندما دخل صبي يبلغ من العمر 10 سنوات وطلب وظيفة؛ وبما أنَّ قوانين العمل كانت متساهلة في ذلك الوقت، تمكَّن الصبي من الحصول على عمل يبيع فيه كتيبات إرشادية مقابل 0.50 دولار للقطعة الواحدة.

وفي غضون عام، انتقل إلى تقديم عروض السحر في شركة ديزني، حيث تعلم الحيل من الموظفين الأكبر سناً، وجرَّب إلقاء النكات وبعض العروض البسيطة على الزوار؛ ولكن سرعان ما اكتشف أنَّ ما يحبه لم يكن أداء السحر، بل أن يصبح فناناً كوميدياً؛ لذا بدأ منذ سنوات المراهقة بتقديم العروض في النوادي الصغيرة حول لوس أنجلوس (Los Angeles)، حيث كانت الحشود صغيرة وعروضه قصيرة، فقلما وقف على خشبة المسرح لأكثر من خمس دقائق، وكان معظم الحضور مشغولين بالشرب والحديث بدلاً من متابعة العرض، حتى أنَّه قدم عرضاً كوميدياً في أحد الأيام دون وجود حضور على الإطلاق.

لم يكن عمله مثيراً، لكن كان أداؤه يتحسن دون شك، حيث كانت عروضه الأولى تستغرق دقيقة أو دقيقتين فقط، ثم توسع عمله ليشمل عرضاً مدته خمس دقائق عندما كان في المدرسة الثانوية، وازدادت المدة إلى عشر دقائق بعد بضع سنوات، وأصبح يؤدي في التاسعة عشرة من عمره أسبوعياً لمدة عشرين دقيقة متواصلة في كل عرض، وكانت مهاراته في حالة تقدم مستمر.

لقد قضى عقداً آخر في التجريب والتعديل والممارسة ليتولى وظيفة كاتب تلفزيوني، ثم تمكَّن تدريجياً من تقديم عروضه الخاصة في البرامج الحوارية، وأخيراً، وبعد قرابة خمسة عشر عاماً من العمل، أصبح الفتى مشهوراً، وتجول في معظم المدن والولايات الأمريكية، وازداد جمهوره ازدياداً ملحوظاً ليتصدَّر هذا النوع من الفن ويصبح أحد أبرز الكوميديين في عصره، وكان بحلول منتصف السبعينيات قد شق طريقه ليصبح ضيفاً دائماً في برنامجي ذا تونايت شو (The Tonight Show) وذا ساترداي نايت شو (Saturday Night Show).

إنَّه ستيف مارتن (Steve Martin).

كيف تبقى متحفزاً؟

لقد انتهيت مؤخراً من قراءة السيرة الذاتية الرائعة لستيف مارتن “وُلِدتُ لأكون فناناً كوميدياً” (Born Standing Up)، والتي تقدم فكرة رائعة عمَّا يلزم فعله للالتزام بالعادات على الأمد الطويل، إذ لا يمكن للشخص الخجول أن يكون كوميدياً، ومن الصعب أن نتخيل موقفاً يبث الخوف في قلوب أكبر عدد من الناس أكثر من الأداء الفردي على خشبة المسرح وعدم إثارة ضحكة واحدة؛ ولكن مع ذلك، واجه ستيف مارتن هذا الخوف كل أسبوع لمدة ثمانية عشر عاماً، حيث قال: “قضيت 10 سنوات في التعلم، و4 سنوات في صقل مهاراتي، و4 سنوات من النجاح الباهر”.

لماذا يلتزم بعض الناس مثل مارتن بعاداتهم، بينما يكافح معظمنا للبقاء متحفزاً؟ وكيف نصمم العادات التي تجذبنا بدلاً من تلك التي تتلاشى؟

درس العلماء هذا السؤال لسنوات عديدة، ورغم أنَّه لا يزال يوجد الكثير لنتعلمه، وجدت إحدى الاكتشافات الأكثر تماسكاً أنَّ طريقة الحفاظ على التحفيز وتحقيق مستويات عالية من الرغبة يكون من خلال العمل على مَهمَّات صعبة يمكن التحكم بها.

قاعدة الاعتدال (Goldilocks):

يحب العقل البشري التحدي، ولكن فقط إذا كان ضمن نطاق الصعوبة الأمثل؛ فإن كنت تحب التنس وحاولت أن تلعب مباراة مع طفل يبلغ من العمر أربع سنوات، فستشعر بالملل بسرعة من كون المباراة سهلة جداً؛ وفي المقابل، إذا بارزت لاعب تنس محترف مثل روجر فيدرر (Roger Federer) أو سيرينا ويليامز (Serena Williams)، فستفقد الدافع بسرعة لكونِ المباراة صعبة للغاية.

فكر الآن في مبارزة شخص في مستواك نفسه، حيث ستكسب مع تقدم اللعبة بعض النقاط وتخسر بعضها الآخر، ولكن لا يزال لديك فرصة جيدة للفوز إذا حاولت بجد، بحيث يضيق تركيزك وتتلاشى المشتتات وتجد نفسك مُنشدَّاً بالكامل إلى المَهمَّة التي بين يديك.

يمثل هذا تحدٍ لصعوبة يمكن التحكم بها، وهو مثال رائع عن قاعدة الاعتدال التي تنص على أنَّ البشر يشعرون بذروة التحفيز عند العمل على المَهمَّات التي تناسب أقصى قدراتهم الحالية.

شاهد بالفديو: 11 وسيلة لتعزيز القدرات العقلية والذاكرة والتحفيز

تُعدُّ مهنة مارتن الكوميدية مثالاً ممتازاً لقاعدة الاعتدال على أرض الواقع، حيث كان يمدد عرضه الكوميدي في كل عام لدقيقة أو اثنتين فقط، وكان يضيف دائماً مواد جديدة، لكنَّه احتفظ أيضاً ببعض النكات التي تضمن إثارة الضحك لدى الحضور؛ فقد كان لديه انتصارات كافية لإبقائه متحفزاً وأخطاء كافية لتحفيزه على العمل بجد.

قياس تقدمك:

إذا كنت تريد أن تتعلم كيف تبقى متحفزاً للوصول إلى أهدافك، فيوجد جزء ثانٍ من أحجية التحفيز التي يجب فهمها، وهو تحقيق ذاك المزيج المثالي من العمل الجاد والسعادة.

إنَّ العمل على التحديات ذات المستوى الأمثل من الصعوبة ليس محفزاً فحسب، بل يعدُّ مصدراً رئيساً للسعادة أيضاً؛ فكما قال اختصاصي علم النفس جلبرت بريم (Gilbert Brim): “أحد المصادر الهامة لسعادة الإنسان هو العمل على مَهمَّات ذات مستوى مناسب من الصعوبة، أي ليست صعبة جداً ولا سهلة جداً”.

يُشار أحياناً إلى هذا المزيج من السعادة وذروة الأداء باسم التدفق، وهو ما يشعر به الرياضيون وفنانو الأداء عندما يكونون في حالة تركيز كامل؛ فالتدفق هو الحالة الذهنية التي تعيشها عندما تركز على المَهمَّة التي تقوم بها، ولا تشعر بأي شيء آخر من حولك؛ ومن أجل الوصول إلى حالة ذروة الأداء هذه، لا تحتاج فقط إلى العمل على التحديات بالدرجة المناسبة من الصعوبة، ولكن أيضاً إلى قياس تقدمك الفوري؛ فكما يوضح عالم النفس جوناثان هايدت (Jonathan Haidt): “إنَّ أحد مفاتيح الوصول إلى حالة التدفق هو أن تحصل على تغذية راجعة حول ما تفعله في كل خطوة”.

إنَّ رؤية نفسك تحرز تقدماً في الوقت الحالي أمر محفز، فقد كان ستيف مارتن يروي نكتة ويعرف على الفور ما إذا كانت ستنجح بناء على ضحك الجمهور، ولك أن تتخيل مدى الإدمان على إثارة هدير من الضحك؛ فقد تكون التغذية الراجعة الإيجابية التي حصل عليها مارتن من نكتة واحدة كافية للتغلب على مخاوفه وإلهامه العمل لأسابيع.

يختلف القياس في مجالات أخرى من الحياة، ولكنَّه لا يقل أهمية عن تحقيق مزيج من التحفيز والسعادة؛ فمثلاً: تحصل في لعبة التنس على تغذية راجعة فورية بناء على فوزك بالنقطة أم لا، وبغض النظر عن طريقة القياس، يحتاج الدماغ البشري إلى طريقة ما لتقييم تقدمنا للحفاظ على التحفيز؛ فنحن بحاجة إلى رؤية مكاسبنا قبل أي شيء آخر.

خطوتان للتحفيز:

إذا أردنا تبسيط لغز كيفية البقاء متحفزاً على الأمد الطويل، فيمكننا ببساطة أن نقول:

  • التزم بقاعدة الاعتدال (Goldilocks) واعمل على مَهمَّات يمكن التحكم بها.
  • قِس تقدمك واحصل على تغذية راجعة فورية كلما أمكن ذلك.

فالرغبة في تحسين حياتك أمر سهل، ولكنَّ التمسك بها أمر آخر؛ فإذا كنت تريد أن تبقى متحفزاً إلى الأبد، ابدأ بتحدٍ يمكنك التحكم به، وقِس تقدمك، وكرر العملية.

 

المصدر

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد